الرئيسيةالملف التربوي

أمزازي في لندن لتهيئة المناخ المناسب لتنزيل نظام «الباشلور» ابتداء من شتنبر

اتهام النظام الجامعي الحالي بتكريس التناقض بين التشغيل والاقتصاد

المصطفى مورادي
حلَّ وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، سعيد أمزازي، بالعاصمة البريطانية لندن، للمشاركة في أكبر منتدى سنوي لوزراء التعليم والمهارات في العالم، والذي ناقش هذه السنة موضوع: «جيل واحد – ما الذي يتطلبه الأمر لتغيير التعليم؟».
هذا المنتدى، الذي شهد مشاركة 124 وزيرا للتعليم عبر أنحاء العالم، تزامن مع قرار المغرب اعتماد نظام الباكلوريوس في التعليم العالي، وهو النظام الذي يعول عليه كثيرا لحل معضلات بنيوية في هذا القطاع. مشاركة أمزازي في المنتدى العالمي للتعليم تأتي، أيضاً، عقب لقاء نظم قبل ثلاثة أسابيع في مراكش، بشراكة مع السفارة الأمريكية في المغرب، لبحث سبل تعزيز التعاون مع الدول التي تعتمد الإنجليزية في التعليم، ومرافقة المغرب في تنزيل تحوله اللغوي في هذا المجال.

المغرب يولي وجهه نحو النموذج الأنجلوساكسوني
منتدى التعليم العالمي عرف هذه السنة مشاركة نوعية من طرف المغرب، لذلك شهد كلمة ألقاها سعيد أمزازي أكد فيها على أنه، «في أعقاب التقدم المحرز في ما يتعلق بالوصول الشامل إلى التعليم، أصبح التباين في التعليم وكذلك تحسين نوعية التعلم الأولوية الرئيسية لنظام التعليم المغربي»، عارضا مختلف إصلاحات نظام التعليم الذي انخرط فيه المغرب منذ عام 1999 باعتماد الميثاق الوطني للتعليم والتكوين، إلى القانون الإطار 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، بما في ذلك الرؤية الاستراتيجية للإصلاح للفترة 2015-2030، مشيرا إلى أن الهدف الأساسي من كافة الإصلاحات هو إنشاء «ميثاق وطني بالتراضي حول مدرسة جديدة تقوم على المساواة وتكافؤ الفرص والجودة للجميع وتعزيز الفرد والمجتمع، مع تعزيز إمكانية توظيف خريجي المدارس المغربية».
وأبرز الوزير الدور المركزي الذي يلعبه التعليم في التنمية الاجتماعية والاقتصادية لإثراء رأس المال البشري وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وزير التربية الوطنية أمزازي هو أول وزير للتعليم من الدول المغاربية، يخاطب المنتدى العالمي للتعليم هذا العام، والذي يضم قادة من المنظمات العالمية والدولية، بما فيها اليونسكو والبنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي والمجلس الثقافي البريطاني.
وعلى هامش المنتدى العالمي للتعليم، أجرى الوفد المغربي محادثات ثنائية مع نظرائه من المملكة المتحدة. محادثات أفرزت لجنة مشتركة بين البلدين للتعليم العالي، بهدف إقامة شراكات جديدة بين الجامعات ومؤسسات الأبحاث المغربية والبريطانية. كما انعقد، يوم الأربعاء 22 يناير، الاجتماع الافتتاحي للجنة المشتركة بين المملكة المتحدة والمغرب، في حرم جامعة كوفنتري في لندن يضم الأعضاء الممثلين للمملكة المتحدة. ويتعلق الأمر بوزارة التنمية الدولية والمجلس الثقافي البريطاني والجامعات البريطانية ووكالة ضمان الجودة بالمملكة المتحدة. وستعمل اللجنة المشتركة الجديدة للتعليم العالي على تعزيز التعاون بين البلدين في مجالات عديدة، من بينها التعاون في ميدان الأبحاث والتبادلات الأكاديمية والمساعدة التقنية وتنقل الطلاب.

نهاية نظام 2003 ابتداء من شتنبر
انخرط المغرب في منعرج دولي تاريخي عرفته منظومة التعليم العالي والبحث العلمي في التاريخ الحديث، حينما اجتمعت مجموعة من الدول من أوربا في مدينة بولون سنة 1999 وأطلقوا مسار بولون (le processus de Bologne)، بهدف وضع أسس فضاء أوربي للتعليم العالي قبل متم 2010. وهيأ المغرب لهذا الانخراط بشكل أثار مجموعة من الإشكالات والمشاكل، في صيغته الأولى سنتي 2001 – 2002، إذ كانت وزارة التعليم العالي عملت على إنشاء مجموعة من الهياكل الجهوية والوطنية، ليتم الإعلان عن انطلاق نظام إجازة ماستر دكتوراه (LMD) سنة 2003. فحسب ملاحظين، فقبل سنة 2003 كان عرض التعليم العالي لا يتجاوز التكوين التقليدي في شتى المجالات الإدارية والحقوقية والاقتصادية والإنسانية والعلمية والتقنية، بل إنه لم يكن يتجاوز 50 مجالا في كل الحقول، وبعد أقل من 20 سنة صار العرض اليوم يقارب 3000 مسلك للتكوين الدقيق. ولبلوغ ذلك، حسب المتتبعين، وفرت الدولة المغربية، ولأول مرة في تاريخ التعليم العالي، ميزانية غير مسبوقة بلغت 12,6 مليار درهم لسنوات 2009-2012، لكن هذا لم يؤد إلى تحقيق النتائج المسطرة له.
وحسب الأستاذ محمد درويش، الباحث الجامعي والفاعل النقابي والجمعوي، فإن التعليم العالي بالمغرب عرف تطورا غيرَ مسبوق خلال السنوات العشرين من القرن الماضي، إذ يبلغ عدد الطلاب اليوم مليون طالب يتابعون دراساتهم العليا باثنتي عشرة جامعة، وأكثر من 160 مؤسسة للتعليم العالي في شتى التخصصات، من علوم وتقنيات وطب وصيدلة وعلوم إنسانية واجتماعية، موزعة على كل جهات المملكة، من طنجة إلى وجدة إلى الداخلة، وهذا أمر يسعدنا ونعتز به، لكن، في المقابل، هناك عدة اختلالات ومشاكل يعرفها قطاع التعليم العالي، بل واكبت كل محاولات الإصلاح التي عرفتها منظومة التعليم العالي والبحث العلمي.
لسوء الحظ، يضيف الأستاذ درويش، أن أي محاولة للإصلاح تكون على أرض مختلة، فيتم الجمع بين الخلل ونقيضه لتختل البنية بكاملها، وهكذا يشكو التعليم العالي من ضعف سنوات الإشهاد التي تصل إلى 10 بالمائة في تخصص العلوم والتقنيات، و17 بالمائة في تخصص العلوم الاقتصادية والقانونية، و21 بالمائة في تخصص العلوم الإنسانية والاجتماعية، وهذا هدر جامعي. كما أن ثمة عدم ملاءمة مخرجات التكوين مع واقع التشغيل بالمغرب، حيث هناك تفاوت كبير وصل حد التناقض بين واقع الاقتصاد والتوظيف، الذي يعرف تراجعا في أعداد المدمَجين فيه، وبين أعداد خريجي مؤسسات التعليم العالي سنويا، الشيء الذي ساهم في تكاثر أعداد العاطلين حاملي الشهادات العليا. وأضاف المتحدث ذاته أن منظومتنا تعرف عدة مشاكل يمكن إجمالها في مشكل لغة التدريس ولغات البحث، والنقص المتزايد في أعداد الموظفين والمستخدمين والأساتذة الباحثين في مختلف التخصصات، وكذلك الهندسة المتبعة في نظام مسلسل بولون (إجازة، ماستر، دكتوراه)، والتي انطلقت سنة 2003 بعدة مشاكل.

أسئلة مغربية خالصة
استيراد نموذج أنجلوساكسوني لا يمكن أن يخفي وجود مشكلات مرتبطة بالحالة المغربية، وحول هذا الموضوع يقول الأستاذ درويش: «إن ثمّة مشاكل أخرى تعانيها المنظومة التربوية الجامعية، وتتعلق أساسا بالقانون المنظم للتعليم العالي، والمساطر المالية، والمراقبة القبلية، والأوضاع الاجتماعية لأغلب الطلاب، وسيادة المنطق الأمني على المنطق التربوي والثقافي في معالجة قضايا الجامعة، أضف إلى ذلك عدمَ تمكننا من التطبيق الجيد لنظام الأسدس والوحدات. هذا الوضع، حسب درويش، جعل موازين التعليم العالي المغربي تختلّ، فلا هو حافَظَ على النظام القديم، ولا هو دخل النظامَ الجديد، وقد دعوْنا، وما زلنا ندعو، إلى مراجعة النظام الحالي، وتعويضه بنظام يلائم الواقع المغربي، ويكون أكثرَ انفتاحا على النظامين الأنجلوساكسوني (أمريكا مثلا) والأوربي (إسبانيا نموذجا)».
ويضيف درويش أن الأمر يرتبط بقرار غير مسبوق، إذ سيتم وضع حد لنظام مسار بولون، وسيتم اعتماد نظام أنجلوساكسوني، وهذا ما يُفهم من اختيار شهادة الباشلور بعد البكالوريا، وهو إشهاد في أمريكا يحصل عليه الطالب في 3 أو 4 سنوات، ومقابله هو الإجازة في إسبانيا في 4 سنوات. وإذا كان الأمر وفق هذا التصوّر فيجب الذهاب إلى النهاية، عبر تعديل نظام الماستر والدكتوراه، كما هو معمول به في هاته الدول، فنكون أمام نظام يجوز للطالب فيه أن يحصل على أعلى شهادة، وهي الدكتوراه، في 5 سنوات بعد البكالوريا على الأقل، كما هو الحال في النظام الأمريكي، و12 سنة على الأكثر، حسب قدراته وإمكاناته المعرفية ومجالات تخصصه. إذا سرْنا في هذا الاتجاه، سيعرف التعليم العالي المغربي تطوّرا لافتا، لكنّ النجاح مشروط بالإمكانات البشرية والمادية حتى نتمكن من تعبئة هاته الموارد وتقوية التكوين المستمر، وكذا بتجاوز منطق التكوين والتخصص الحالي، عبر المساهمة في تكوين مواطن متخصص وملم بالثقافة والسياسة والفن والإبداع، ومتشبع بقيم المواطنة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Al akhbar Press sur android
إغلاق