الرئيسية

الأرشيف المدرسي وخطر الزلزال

ضرورة مراعاة البعد الأرشيفي في البنيات التعليمية

زلزال «إيغيل» وما حمله من خراب ودمار وموت وهلاك متعدد الزوايا، يكفي ليس فقط لتوجيه دائرة الانتباه والاهتمام نحو «الأرشيف المدرسي»، بل والتساؤل عن واقع حال هذا الأرشيف على مستوى البيئات الإدارية الحاضنة له، التي تكون قد تضررت كليا أو جزئيا، سواء تعلق الأمر بالمؤسسات التعليمية بالأسلاك الثلاثة أو بالداخليات أو بالمدارس الجماعاتية، على مستوى المديريات الإقليمية بمراكش وشيشاوة وتارودانت وورززات، وربما مديريات إقليمية أخرى.

مقالات ذات صلة

إذا كان من الصعب تشخيص حجم الخسائر والأضرار التي طالت الوثائق الأرشيفية المدرسية بالمناطق التي ضربها الزلزال، في غياب المعلومة من جانب الأجهزة الوصية على التعليم، في المقابل، نستطيع توجيه رسالة مفتوحة مختومة بخاتم وتوقيع الاستعجال، ندعو من خلالها المعنيين بتدبير أمر الأرشيف المدرسي وطنيا وجهويا وإقليميا، إلى التحرك الفوري لتشخيص الحالة الصحية للأرشيف بالبنيات المدرسية التي طالها الضرر بسبب الزلزال المرعب، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، في أفق التفكير الجماعي لوضع خطة عمل، تراعي مختلف التهديدات والمخاطر المهددة للأرشيف، وعلى رأسها الزلازل المدمرة كما حدث في منطقة «إيغيل» المنكوبة.

الرسالة لا تخص، فقط، المديريات الإقليمية المتضررة من الزلزال، بل هي رسالة شاملة مانعة، نوجهها إلى مختلف الفاعلين في الأرشيف المدرسي، من وزارة وصية على القطاع وأكاديميات جهوية للتربية والتكوين ومديريات إقليمية ومؤسسات تعليمية ومراكز جهوية لمهن التربية والتكوين، ندعـو عبرها إلى استخلاص الدروس والعبر من زلزال «إيغيل»، واستشعار حجم الأضرار والمخاطر المتربصة بالذاكرة الجمعية المدرسية، التي يعد الأرشيف دعامتها الحافظة والمرآة العاكسة لها.

وبمفهوم المخالفة، ومن باب الاحتمال والافتراض، نتساءل كيف كان سيكون وضع الأرشيف المدرسي، في حال امتدت دائرة الدمار والخراب إلى مقرات «الأكاديميات الجهوية» و«المديريات الإقليمية» و«المؤسسات التعليمية على امتداد المناطق التي ضربها الزلزال؟ أو لا قدر الله، كانت الرباط العاصمة والمدن المجاورة، على سبيل المثال لا الحصر، موضوع زلزال مدمر أو فيضانات مرعبة، أتت على البشر والحجر والأرشيفات المحفوظة في مكاتب وأقبية الوزارات ومختلف الإدارات والمؤسسات العمومية؟ ومهما أسهبنا في بسط السؤال وراء السؤال، فبدون شك، لن نكون إلا أمام «كارثة أرشيفية بامتياز، لا أحد بإمكانه تقدير حجمها أو توقع آثارها العنيفة على التاريخ والذاكرة المدرسيين.

كل الجهات المعنية بإنتاج وحفظ التراث الأرشيفي المدرسي، سواء على مستوى المناطق التي مسها الزلزال، أو على مستوى وزارة التربية الوطنية ككل، تبقى مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بالتحرك بشكل استعجالي لتقييم حجم الأضرار الأرشيفية في ظل المؤسسات التعليمية التي طالها الدمار بشكل «كلي» أو «جزئي»، وإنقاذ الأرشيفات المدرسية التي قد تكون مازالت مدفونة تحت الأنقاض، ونقل ما تم العثور عليه إلى بيئات إدارية آمنة، في انتظار الواقع الجديد الذي سيبرز بعد إنهاء عمليات إعادة إعمار المناطق المنكوبة. وبالموازاة مع ذلك، فكل الفاعلين في الأرشيف المدرسي وطنيا وجهويا وإقليميا ومحليا، مدعوون للتحرك في إطار الوسائل الممكنة والإمكانيات المتاحة، والتعامل مع مسألة الأرشيف في الوسط المدرسي، بما تستحقه من مسؤولية وجدية والتزام، عبر الوقوف عند مختلف البنيات الإدارية المدرسية المنتجة للأرشيف، وتقييم مدى التزامها بمقتضيات القانون المنظم للأرشيف ومرسومه التطبيقي، ومدى توفرها على متخصصين في تدبير الأرشيف، وعلى شروط الأمن والسلامة، مع عدم التردد في تمكين هذه البنيات الأرشيفية مما تحتاجه من وسائل مادية ورقمية ومن تدابير استباقية، تحسبا لأية كوارث طبيعية فجائية. وإذا كانت «كل ضارة نافعة»، فنرى، حسب تقديرنا، أن منفعة «الزلزال الإيغيلي» ستكون فرصة للانتباه إلى المخاطر المتربصة بالأرشيف المدرسي، ومناسبة للنهوض به وتوسيع دائرة ثقافته، في حال حضرت «المواطنة الحقة» وما يرتبط بها من «مسؤولية» و«جدية» و«التزام»، في أوساط من يتحكم في أزرار الأرشيف المدرسي.

وفي السياق ذاته، فوزارة التربية الوطنية لا بد لها أن تكون في الموعد، سواء تعلق الأمر بعمليات دعم ومواكبة التلاميذ الذين نجوا من الزلزال، حرصا على ضمان الاستمرارية البيداغوجية، أو بمساعي حماية الذاكرة المدرسية، أو بضرورات مراعاة البعد الأرشيفي في البنيات التعليمية قيد البناء والإنجاز، ونرى أن «اللحظة الاستثنائية» تقتضي تنزيل «خارطة طريق للأرشيف «واقعية» (تشخيص واقع حال الأرشيف في المناطق المتضررة)، و«تثمينية» (إعادة الاعتبار لواقع الممارسة الأرشيفية المدرسية، باعتبار الأرشيف «تراثا» و«حداثة»)، وإدماجية «(إدماج البعد الأرشيفي في المناهج والبرامج التعليمية)، و«تواصلية وتشاركية» (خلق جسور للتواصل والتشارك مع «أرشيف المغرب» باعتبارها الجهاز الوصي على الأرشيف العمومي)، و«استباقية» (استشعار حجم التهديدات والمخاطر المتربصة بالأرشيف المدرسي، ذات الصلة بالزلازل والفيضانات والحرائق).

والإفراج عن هذه الخارطة الأرشيفية الجديدة، يتوقف عند مدى حضور «الإرادة» لدى الساهرين على حقل التربية الوطنية وعلى رأسهم الوزير الوصي على القطاع ومدراء الأكاديميات الجهوية والمديريات الإقليمية، ومدى تعاملهم مع «المسألة الأرشيفية المدرسية» بما يليق بها من «مسؤولية» و«جدية» و«احترام» و«نكران للذات» و«التزام»، كما يتوقف عند مدى القدرة على مد جسور التواصل والتشارك والتعاون مع «أرشيف المغرب» القادرة، وحدها دون غيرها، على تقديم «الخدمة الأرشيفية» الضرورية في هذه النكبة الأليمة، والإسهام التشاركي في تمكين الوزارة من بلورة خارطة طريق جديدة، قادرة على إعادة الاعتبار للأرشيف المدرسي كعنصر من عناصر التراث الوثائقي الوطني، و«تحييد» كل المخاطر والتهديدات المتربصة به.

ونحن نمد جسرا بين «الزلازل» و«الأرشيف المدرسي»، لا يمكن أن ندع الفرصة تمر دون الإشارة إلى أن «المديرية الإقليمية للتعليم بالمحمدية» منخرطة، منذ ما يزيد عن السنتين، في إطار اتفاقية شراكة وتعاون مع مؤسسة «أرشيف المغرب»، تعد هي الأولى من نوعها على الصعيد الوطني، تروم التعاون والتشارك بين الطرفين في القضايا ذات الاهتمام المشترك، ومنها على الخصوص «القضية الأرشيفية». ومديرية المحمدية، واستحضارا لكارثة زلزال الحوز وتداعياتها متعددة الزوايا على المشهد التعليمي، من اللازم أن تستثمر شراكتها المبرمة مع المؤسسة الأرشيفية من أجل استمرار النهــوض بواقع الممارسة الأرشيفية على صعيد المديرية ومختلف المؤسسات التعليمية التابعة لنفوذها الترابي، ونشر ثقافة الأرشيف في أوساط الفاعلين التربويين بالمحمدية، وخاصة في ما يتعلق بضرورات إحاطة الأرشيف المدرسي بما تتطلبه المرحلة، من شروط «الأمن» و«السلامة» و«المناعة»، أخذا بعين الاعتبار مخاطر وتهديدات الزلازل وغيرها من الكوارث المدمرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى