الرأي

التعريف بجودت سعيد ومدرسة اللاعنف (12- 12) 

بقلم: خالص جلبي 

ختم النبوة انتقال إلى عهد جديد إلى نوع جديد من التلقي عن الله، لا يمكن أن ينكره عقل إنسان، إلا إذا أنكر قبل ذلك عقله وقوة الفهم عند الإنسان، وذلك حين صار بهذا الكتاب الذي اشتق اسمه من القراءة وهو القرآن، حيث جاءت في القرآن مرجعية القرآن، حين قال القرآن: «سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد». حين صار مصدر المعرفة من آيات الله في الآفاق والأنفس، وكل من تمكن من استخدام الآفاق والأنفس بمردود أعلى «خير وأبقى»، فقد جاء بجديد ينسخ ما قبله «ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها»، فمن هنا غيرت اسم كتابي إلى اسم «اقرأ وربك الأكرم»، وتركت كلمتي العلم والعقل كاسمين للكتاب، مع أن الذي دفعني إلى كتابة الكتاب هو إعطاء تعريف للعلم والعقل، وشعرت بأن بالقراءة بهما نُحَصل علم الأولين، ولكن إضافة شيء جديد لعلم الأولين يكون في التعامل الأفضل مع الواقع «آيات الآفاق والأنفس» والآية البرهان والدليل والحجة. والقرآن يعتبر الآيات والبراهين والأدلة والحجج، هي العواقب النافعة «كذلك يضرب الله الحق والباطل، فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، كذلك يضرب الله الأمثال» (الرعد، الآية: 17)
ومراتب الوجود خمس:
1- وجود الشيء في ذاته كالشمس والبرق.
وجود صورة ذهنية في عقل الإنسان.
ثم تحول هذه الصورة الذهنية إلى كلام ينطق به الإنسان.
ثم تحول هذا الكلام المنطوق به بالفم إلى كلمات مكتوبة على الورق.
وهذه كلها كانت سننا وقوانين لم يكن لها وجود مادي فيزيائي، فتحولت هذه السنن إلى هذه الأمور الأربعة السابقة. وهناك سنن لم تتجسد بعد في الوجود المادي والمراتب الأربع السابقة، وكل واحدة منها أقل دلالة مما قبلها، فالكتابة أقل دلالة من الكلام المنطوق، والكلام المنطوق بدوره أقل دلالة من الصورة الذهنية التي في دماغ الإنسان، والصورة الذهنية أقل دلالة من الوجود الخارجي كالشمس والبرق، وقد كان فهم الناس لحركة الشمس خطأ، وكان من الصعب أن يتحول إلى ذهن الإنسان أن الأرض هي التي تدور حول الشمس؛ فمن هنا كان لا إكراه في الدين، لا إكراه في الصور الذهنية، لأن تغيير الصور الذهنية بالإقناع بالأدلة، وليس فرضها بالقوة.
وتعريف العلم والعقل دليله «التنبؤ والتسخير»، فأما التنبؤ فهو بمعرفة سنن حركة الشموس والكواكب والأقمار، وأن لها سننا تتكرر. وأما التسخير فهو مثل تسخير البرق والكهرباء وكشف قوانين المرض لجسد الإنسان؛ فمن كشف ما ينفع الناس في التنبؤ والتسخير فهذا هو العلم من أدوات الكتابة الورق والقلم، إلى تغيير الإنسان إلى أحسن تقويم. ومن استطاع أن يبتكر وسائل لتزكية الأنفس البشرية بزمن أقل ومردود أكثر، فسيبقى هذا الكشف وينسخ الأقل مردودا والأقل بقاء، حتى يأتي ما هو خير وأبقى آخر؛ فلهذا لما صارت معرفة الحق والباطل هي الأنفع للناس مكث في الأرض، وأما الزبد الذي لا ينفع أو يضر فيذهب جفاء. ولهذا سأل إبراهيم قومه عن الأصنام، «هل ينفعونكم أو يضرون؟»، كان جوابهم: «بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون».
وكل جهدي ينصب على هذا لتوضيحه بالسير في الأرض والنظر كيف بدأ الخلق، وبرؤية آيات الله في الآفاق والأنفس حتى يتبين الحق من الباطل، وأن الحق له البقاء والدوام والباطل له الزوال والفناء. وهذا الفهم نور وطمأنينة للنفس وسلام للقلب، وهذا سيعم العالم، لأن كل شيء يصير علما يصير عالميا.
والآن يأتي التعقيب مني على ما استرسل في شرحه الأستاذ جودت سعيد حفظه الله؛ لقد كنت أفكر معه في البقاء في بلدنا سوريا التي ولدنا فيها وعشنا ولنا فيها ذكريات طويلة، وكما يقول الألماني فيرنر هايزنبيرغ، حين رأى سحب الحرب قادمة عام 1939، وكان في أمريكا يزور صديقه الإيطالي إنريكو فيرمي، الفار من الفاشية الإيطالية ـ وهو بالمناسبة أول من ركب المفاعل النووي ـ  قال له إنريكو فيرمي يومها: «طالما ترى الحرب قادمة، فابق هنا بعيدا عن ساحات القتال بأوروبا»، كان جوابه ـ وهو ما يذكرني أنا وجودت سعيد ـ قال الفيزيائي: «كان يجب علي أن آتي مبكرا؛ فإذا وصل الإنسان إلى عمر محدد كان الوسط الذي ينشأ فيه هو الأفضل أثرا وتأثيرا، ولذا علي العودة إلى ألمانيا فأبني الجيل الجديد، بعد تدمير المدن الألمانية والحزب النازي والفاشية».
أنا أحيانا تمنيت على المنظومة العالمية أن تكون قد وصلت إلى هذا الحل، فدمرت نظام آل الأسد وحزب البعث الطائفي البغيض، وحررت الشعب السوري من هتلر والنازية ـ عفوا الأسد وحزب البعث ـ ولكن يبدو أن هذه الرحمة لم تكن من نصيبنا؛ فلم يكن ثمة حل إلا بتدخل دولي، بعد أن سالت دماء أكثر من مليون إنسان وهرب نصف الأمة في هجرة جماعية؛ فلم يفعلوا لسوريا ما فعلوا ضد صدام يوما لحماية الأكراد، وكان نصيبي أنا الفرار من النمرود كما هرب إبراهيم عليه السلام فقال: «إني مهاجر إلى ربي»، ولا أظن أن يكون نصيبنا أنا وجودت مثل نصيب فيرنر هايزنبيرغ، الذي قال عن نفسه 
إنه حين رأى قوات الحلفاء تدخل ألمانيا تنفس الصعداء هو وأوتو هان، الذي انشطرت الذرة على طاولته، وفون براون، الذي طور نظام الصواريخ الذي سيحمل لاحقا مركبة «السوجرنير» إلى سطح المريخ مارس الغضوب. نحن بكل أسف خسرنا بلدنا ويبدو إلى الأبد، كما سمى نفسه النظام المقيت الأسد أو نحرق البلد وسوريا الأسد إلى الأبد، ولا أبدية إلا لله عز وجل.
وحاليا رسى بنا المقام أنا في مونتريال من كندا، أما هو فقد قتل الشبيحة أخاه على يد القناصة المحترفين آلة القتل، ونجا هو بجلده إلى أرض تركيا، التي رحبت به وغيره في قسمة بين دول المنطقة، لالتهام دولة هذا الصبي الذي أمسك البلد بعصابة من المجرمين، الذين قتلوا الإنسان والزمان والمكان والبيئة والعلم والأخلاق، بل والأمل والمعنى في الحياة في تسعة عشر فرعا أمنيا جهنميا، منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى