الرئيسية

أمثال وحكايات من عيون الأدب

الحلقة الخامسة : أَخْصَبُ مِنْ صَبيحَةِ لَيْلَةِ الظُّلْمَةِ

وذلك أنه أصابت الناسَ ليلةً ببغداد ريحٌ جاءت بما لم تأتِ به قطُّ ريحٌ، وذلك في أيام المهدي، فألفى ساجداً وهو يقول: اللهم احفظنا واحفظ فينا نبيك عليه السلام، ولا تُشَمِتْ بنا أعداءنا من الأمم، وإن كنت يا رب أخَذْتَ الناسَ بذنبي فهذه ناصيتي بيدك، فارحمنا يا أرحم الراحمين، في دعاء كبير حُفِظَ منه هذا، فلما أصبح تصدَّقَ بألف ألف درهم، وأعتق مائة رقبة، وأحجَّ مائة رجل، ففعل مثل ذلك جُلُّ قواده وبطانته والخيزران ومن أشبه هؤلاء، فكَان الناسُ بعد ذلك إذا ذكروا الخِصْبَ قالوا: أخْصَبُ من صبيحة ليلة الظلمة.

مقالات ذات صلة

صارت الفتيان حُمَماٌ
المثَلُ هو لعمرو بن هند، وكان سويد بن ربيعة التميمي قَتَلَ أخًا له وهربَ، فقتلَ عمرو تسعة من ولده، وحَلفَ: ليقتُلَنَّ مائةً من قوْمه، فقتلَ ثمانية وتسعين رجلاً منهم إحراقًا بالنار، وكان التاسعُ والتسعون وافدًا من البراجم، أَتَى وقد شدَّه إلى الملك رائحةُ اللحم المشوي من قوْمه، وكانتْ ضمرة صاحبة المثَلِ تمام المائة.

أَعَزّ مِنْ مَرْوانَ القرظ
يحكي رواة الأخبار أن مروان القرظ بن زنباع العبسي الذي يقال فيه هذا المثل غزا بكر بن وائل فقصّوا أثر جيشه فأسره رجل منهم يقال له زهير بن أمية بن جشم بن تيم الله بن ثعلبة وهو لا يعرفه فأتى به أمّهُ فلما رأته يسوق أسيره قالت : إنك لتختال بأسيرك كأنك قد جئتَ بمروان القرظ
فقال لها مروان : وما ترتجين من مروان قالت : كثرة فدائه قال : وكم مبلغ رجائك من فدائه قالت : مائة بعير. قال مروان : لك عندي مائة بعير على أن تؤديني إلى خُماعة بنت عوف ابن محلم . قالت : ومن لي بالإبل فأخذ عوداً من الأرض وقال : هذا لك فمضت به إلى خماعة فبعثت به إلى أبيها.
ثم إن عمرو بن هند بعث إلى عوف أن يأتيه بمروان وكان عليه واجداً، فقال عوف لرسول الملك : إن خماعة بنتي قد أجارته فقال : إن الملك قد آلى أن لا يعفو عنه أو يضع كفه في كفه. فقال عوف : على أن يكون كفي بين أيديهما ثم حمله إليه على هذه الشريطة فعفا الملك عنه وقال : ( لا حرّ بوادي عَوْف )
ووهم أبو عبيد فيما أورده فقال : إن الذي كان يطلبه المنذر بالذحل زهير بن أمية وإنما المطلوب بذلك مروان القرظ وأسره زهير بن أمية. قال أبو عبيد : ومن أمثالهم في العزة قولهم ( تمَرَّدَ مَارِدٌ وَعَزَّ الأَبْلَقُ ) وكان المفضل يقول : هذا المثل للزبى الملكة وكانت سارت إلى مارد حصن دومة الجندل وإلى الأبلق حصن تيماء فامتنعا عليها فعندها قالت ( تَمَرّدَ مارد وَعَزّ الأبْلَق ).

آكَلُ مِنَ السُّوسِ
آكَلُ مِنَ السُّوسِ: فقد قالوا في مثل آخر: العيالُ سُوسُ المالِ، وقيل لخالد بن صَفْوان بن الأهتم: كيف ابْنُكَ؟ فقال: سيدُ فِتيان قومه ظَرْفا وأدبا، فقيل: كم ترزقه في كل شهر؟ قال: ثلاثين درهما، فقيل: وأين يقع منه ثلاثون درهما؟ هلا تزيد وأنت تستغلُّ ثلاثين ألفا، فقال: الثلاثون أسرع في هلاك مالي من السوس في الصوف بالصيف، فحكى كلامه للحسن فقال: أشهد أن خالداً تميميٌّ لرِشْدَة، وإنما قال الحسن ذلك لأن بني تميم مَعْروفون بالبخل والنهم.

أكثر من الصديق فإنك على العدو قادر
أول من قال هذا حسب الرواة هو أبجر بن جابر العجلي البكري الوائلي، وكان من خبر. ذلك أن حجار بن أبجر كان نصرانياً، فرغب في الإسلام، فأتى أباه فقال : يا أبت إني أرى قوماً قد دخلوا في هذا الدين ليس لهم مثل قدمي، ولا مثل آبائي، فشرفوا، فأحب أن تأذن لي فيه، فقال : يا بني إذ أزمعت على هذا فلا تعجل حتى أقدم على عمر فأوصيه بك وإن كنت لا بد فاعلاً فخذ مني ما أقول لك، إياك وأن تكون لك همة دون الغاية القصوى، وإياك والسّآمة فإنك إن سئمت قذفتك الرجال خلف أعقابها، وإذا دخلت مصراً( فأكثر من الصديق فإنك على العدو قادر)، وإذا حضرت باب السلطان فلا تنازعنّ بوابه على بابه، فإن أيسر ما يلقاك منه أن يعلقك اسماً يسبك الناس به، وإذا وصلت إلى أميرك فبوّئي لنفسك منزلا يجمل بك، وإياك أن تجلس مجلس يقصر بك، وإن أنت جالست أميرك فلا تجالسه بخلاف هواه فإنك إن فعلت ذلك لم آمن عليك – وإن لم تعجل عقوبتك – أن ينفر قلبه عنك، فلا يزال منك منقبضاً، وإياك والخُطب فإنها مشوار كثيرُ العثار، ولا تكن حلواً فتزدرد، ولا مرّا فتلفظ، واعلم أن أمثل القوم تقيّةً الصابر عند نزول الحقائق الذُّابُّ عن الحرم.

أَمَكْرا وأنت في الحديد
ومعنى المثل ..أتظهر مكرك ولؤمك وأنت مغلوب مقيد ذليل. يقولون : إن هذا المثل قاله عبد الملك بن مروان لسعيد بن عمرو بن العاص. وكان الرجل مقيدا بالحديد والأغلال فلما أراد عبد الملك أن يقتله قال له سعيد: يا أمير المؤمنين :ان رأيت ألا تفضحني بأن تخرجني للناس فتقتلني بحضرتهم فافعل. وأراد سعيد بهذا القول أن يخالفه عبد الملك في ما أراد فيخرجه فإذا ظهر أمام الناس ساعة القتل منعه أصحابه من القتل وناصروه
فقال عبد الملك :يا أبا أمية ..أمكرا وأنت في الحديد.
ويضرب هذا المثل لمن أراد أن يمكر ويخدع وهو مقيد ذليل.

أسد علي وفي الحروب نعامة
قال هذا المثل الشاعر عمران بن حطان.
ذكر صاحب الأغاني أن غزالة الحرورية_من الخوارج_لما دخلت على الحجاج هي وشبيب بن شبة بالكوفة ..تحصن منها وأغلق قصره عليه..
فكتب إليه عمران بن حطان، وقد كان الحجاج لج في طلبه:
أسد علي في الحروب نعام/ فتخاء تنفر من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الوغى/بل كان قلبك في جناحي طائر
صدعت غزالة قلبه بفوارس/ تركت مدابره كأمس الدابر.

أَقْرَى مِن زاد الرَّكْب
زعم ابن الأعرابي أنَّ هذا المثل مِن أمثال قريش، ضربوه لثلاثة مِن أجودهم: مسافر بن أبي عمرو بن أميَّة، وأبي أميَّة بن المغيرة، والأسود بن عبد المطَّلب ابن أسد بن عبد العُزَّى، سُمُّوا زاد الركب؛ لأنَّهم كانوا إذا سافروا مع قومٍ لم يتزوَّدوا معهم.

أَقْرَى مِن حَاسِي الذَّهب
هذا أيضًا مِن قريش، وهو عبد الله بن جُدْعَان التَّيمي الذي قال فيه أبو الصَّلت الثَّقفيُّ:
له داع بمكَّة مُشْمَعِلٌّ/وآخر فوق دارته ينادي
إلى درج من الشِّيزَى ملاء/لُبابَ البُرِّ يُلْبَكُ بالشِّهادِ
وسُمِّي (حاسي الذَّهب) لأنَّه كان يشرب في إناء مِن الذَّهب .

أَقْرَى مِن مطاعيم الرِّيح
زعم ابن الأعرابي أنَّهم أربعة أحدهم: عمُّ محجن الثَّقفي، ولم يُسَم الباقين.
قال أبو النَّدى: هم كِنَانة بن عبد ياليل الثَّقفي عمُّ أبي محجن، ولبيد بن ربيعة، وأبوه، كانوا إذا هبَّت الصَّبا أطعموا النَّاس، وخصوا الصَّبا لأنَّها لا تهب إلَّا في جدب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى