الرأي

الدورة التاريخية الخالدة (3- 3)

بقلم: خالص جلبي

 

ولكن كما تتحطم الخلايا على مدار الساعة ويحافظ الجسم على الصيانة، كذلك تتحطم الدول والجماعات، وتنشأ محلها مجموعات جديدة أشد زخما وأعظم حيوية وآثارا. ومن معدل هذه الدورة التاريخية يمكن معرفة فتوة الجسم من شيخوخته، وشباب الخلية من مرضها، وضعف المجتمع من قوته. فإذا كانت الشيخوخة تداهم البيولوجيا، والتآكل يصيب البناء الهندسي، والمجتمع يتعرض للفساد والانحلال، والتاريخ يمضي إلى الانحطاط، والكون يهرم كما يشرح ذلك القانون الثاني من الديناميكا الحرارية الذي دشنه العالم الفرنسي «سادي كارنو» عام 1829م، فإن جسم الإنسانية الكبير في حالة تكاثر ونمو وتقدم بزخم كبير.

الإلكترون يدور، والكوكب يدور، وحركة الهورمون بين الإفراز والإفراغ تنتظم، ودورة جزيء الماء لا تعرف التعب، والزرع يخضر ليصبح هشيما تذروه الرياح، والبيولوجيا تعزف اللحن الحزين من رحلة القوة إلى الشيخوخة والشيب والضعف، والدول تروي قصة انهياراتها، والحضارات تقص اللحن الشجي لتحللها واستسلامها لقبضة الزمن.

هل هذه رؤية تشاؤمية؟ هل يمكن التدخل لفرملة مخطط السقوط ومنحى الانهيار؟ المؤرخ الألماني شبنغلر يرى أنها قوانين عضوية تلف بقبضتها الساحقة الوجود برمته، فهو سياق كوني غامر، يحكم كل قطاعات الوجود، ولكن اتساع حقل الرؤية يمكن أن ينير لنا زاوية مختلفة.

 

رتابة الحركة وعبقرية التغير

إن إطار السيارة إذا تم تأمله في حركته الذاتية على محوره، يعيد عمله الرتيب الممل، فلا جديد تحت الشمس كما قال الجامعة داوود، فالكل باطل الأباطيل، والكل قبض الريح. فالشمس تشرق وتغرب، ولا جديد، ومياه الأنهار تنزلق إلى البحار فلا تملؤها، والعين ترى بدون توقف أو شبع، فالكل يكرر نفسه في حلقة رتيبة مملة فارغة المعنى والهدف! ولكن رؤية إطار السيارة بمسافة أبعد ترينا منظرا متوهجا بشكل مختلف، كما هو في نظام التلفزيونات الكبيرة من حجم 50 بوصة، التي تختفي وتبهت الصورة بالاقتراب من الشاشة، وتلتمع وتتوهج وترى بشكل أخاذ مع الابتعاد عنها. هكذا يبدو منظر إطار السيارة، إنه كإطار لم يتغير في حركته الرتيبة، ولكن العربة التي تقف عليه انتقلت بالمكان من موضع إلى آخر، فكشفت عوالم جديدة وهذه هي عبقرية فكرة العجلة، فهي بدورانها على نفسها لم تخدم نفسها، ولكنها خدمت ما هو فوقها، منفلتة من مكان لآخر. فالعجلة قصرت المسافات، وولدت الطاقة، وأخضعت الريح، بل وأدخلت النشوة إلى الروح مع رقص المولوية، وأدخلت مفهوم اللانهاية مع الطوفان حول الكعبة.

إذا نظرنا إلى حركة أنامل السيدة الرشيقة وهي تصنع كنزة من الصوف، أو ماكينة الخياطة وهي تنشئ النسيج عروة عروة وعقدة عقدة. قد لا تفهم حشرة العث هذه الأشكال الدائرية، سوى تكرار أحمق لا مبرر له، ولكننا نعرف أن كل الأقمشة هي تراكم من هذا العمل الأحمق الرتيب الدائري المكرر. 

 

الاختراق النوعي عند ابن خلدون

هنا قام ابن خلدون باختراق نوعي في الفكر، عندما انتبه إلى علاقة الانقلاب النوعي مع التراكم الكمي، وأخذت عنه الفلسفة الماركسية هذه الفكرة في إلحاد غير مبرر.  فالذي يعيش مع ابنته التي تكبر كل يوم، لا يلاحظ نموها بفعل الرتابة والتكرار اليومي، وضآلة التغيرات البيولوجية والفكرية، ولكن الذي ينعزل عن ابنته فترة طويلة، ثم يلتقي بها، يصاب بالدهشة من سحر جمالها ورشاقة قوامها وسحر منطقها بشخصية متغيرة جدا، فشبابها اكتمل وجمالها يشع حيوية وبهجة. هكذا يفعل التاريخ.. من يعيش في مجتمع يرى يومياته، ويكرر هذه المراقبة، سوف يصاب بزغللة العين، فلن يرى شيئا يبعث على الدهشة من تغير فاقع ساحر، وهذه الرؤية خلف الإحباطات النفسية واليأس عند المصلحين الاجتماعيين، الذين يريدون رؤية التغيرات الحاسمة في عصرهم وعمرهم. ولكنهم لن يروا تغيرا يذكر، مع أنه تغير متدفق لا يعرف التوقف.

 

استيقاظ الوعي التاريخي في لحظة الانقطاع عن الطبيعة

إذا كانت البيولوجيا والطبيعة تسمح برؤية متباعدة الزمن، فإن المجتمعات لا تمنح هذه الفرصة، وتبقى أمام المراقب طريق سحري واحد لإدراك التحول الاجتماعي، يراه عقليا تحليليا غير منظور بالعين المجردة، في مدرسة التاريخ. فالتاريخ يضيف إلى العمر أعمارا، فيمد في فسحة العمر ومجال الوقت، بحيث يستطيع أن يقفز الفكر مع وحدات الزمن المتباعدة المترافقة بتغيرات مذكورة واضحة، عندها يبدأ الوعي التاريخي، فاستيقاظ الوعي التاريخي كما قال المؤرخ الألماني  «بوركهارت» هو لحظة الانقطاع عن الطبيعة. 

أعود إلى ابن تيمية والدورة التاريخية، فهناك فكرة مزلزلة وهامة ولا ينتبه إليها إلا أقل الناس، فعندما يشق تيار جديد طريقه الإصلاحي، يُهاجَم من المجتمع بأشد من نقر الدجاجات لزميلتهن الدجاجة المجروحة التي تميزت عنهن حتى الموت، في عقاب جماعي للخروج عن نظام القطيع، وهذا حس دفاعي طبيعي، من أجل التأكد من جدية التوجه الجديد، وصدق المحتوى، وصلابة العود، وفرط التعلق، وعشق الهدف. ولكن غير الطبيعي فيه والمرضي والخطير والغامض، هو أن من يصارع الاتجاه الجديد، فيفترض في نفسه أنه يمثل الأرثوذكسية، والوصاية على العقول، والتمثيل الصحيح، واحتكار تفسير النصوص، والقبض على الحقيقة الحقيقية المطلقة، ينسى في زحمة الزمن الممتد، أنه قد تحول من حقيقة إلى شكل.

 

نافذة:

من يعيش في مجتمع يرى يومياته ويكرر هذه المراقبة سوف يصاب بزغللة العين فلن يرى شيئا يبعث على الدهشة من تغير فاقع ساحر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى