
في كل موسم سياسي أو إنساني أو عاطفي، يخرج علينا جيش جديد من الفرسان الرقميين الذين يكتشفون فجأة أن ضمائرهم كانت نائمة في غرفة الإنعاش، وأن البشرية لا يمكن أن تستمر دقيقة إضافية دون بياناتهم الملتهبة وصورهم البطولية وتعليقاتهم التي تقطر حكمة وتضحية.
يتحول الهاتف إلى بندقية أخلاقية، وتصبح مواقع التواصل الاجتماعي ساحة لتحرير العالم، بينما يبقى العالم نفسه على حاله، جالسا في زاويته القديمة، يدخن سجائره بهدوء ويسخر من الجميع.
النضال الموسمي ليس التزاما أخلاقيا بقدر ما هو استثمار ذكي في اقتصاد الشهرة. بعض الناس لا يبحثون عن العدالة، بل عن زاوية تصوير جيدة بجانبها. لا يريدون إنقاذ الضحايا، بل يريدون الظهور بمظهر الشخص الذي يشعر بآلام الضحايا أكثر من الضحايا أنفسهم. هناك من يرفع الشعارات كما يرفع المراهق قميص فريقه المفضل، فقط لأن الأمر رائج ويمنحه شعورا مؤقتا بالعظمة والانتماء والتفوق الأخلاقي على الآخرين.
الأمر يصبح أكثر إثارة للسخرية حين يتحول بعض الأطباء إلى أبطال سينمائيين موسميين. الطبيب الذي يرفض العمل في قرية مغربية نائية لأن الطريق غير معبدة، ولأن «السكانير كاع ما كاين»، ولأن شبكة الهاتف ضعيفة، يتحول فجأة إلى «سوبرمان» مستعد لعبور البحار من أجل «تحرير غزة». يصبح مستعدا لمواجهة البوارج والأساطيل والقوى العظمى، لكنه غير مستعد لقضاء ستة أشهر في منطقة جبلية داخل وطنه. هنا لا نتحدث عن تضامن إنساني بريء، بل عن ظاهرة نفسية معقدة تختلط فيها الرغبة في البطولة مع الهروب من الواجب الحقيقي.
الواجب الحقيقي ممل، بطيء وغير قابل للتصوير. لا توجد كاميرات تلاحق الطبيب الذي يشتغل سنوات في قرية منسية، ولا يوجد «تراند» لمن يقضي لياليه في علاج الفقراء بصمت. البطولة اليومية لا تمنح صاحبها آلاف المتابعين، ولا تستدعي استضافته في البرامج الحوارية. لذلك يفضل البعض البطولة البعيدة، لأنها أقل تكلفة أخلاقية وأكثر ربحا رمزيا. الإنسان يحب المعارك التي لا تطلب منه التضحية الفعلية، بل فقط أداء دور الضحية أو المنقذ أمام الجمهور.
سيكولوجيا هذه الظاهرة تقوم على ما يسميه علماء النفس بالتعويض النرجسي. الفرد الذي يشعر بالعجز أو الفراغ أو انعدام التأثير الحقيقي في حياته، يبحث عن قضية ضخمة يذوب داخلها حتى يشعر بأنه أكبر من حجمه الطبيعي. فجأة يصبح خبيرا في الجغرافيا والسياسة والحروب والعلاقات الدولية، ويبدأ في مخاطبة الدولة كما لو أنه قائد أسطول بحري وليس مجرد شخص يكتب المنشورات من مقهى مكيف. المشكلة أن هذا النوع من النضال لا يهدف إلى الحلول بقدر ما يهدف إلى صناعة صورة بطولية للذات.
السياسي بدوره يلعب اللعبة نفسها ولكن بحذر. يحرض الشباب على المغامرات العاطفية الكبرى، يتحدث عن الكرامة والبطولة والتضحية، ثم يعود بهدوء إلى صالون فيلته الفاخرة المحاطة بأشجار الليمون. هناك، يحتسي كأس «خودنجال» منعش ويشاهد نشرات الموت بارتياح، بينما الشاب الذي صدق الخطاب الحماسي يحاول تفسير سبب تحوله إلى وقود مجاني في معركة لا يفهم خيوطها أصلا.
أخطر ما في النضال الاستعراضي أنه يحول القضايا الإنسانية إلى مسرح ضخم للأنا. تختفي الحكمة، ويتراجع التفكير الاستراتيجي ويصبح كل من يرفض التهور متهما بالجبن أو الخيانة. وهكذا تنتصر العاطفة السريعة على العقل، ويصبح التصفيق أهم من النتائج، والصورة أهم من الفعل والضجيج أهم من المسؤولية. وفي النهاية، يكتشف الجميع أن العالم لم يتغير كثيرا، لكن عددا لا بأس به من الناس حصلوا بالفعل على المتابعين والشهرة وبعض العقود الإعلانية أيضا.
المهزلة الحقيقية أن أصحاب هذا النضال يتعاملون مع الدولة كما لو أنها شركة إنتاج مسؤولة عن توفير المؤثرات البصرية لأحلامهم الشخصية. يريدون قرارات انفعالية، وردود فعل مسرحية ومواقف مصنوعة خصيصا لتغذية إحساسهم الداخلي بالعظمة. وإذا حاول أحد تذكيرهم بتعقيدات السياسة الدولية أو بحسابات الأمن القومي أو بضرورة ترتيب الأولويات داخل الوطن، اتهموه مباشرة بالخيانة أو بانعدام الإنسانية. العقل بالنسبة إليهم عدو مزعج يعكر صفو الحماس الجماعي، لذلك تتحول النقاشات بسرعة إلى مزايدات أخلاقية فارغة، حيث يتنافس الجميع حول من يصرخ أكثر لا حول من يفكر أفضل. والمثير للشفقة أن كثيرين من هؤلاء لا يستطيعون تحمل أبسط أشكال الانضباط داخل حياتهم اليومية، لكنهم يقدمون أنفسهم باعتبارهم قادة مشروع تاريخي لتغيير العالم. إنهم ثوار اللحظة القصيرة، أولئك الذين يختفون مباشرة بعد انطفاء الكاميرات، تاركين خلفهم ضجيجا كثيفا وواقعا أكثر ارتباكا من السابق.
أمام هذا الوضع، يجد المواطن البسيط نفسه مطالبا بدفع فاتورة هذه العروض الموسمية. هو الذي ينتظر طبيبا في المستشفى العمومي، وأستاذا في المدرسة القروية وسياسيا يتصرف بعقل دولة لا بعقل مؤثر يبحث عن الإعجابات. أما أبطال المواسم الكبرى فيواصلون التنقل بين القضايا كما يتنقل السائح بين المنتجعات، يحملون حقائبهم الأخلاقية الخفيفة ويبحثون دائما عن الكاميرا التالية، وعن تصفيق جديد يدفئ هشاشتهم الداخلية لبعض الوقت قبل الاختفاء مجددا.





