الرئيسيةثقافة وفن

الشذريون.. قنّاصو المعاني القصية

سعيد الباز

الشذرة أو الومضة أو الكتابة المتشظية l’écriture fragmentaire أو Aphorismeظهرت منذ القديم عند الكثير من الشعوب والأمم في العديد من الأعمال الأدبية الخالدة. اتّخذها بعض الكتاب أداتهم في الكتابة مثل بليز باسكال ووظفها بشكل بارع فريدريك نيتشه خصوصا في المرحلة الأخيرة من إنتاجه الفلسفي، كما اشتهر بها إميل سيوران الذي عزا ولعه بفنّ الشذرة وعزوفه عن الكتابة الفلسفية الكلاسيكية إلى داعي الكسل، وهي طريقته الماكرة والمعتادة في الهروب من الأجوبة المستفيضة. الشذرة فنّ صعب، إنّه “فنّ الخلود” كما قال نيتشه. إنّه فن يقع ما بين الشعر والفلسفة، زاوية النظر فيه حادّة تتطلب العمق المعرفي، وامتلاك اللغة القادرة على خلق الدهشة وفي الوقت نفسه خلخلة المواضعات الاجتماعية والفكرية، وهو فنّ وإن بدا سهلا، فهو فن مخادع يستعصي على المستسهل بالتأكيد. إنّ الكتابة الشذرية في العموم كتابة مخاتلة ومارقة تخرج عن كل نسق فكريّ وتتوخى التحرر من إكراهاته وضوابطه الصارمة باللجوء إلى الصوت المنفرد، إنّها بكلّ بساطة منازلة حرّة في مساحة شاسعة لا حدود لها سوى الصوت ذاته بكل ما يحمل في دواخله، بشكل متلازم، من تجارب في الفكر والحياة. إنّهم بكلّ ما يحتمله فنّهم من إيجاز واقتضاب: قنّاصو المعاني القصية، ومرتادو آفاقها البعيدة.

عبد الحميد بن داوود.. التشظي
الشاعر والكاتب الصحفي الراحل عبد الحميد بن داوود الذي غادر عالمنا مؤخرا بشكل مفاجئ كان أحد أكبر المخلصين للكتابة الشذرية التي بثّها في الكثير من كتاباته الصحفية وشكّلت متابعة قوية من القراء المهتمين بهذا النمط من الكتابة العسيرة. من حسن الحظ أنّ بعضا من نماذجها احتواه كتابه اليتيم “التشظي” الذي يبرز بالتأكيد كاتبا منخرطا بالكامل في حياة تعبّر عن ذاتها من الداخل، ومن حرارة وجودها وكينونتها بقدر ما تسخر وتدين دون تحرّج أو استكانة إلى إملاءات مسبقة قد تمليها المواضعات الفكرية أو الإيديولوجية. هذه الإقامة التي توخّاها الكاتب عبد الحميد بن داوود خارج النسق من أجل كتابة حرّة، لأن الشذرة وحدها هي الفكر الحرّ على حدّ قول رولان بارت. هذه الكتابة قد ألزمته في المقابل أن يحيط ذاته بالعزلة الرمزية والزهد الكامل بأيّ لبوس أو صفة حتى لو كانت الكتابة بنفسها. ومن الحقّ أن يقال إنّها كتابة تخلق سياقها الخاص وغير معنية بتوافقها مع راهنها ومتطلباته التي هي في الحقيقة سياج لها ومتاريس منصوبة من أجل ألّا تحقق ذاتها وفق منطقها الخاص. لهذا كان اختيار عبد الحميد بن داوود اختيارا صعبا في أن يكون شذريّا من هذا الزمان، وأن يبوح في ثنايا شذراته بالألم الفظيع الذي يصبح المكافأة الوحيدة لذات لا تقول حصريا سوى ذاتها كما قال: “قل ذاتك وكافئ ألمك العظيم!”. من شذرات كتابه “التشظي” نقرأ:
*أنا لا أعتقد أنّ الإنسان كان في بداية من البدايات الموغلة في القدم، قردا.
فلو كان بالفعل للإنسان هذه القدرة على التحوّل، لكان أصبح انسانا !!
*لا تستطيع أن تجلس على كرسي دون أن تتخذ أنت ذاتك شكله…
إنّه خبث الأشياء !
*كلنا في عيون الليل زنوج.
*أبدا أجهل لمَ لأكره الفقر وأحب الفقراء.
*في مواقف التردد تعلمنا حكمة النعامة درسا كبيرا في الشجاعة على عكس ما يفترى عليها: -الرأس الذي لا يملك قدرة الاختيار وجرأة الحسم، جدير به أن يدفن نفسه حيا في الرمال!
*النائم فوق الحصير أبدا لا يخشى السقوط!
*الناي لسان الصحراء بامتياز.
*أيّها الصمت، يا حارس أسرار هذه العصور الثرثارة، بُثّ في رحم أذني بعضا من حملك الثقيل كي أصفع هذا الوقت…
*كتابة قصيدة: إدخال العالم في ثقب إبرة.
*هكذا هو باب الفكر: لا ينفتح إلا على سوء الفهم، ولا ينغلق إلا على الكآبة…
*تعلّمنا حكمة الشجر أنّ الناضج هو أوّل ما (من) يسقط.
*الديمقراطية هذه النبتة الحرون، يمكن زرعها وإنضاجها في رمشة عين، (وبثمن بسيط في عين من تعوّد ذبح المجتمع):
فقط على جميع الناس أن يناموا جميعا !
*لو كنت ما زلت لم أولد بعد، وكان بيدي القرار، لقررت أنّ هذا الوقت ملائم تماما، ومناسب جدّا، لكي لا أولد !
*النائم فوق الحصير أبدا لا يخشى السقوط.
*اغتصاب الحقيقة ليس هو تزييفها، بل ادّعاء امتلاكها.
*تعلمنا السياقة درسا فادحا:
أنظر أمامك، فلا وراء إلا ما ينعكس على المرآة!
*إذا لم يستقم السؤال فلا تعول على المسؤول أن يستقيم!
*لماذا كلّما ركبتني القصيدة خفّ وزني؟
*الدم النائم يحتاج إلى سيلان، كي ينتبه.
*كلّما فكرت أنّي أفكر أراني محدودبا داخل صدفة.
*أيّ مبدع غيرك أيّها الطفل… أيّ مبدع غيرك يرفع صوته عاليا كي يكلم الحجر !
*وحدهم المجرمون لا يحلمون بالقتل.
*الثرثرة: إحالة مبكرة على المعاش، من الوجود.
*حين تأخذني لوثة فكر، أرى عيوني القريبة تبحلق في عيوني السحيقة.

*ذيل الافعى لا يقتل، ومع ذلك، فهو دائما وبحكم التبعية، يقاسم الرأس تهمة القتل !
*تطور البشرية مرّ عبر اكتشاف معبرين كبيرين: النار والكتابة.
لذلك، فنهاية البشرية لابد وأن تبدأ مع الافراط في استعمال هذين العنصرين!
*ليس الموت هو الحقيقة الأولى ولا الحقيقة الأخيرة… لكنّه الحقيقة الدّائمة.
*أيها الليل كم تظل صاحيا حتى في نومي.
*كلما هممت بغسل هذا العالم في الماء، إلا وألقيت نفسي مطوقا برعب هذا الاحتمال.
أن أدنس الماء ولا يتطهر العالم.
*يا لفرحة التجار بالكتب المقدسة… إنها الفرصة الثمينة لهضم حقوق المؤلف .
*كم من سديم يلزمني كي أراك في صفائك الأجلى؟ وكم من حقل ظلام يلزمني أن أعبر؟
كم يلزمك من عدو كي تتيقن من نبلك؟.
*يولد الإنسان جمرة ساخنة ثم يشرع في الانطفاء عند ارتطامه ببرد العالم.
*صباحا تستفيق الثرثرة كسعاة البريد كي توزع رسائل لا تدرك كنه أسرارها… أمّا الصمت، فإنّه يظلّ قابعا تحت أغطيته، يرفع رأسه من لحظة لأخرى كي يكنس أخطاءها.
*ما نقيد بالكتابة يحتاج أيضا إطلاق سراح.
*أفلاطون أيّها الأحمق: كيف تشيّد جمهوريتك الفاضلة على سطح غيمة وتطرد منها الشعراء؟ !
*اللغة: ولادة.
اللغو: عقم.
أما التاريخ، فهو لا يقوم إلا على الفصل العميق بينهما.
*أخطر انفصال للكائن عن الأرض جاء مع انتعال أوّل كائن لأوّل حذاء… لذلك تبدو أصابع القدم بلا وظيفة، وبلا معنى أيضا !
*لحدّ الآن لم يفلح الرصاص يوما في محو شعب… لذلك، فإنّ إطلاق اليأس يبقى أخطر من إطلاق الرصاص على الإطلاق.
*معضلة العرب الكبرى أنّهم لا يعرفون لا كيف يتوحدون ولا كيف يتفرقون: التركة المشتركة في حاجة إلى تطاول كبير كي تتوزع.
*ماذا أهديك أيها الليل ردا للجميل غير موتي الكبير وهذا الصمت الذي يستدعيني لإتقان التأبين.

*قل ذاتك وكافئ ألمك العظيم!

نيكولاس غوميث دافيلا.. مغرّد خارج السرب
يعد الكاتب والمفكّر الكولومبي نيكولاس غوميث دافيلاNicolas Gomez Davila (1913-1994) حالة متفرّدة في أدب أمريكا اللاتينية، فهو يغرّد خارج السرب، بل يمثل تيارا معاكسا للروح التحررية المميزة لكتاب أمريكا اللاتينية. يشبه في ذلك الكثير من الكتاب المبدعين والمفكرين الذين اتخذوا مواقف شاذة مثل الروائي الفرنسي صاحب أهمّ رواية فرنسية في القرن العشرين لويس فردناند سيلين المعروف بمعاداته للسامية ومناصرة حكومة فيشي والنازية وحوكم بسبب ذلك وقضى فترة في السجن وأمضى بقية حياته فقيرا ومهملا من قبل الجميع. وعزرا باوند الشاعر الأمريكي أحد رواد الحداثة الشعرية في القرن العشرين الذي اتّهم بالخيانة العظمى جرّاء دفاعه المستميت عن موسيليني والفاشية الإيطالية. نيكولاس غوميث دافيلا أو إميل سيوران أمريكا اللاتينية مفكر وأخلاقي اتّخذ نفس نمط الكتابة خارج أيّ نسق فلسفي كلّ كتاباته تعليقات أو حواشٍ كما يسمّيها، يعرض فيها فكره وخلاصة آرائه حول التاريخ والمجتمع في بنياته الأساسية، يهدّم كل الأنساق الكبرى التي تبناها الفكر السياسي المعاصر، فهو ضدّ اليسار دون أن يكون يمينيا. لذلك ينحت لنفسه مفهوم الرجعية ويتبناه، ينتقد على سبيل المثال الفكر الليبرالي أو الاشتراكي أو الديموقراطية… قد لا نتفق مع مجمل أفكاره ورؤاه لكن سحر لغته واستعاراته البليغة وطرافة منظوره للأشياء تدفعنا إلى قراءته مثل قراءة كبار الأخلاقيين مثل روشفوكو أو باسكال… هو نفسه وصف فكره بأنّه: “فكر متذبذب مليء بالتناقضات، يسافر بشكل غير مريح في مقطورة جدلية غير حاسمة”.
الأمم الحالية ليست شعوبا، ولكن انشقاقات منتصرة للدهماء.
من يطالب بتكافؤ الفرص سينتهي به الأمر إلى معاقبة الشخص الأكثر موهبة.
الآفة التي ابتلي بها اليمين هي الصفاقة، وآفة اليسار الكذب.
يجعل المجتمع الصناعي الابتذال في متناول الجميع.
يتكوّن النّهار من هذه اللحظات من الصمت. الباقي وقت ضائع.
ليست وظيفة الكنيسة تكييف المسيحية مع العالم، ولا حتّى تكييف العالم مع المسيحية، ولكن الحفاظ على مضاد للعالم داخل العالم.
المجتمع المسيحي ليس بذلك المجتمع الذي لا يرتكب فيه أحد الخطيئة، لكن المجتمع الذي يتوب فيه الكثيرون.
كلّ أسطورة هي بطريقة ما صحيحة، في حين كلّ فلسفة هي بطريقة ما خاطئة.
في العهود الأرستقراطية، ما لديه قيمة لا يقدّر بثمن له، في العهود الديموقراطية ما لا يقدّر بثمن لا قيمة له.
لا يعيش البشر في العموم إلّا في الطابق الأرضي لأرواحهم.
العنصريّ مخطئ في الاعتقاد بأنّ ثمّة أعراقا نقية، والمعادي للعنصرية مخطئ في الاعتقاد بأنّ مكونات مشروب لا أهمية لها.
إذا كنّا لا نطمح سوى إلى منح عدد متزايد من السلع والبضائع إلى عدد متزايد من الأفراد، دون أن نعبأ بنوعية الأفراد، ولا نوعية تلك السلع والبضائع، تكون الرأسمالية هي الحلّ الأمثل.
الاندماج المتنامي للبشرية لن يؤدي سوى إلى تيسير تقاسم نفس الرذائل.
الرجعي الخالص ليس بذلك المرء الذي يشدّه الحنين ويحلم بأزمنة الماضي الزائلة، لكنّه ذلك المتعقّب للظلال المقدّسة فوق التلال الأبدية.
من اللحظة التي لم يعد فيها أيّ شيء يستحقّ الاحترام في مجتمعنا، ينبغي أن نصوغ أنفسنا في عزلة الولاءات الصّامتة الجديدة.
الحرية التي يتطلع إليها الإنسان المعاصر ليست تلك التي يتطلع إليها الإنسان الحرّ، لكنّها حرية العبد يوم العيد.
الأجيال الحالية مملّة على الخصوص، ففي الواقع بما أنّهم يعتقدون بأنهم من ابتكر العنف والجنس، يتزاوجون عقائديا وعقائديا يرتكبون المذابح.
اثنان من نقاد الأدب يقولان نفس الشيء: أحدهما يبدو لنا غير مقروء وغبيّ، الآخر لطيف وبارع، إنّ فنّ النقد لا ينفصل عن شخصية النّاقد.
تستغرق رداءة كتاب أحيانا سنين طوالا قبل أن تصبح واضحة للعيان.
أن تكون يساريّا هي أن تؤمن بأنّ العلامات المنذرة بالكارثة هي العلامات المبشرة بالرخاء والازدهار.
المجاملة تمنحنا القدرة على احترام محاورينا دونما حاجة إلى الاعتقاد بأهميتهم.
تمّ اختراع الإيديولوجيات ليتمكّن من لا يفكر من إعطاء رأيه.
لا يندثر ويفنى الأدب لأنّ لا أحد يكتب، ولكن عندما يكتب الجميع.
لا يعيش البشر في العموم إلّا في الطابق الأرضي لأرواحهم.

رشيد الضعيف.. امض في سلام إنّي أخوك
الكاتب والروائي اللبناني رشيد الضعيف اشتهر بأعماله الروائية المتميّزة وغير المألوفة، القليل من متتبعي الأدب العربي يعلم أن من بواكير أعماله، كتاب شذري خصّصه بالكامل لهذا الفنّ الإشكالي والصعب، هو كتاب “حين حلّ السيف على الصيف” الصادر سنة 1979 وقد قام بترجمته إلى الفرنسية وتقديمه جمال الدين بن الشيخ واصفا رشيد الضعيف في هذا الكتاب بالبهلوان الساخر… ثم بعدها توالت رواياته منقطعا عن كتابة الشذرات، إلّا أنّ الاطلاع على الكمّ الكبير من رواياته من “عزيزي السيد كواباتا” و”فسحة مستهدفة بين النعاس والنوم” و”تقنيات البؤس” و”عودة الألماني إلى رشده” وأخيرا “هرّة سيكيريدا” نلاحظ فيها روح الكاتب الشذري المستريب دائما، والصادم أحيانا…
في شذرات “حين حلّ السيف على الصيف” روح مرحة، كثيرا ما يتحوّل الساخر والمتفكّه فيها إلى ناقد جارح للذات وللهوية في نوع من الدعة التي تنشد السلم.
*ربّما كانت خيانة العاشق من كثرة الأمّ.
*وطني سقطت منك الواو
والطاء.
والنون.
*لماذا لا تسألني علام أحسد الجبل؟
أحسده لأنّه يرتاح. الجبل أكثر الكائنات غباء على الإطلاق.
الجبل بهيمة.
*السيّئة الوحيدة في الكتابة على الحيطان أنّ الحائط صفحة لا تقلب.
*لا أدري متى يبدأ النهار في الغابات، في الكتب يبدأ مع الفجر.
*سألت أمّي لماذا وُلدت أجابتني: أأبقيك في بطني.
*جائزة نوبل للسلام ولغير السلام سبب من أسباب العادة السرّية.
*لا يتعب السارق من السرقة، يتعب من التخفّي.
*امض في سلام إنّي أخوك.
*كيف يترك الليل وحده في الليل؟ يقتلني هذا الغباء. لا أستطيع، وحدي، أن أرصد جميع تحركات الليل. العالم غافل عن هذا الخطر.
*قبّلت يد أبي المسجّى على فراش الموت. بعد ذلك، ويوما بعد يوم، بدأ يتعاظم الشبه بين يدي ويده.
*إني أشعر بمزيد من البرد.
*آه! أخاف أن تعقل الأرض.
*إنّي أرى الكتب تدبّ على قوائم قصيرة، والقواميس على قوائم فِيَلةٍ.
*يمسك الخجل بيدي ثم يضعها في جيبي.
*لو أنّ في الدنيا من ينتظر رسالة مني لكتبت له ألفا. هذا الذي يسمى لغة تضطرب ألسنته فيّ كالنار. لو ثمة من ينصت إليّ لما توقفت حتّى ودّ أن أنصت إليه.
إلياس كانيتي.. شذرات
*يحب الناس الشاعر، لكن فقط إذا كان مبذرا لوقته، ومتى يبدأ باقتصاده، يعاملونه كبقية الناس.
* أصعب مايكون هو الخلود بالنسبة للبخيل.
*من يعرف عددا قليلا من الناس، لن يعرف مستقبلا سوى الشيطان.
*النجاح هو الجزء الأصغر من التجربة.
*الشعوب المنقرضة تنتقم أيضا.
*من تعلم بما فيه الكفاية، لم يتعلم شيئا.
*شقيّ هو العلم الذي يورث دون أن يتغيّر.
*تصنع المبالغة، كبار الفلاسفة أيضا، لكن عليها أن تكتسي لديهم معطفا كثيفا من العقلانية. أمّا الشاعر فيعرضها عارية براقة.
*يقحم في كلّ جملة كلمة أجنبية من لغة لا يعرفها، ولا يعرفها الحاضرون، والكلّ يهزّ رأسه موافقا.
*يمكن أن نكتب التاريخ كما لو أنّه كان دائما يشبه عصرنا. لكن لماذا نكتبه إذن؟
*من يطلب التفكير، عليه أن يتخلّى عن التبشير.
*لعمري كم تبدو الأمور مقنعة للذي لا يعرف إلّا القليل.
*كلّ الآداب تتذبذب بين الطبيعة والجنة وتعشق الخلط بين الاثنين.
*أغرب الأشياء بالنسبة لي هم الشعراء قصار العمر حتّى أن معاصريهم من كبار السن يعيشون موتهم. هكذا كان “كلايست” شابا في وقت كان فيه غوته عجوزا، غوته الذي سيعيش بعد وفاة كلايست عشرين سنة أخرى. لكن الفرق الأكثر بروزا بين نوفاليس وغوته وسنتذكر كل ما كان يمثله غوته لنوفاليس. الشعراء الشباب يصبحون بسهولة لا زمنيين، وخلودهم مثل تعويض لهم، فلا يمكن التفكير بهم كعجزة. ونميل إلى الاعتقاد بأنّهم ماتوا شبابا حتّى لا يخلفوا صورة عن شيخوختهم.
*يفقد التفكير قوته حين يصبح شيئا يوميا، عليه أن ينقضّ على مواضيعه كما لو أنّه قادم من بعيد.
*شاعر من يخلق شخصيات لا يعتقد بها أحد والتي مع ذلك لا ينساها أحد.
*إنجلترا هي البلد التي نشعر فيها بالخجل ونحن جالسون بين الناس حاملين قلما بيدنا، ونكتب جملا طويلة. لو كتبنا أرقاما لما أثرنا الشكوك أبدا.
*الصمم حظ كبير للثرثار، فهو لا يستطيع سماع نفسه.
*بلدان وُجِدت ليُرمى بكم داخلها مثل أمريكا وأخرى لكي يُقذف بكم خارجها: إنجلترا.
*الصينيون هم المفكرون العقلانيون الوحيدون الذين يستطيع تحملهم. فمسافة طويلة تفصله عنهم لهذا لا يشعر بالضيق، كم هي جميلة الحكمة حين تكون بعيدة!
*النبوءات التي تحققت هي التي يُشكّ بها أكثر.
*في سن متقدمة نبدأ التعليق على الكتب الكبيرة، الكتب نفسها التي أردنا تمزيقها في سنّ الشباب. ولأننا لم نستطع ذلك، نحاول مرة أخرى، وعبر سنوات النسيان أصبحنا أهلا لها، نتأمل عظمتها، نتحدث معها. والآن نقول لأنفسنا يتوجب أن نبدا حياة جديدة لكي نفهم كتابا واحدا منها.
*العادل يتغير أربعين مرة في اليوم، أمّا المنافق فيظل في نفس الوضع أربعين سنة.
*يمكن أن نقول عن الشيخوخة بأنّها ترفع من ثمن الحياة.
*محن سرفانتس في إسبانيا التي افترسها الشرف. مؤلفات في عمر متقدمة، بعد خمسين سنة، ومجد أكثر تأخرا. جندي وعبد في شبابه، عاش خمس سنوات في ظل الشروط الأكثر قذارة متحمّلا ذلك، جابي ضرائب في سن الأربعين لم يحصد سوى الخيبات، أسرته، أشبه بالقمل، نغّصت عليه حياته، لكن بفضل الكتابة لم ينهزم منفلتا من كل محاولة للتضييق عليه، حياته كانت غنية إلى درجة أنّ ما كتبه لن يختنق أبدا.
*الجميل في الشذرات أنّها حرّة من كلّ حساب. إنّها في عجلة من أمرها، والرأس الذي ولدت فيه لم يملك الوقت الكافي للسؤال عن الفائدة منها.

إميل سيوران.. في حراسة العزلة
لا يستطيع أحد أن يحرس عزلته إذا لم يعرف كيف يكون بغيضا.
+++++++
لا أحيا إلّا لأنّ في وسعي الموت متى شئت. لولا فكرة الانتحار لقتلت نفسي منذ البداية.
+++++++
الشكوكية التي لا تساهم في دمار صحّتنا ليست سوى رياضة ذهنية.
+++++++
المزعج في اليأس أنّه بديهيّ وموثّق وذو أسباب وجيهة: إنّه ربورتاج. والآن أمعنوا النظر في الأمل. تأمّلوا سخاؤه في الغش، رسوخه في التدجيل، رفضه للأحداث. إنّه تيه وخيال، وفي هذا التيه تكمن الحياة ومن هذا الخيال تتغذّى.
+++++++
لو كان عليّ أن أتخلّى عن ولعي بالفنون لما تخصّصت في غير العواء.
+++++++
نكفّ عن أن نكون شبابا لحظة نكفّ عن اختيار أعدائنا، راضين بأولئك الذين نجدهم في متناول اليد.
+++++++

تائها في الضباب، أتعلّق بأدنى أسى كأنّه حبل نجاة.
+++++++
نولد ونحن نملك قدرة الإعجاب لا تقدر عشر كواكب على استنفادها. أمّا الأرض فتستنفدها مباشرة.
+++++++
تنهض مثل صانع معجزات عازم على تأثيث يومه بالخوارق، ثم تستلقي على سريرك من جديد لتلُوك حتّى الليل هموم العاطفة والمال.
+++++++
لا شيء يكشف عن السوقيّ مثل رفضه أن يخيب ظنُّه.
+++++++
حين يكون جيبي خاليا من أيّ فلس، أرغم نفسي على تخيّل سماء النور الصاخب التي تمثّل حسب البوذية اليابانية مرحلة من المراحل التي على الحكيم أن يعبرها لتجاوز العالم. وربّما عليّ أن أضيف، لتجاوز المال.
+++++++
من بين أنواع النميمة كلّها، الأسوأ هي تلك التي تستهدف كسلنا، تلك التي تشكّك في أصالته.
+++++++
الرغبة في الموت كانت همّي الأوحد والوحيد، في سبيله ضحيت بكلّ شيء حتّى الموت.
+++++++
في التشاؤم تلتقي طيبة غير فعّالة بخبث غير مشبع.
+++++++
كنت بصدد متابعة دروس جادة حين اكتشفت أنّي سأموت ذات يوم، فاهتزّ تواضعي لذلك. ولمّا كنت اقتنعت بأنّه لم يعد لي ما أتعلّمه، فقد تخلّيت عن دراستي لأخبر العالم بهذا الاكتشاف العظيم.
+++++++
مع التقدّم في السنّ يتعلّم المرء مقايضة مخاوفه بقهقهاته.
++++++++
كفّوا عن سؤالي عن برنامجي: أن أتنفّس، أليس برنامجا كافيا؟
++++++++
أفضل طريقة للابتعاد عن الآخرين تتمثّل في أن ندعوهم إلى الاحتفال بهزائمنا، بعد ذلك، نحن على يقين من أنّنا سنكرههم إلى آخر رمق في حياتنا.
++++++++
ما من فعل إلّا وهو يداعب غرور الضبع فينا.
++++++++
في أعمق أعماق عجزنا نقع فجأة على ماهية الموت. إنّه إدراك أقصى، مستعصٍ على التعبير،هزيمة ميتافيزيقية لا قبل للكلمات بإبلاغها.هذا يفسر لماذا قد نجد في صرخات عجوزٍ أمّية، بالنسبة لهذا الموضوع، إضاءةً أفضل ممّا نجده في رطانة فيلسوف.
++++++++
كتمان الألم، إنزاله إلى مرتبة النشوة. تلك هي حيلة الاستبطان، لعبة اللطفاء، دبلوماسية الأنين.
++++++++
كلّما كان عقل في خطر، أحسّ أكثر بالحاجة إلى أن يبدو سطحيا، أن يتّخذ له مظهر الخفّة، أن يضاعف سوء الفهم في ما يخصّه.
++++++++
لا ينتحر إلّا المتفائلون، المتفائلون الذين لم يعودوا قادرين على الاستمرار في التفاؤل. أمّا الآخرون، فلماذا يكون لهم مبرّر للموت وهم لا يملكون مبرّرا للحياة؟
++++++++
في ذروة تقزّزنا، يبدو كأنّ فأرا قد تسلّل إلى دماغنا ليحلم.

تشيزاري بافيزي.. يوميات بنفسٍ شذريّ
الموت هو السكينة، لكنّ فكرة الموت تعكّر صفو كلّ سكينة. *
*ينبغي أن يكون المرء مجنونا لا حالما … بمقدور المجنون أن يصير حكيما، لكن ليس بإمكان الحالم سوى أن ينفصل عن الأرض. للمجنون أعداء، وليس للحالم إلاّ نفسه.
*كلّ المودّات الأكثر قداسة، ليست سوى عادات كسولة.
*بقدر ما تمضي بنا السنين، يتراءى تحت محيّا كلّ واحد منا رأس الميت أكثر فأكثر.
*امنح الوحيد رفقة وسيتكلم أكثر من أيّ كان.
*كنت أمضي المساء قبالة مرآتي كي تكون لي رفقة.
*الفنّ بأكمله مشكلة توازن بين نقيضين.
*فيما مضى، كانت القوة في خدمة الأيديولوجيات. الآن، صارت الأيديولوجيات في خدمة القوة.
*الأشياء المجانية هي الأشياء الأكثر كلفة، لأنّها تساوي مجهودنا في فهم أنّها مجانية.
*لا نتحرّر من شيء بتفاديه. لكن، فقط باختراقه.
*أصل الخطايا كلّها الشعور بالنقص، وبتعبير آخر: الطموح.
*في هذه الصفحات، ثمّة مشهد للحياة، لا الحياة. كلّ شيء منذور إلى البداية من جديد.
*يتوقف المرء عن أن يكون شابا، حينما يفهم أنّه من غير المجدي البوح بالألم.
*أن يجعل المرء نفسه محبوبا عن طريق الإشفاق، فيما الحب يصدر فقط عن الإعجاب، فكرة
تستحقّ الكثير من الشفقة.
*وألاّ يغيب عن ناظرنا أنّ الشاعر بالكيف لا بالسبب.
*لكنّ الحقيقة الكبرى والفظيعة هي هذه: الألم لا يفيد في شيء.
*كلّ ناقد هو في واقع الأمر،امرأة في السن الحرجة. حاسد ومكبوت.
*هذه خلاصة كلّ حبّ: نبدأ بالتأمل، وننتهي بالتحليل.
*وأن نتذكر على الخصوص، أنّ كتابة الشعر كممارسة الحبّ: متعة، لا ندري أبدا هل هي متبادلة.
*ثمّة نوع من الناس اعتاد على التفكير بأن لا فضل له في شيء، حتى لو كان ذلك باسم عمل أو جهد قد كابده. ومهما كانت المبررات فإنّه لا يقبل شيئا من الآخرين، حتّى من أولئك الذين أسدى إليهم معروفا. ومن ثمّة فإنّه لا يهب شيئا للآخرين إلاّ بهواه.
هذا الشخص هو أنا.
*الفاشل الحقيقي، ليس ذلك الذي لم ينجح في عظائم الأمور. بل ذلك الذي لم ينجح في الصغير منها. ألّا يكون للمرء مأوى، ألّا يحافظ على صديق واحد، ألّا يرضي امرأة واحدة، ألّا يكسب عيشه مثل أيّ كان: هذا هو الفاشل الأكثر بؤسا.
*يجب أن نلاحظ ما يلي: في أيامنا هاته، الانتحار وسيلة للغياب. يُرتكب في خجل، وفي صمت وانبطاح. لم يعد الانتحار تصرّفا حرّا بل فعل استسلام. من يدري هل سيعود الانتحار المتفائل ثانية إلى العالم ؟؟
*ليس عن حبّ يبكي الرجل امرأة خانته. لكن عن الشعور بالإهانة، لأنّه لم يستحق ثقتها.
*هناك ما هو أكثر بؤسا من إضاعة مُثُلنا: هو تحقيقها.
*الطيبة التي تصدر عن ضجر من الألم، هي أكثر فظاعة من الألم.
*إنّه الليل كالعادة تحسّ ببهجة الذهاب إلى السرير. ببهجة الغياب، وفي لحظة، سيحلّ الغد وسيهلّ الصباح. ومن جديد سيبدأ الاكتشاف الرائع، والانفتاح باتجاه الأشياء. جميل أن نذهب إلى النوم لأنّنا سوف نستيقظ، ولأنّه الوسيلة الأسرع للوصول إلى الصباح.
*يتطلع المرء إلى العمل من أجل الحصول على الحقّ في الرّاحة.
*كلّ تواريخ الثورات هذه. كلّ هذه الرغبة في أن نرى وقائع تاريخية تحدث. هذا الاحتفاء المفرط هو نتيجة تشبّعنا بالنزعة التاريخانية. ولهذا، فباعتيادنا على التعامل مع القرون كما لو كانت صفحات من كتاب، فإنّنا نزعم سماع أجراس المستقبل كلمّا نهق حمار ؟؟

ستانيسلاف جيرزي ليك.. حتّى في الصمت ثمّة أخطاء إملائية
ولد ستانيسلاف جيرزي ليك Stanislav Jerzy Lec (1909-1966) في مدينة لوفوف وقد كانت تابعة للإمبرطورية النمساوية الهنغارية، وهذا أوّل وجوه الغرابة في حياة هذا الكاتب البولوني المثيرة، بعد الحرب الأولى أصبحت مدينته بولونية، وفي الحرب العالمية الثانية صارت سوفياتية، وهي الآن أوكرانية. هو مثل الكثير من مثقفي هذه الحقبة في أوروبا الشرقية من أصول يهودية غنية جدا اعتقله النازيون وكان سيلقى المصير نفسه مثل الكثير من يهود أوروبا الشرقية لولا هروبه من معسكر الاعتقال بفضل اتقانه الباهر للغة الألمانية. كتب ستانيسلاف جرزي ليك القليل من الشعر، وما تبقى من أعماله كان كلّه شذريا الكتاب الأوّل “أفكار مبعثرة” والثاني “أفكار جديدة مبعثرة” الذي يعني حرفيا أفكار مشعثة، وباعتراف الكثيرين بمدى تأثيره العميق في التحولات الفكرية التي شهدتها أوروبا طيلة القرن العشرين، لقد كان بالفعل فيلسوفا يكتب الشذرة. مرّة أشاد امبرتو إيكو بكتاب ستانيسلاف جيرزي ليك قائلا: ” يتعلّق الأمر بكتاب على كلّ شخص متحضّر أن يقرأ منه كلّ ليلة ثلاثة أو أربعة أسطر قبل النوم مباشرة، هذا بالطبع إن استطاع النّوم بعد ذلك”.
*الشرط الأوّل للخلود هو الموت.
*حتى المازوشيون يقرون تحت التعذيب بإقرارات كاملة، اعترافا منهم بالجميل.
*كونه صار ميّتا لا يثبت بأنه قد كان حيّا.
*السماء وا أسفاه لا يمكن الذهاب إليها إلّا في تابوت.
*التاريخ يعلّم كيف ينبغي تزييفه.
*الخطأ يصبح خطأ عندما تكون له في ولادته قيمة حقيقية.
*كنت أريد أن أقول للعالم كلمة واحدة، وبما أنّي لم أستطع ذلك صرت كاتبا.
*لا يختلف التشاؤم عن التفاؤل إلّا في تاريخ نهاية العالم.
*لا ترو أحلامك لأحد، ماذا لو وصل أتباع فرويد ذات يوم إلى الحكم.
*لا تقطع الغصن الذي تجلس عليه إلّا إذا أُريد لك أن تُشنق عليه.
*هذا امرؤ ذو جهالة موسوعية.
*خارج الجاذبية، ما الذي يشدّنا إلى الكرّة الأرضية؟
*اعط لله ما لله، ولقيصر ما لقيصر. لكن ماذا سيتبقى للبشر.
*افتح يا سمسم: أريد الخروج.
*ليس للقشّ الرائحة ذاتها، للخيول كما للعاشقيْن.
*حلمت هذه الليلة بالحقيقة. فأيّ ارتياح أصابني عندما أفقت.
*على المرآة أن تنظر هي الأخرى إلى نفسها من خلال الوجوه، لترى ما إذا كانت لها عيوب.
*مضرّة كثيرا هي الحياة، حين نحيا نموت.
*الأسرار غير ملزمة بالتخفّي.
*عند الاقتراب من الحقيقة، نبتعد عن الواقع.
*ينبغي على الدوام البدء من النهاية.
*عجبا لأمر المتفائلين الذين يخشون أكثر فلسفة اليأس.
*إنّه فنّ كامل أن تبيع دون أن يكون لديك شيء للبيع.
*المتمكّن من اللغة غالبا ما يلزم الصمت.
*الشيطان في الجحيم شخصية إيجابية.
*الآراء في العادة مشتركة بين الأقوياء.
*في صراع الأفكار هلاك البشر.
*ستصل التقنية إلى مستوى من الكمال، لدرجة أنّ الإنسان سيكون بوسعه أن يستغني عن نفسه.
*حتّى في هذا الصمت، ثمّة أخطاء إملائية.
*الفكر العميق يقتضي علوا.
*يا للعار! ميزة اكتشاف أمريكا لا تعود إلى الأمريكيين.

*التاريخ: هو مجموعة من الوقائع التي ما كان لها أن تحدث.
*المال لا رائحة له، لكن له أجنحة.

*معاشرة الأقزام تشوّه العمود الفقري.
*لا تضع ثقتك في قلبك، إنّه متعطّش لدمك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى