الرأيزاوية القراء

القضية الأخيرة

ها أنت قد رحلت، وبعد كل شيء رحلت. هل تستوعب أنك مضيت الآن إلى نهايتك ولم تخبرني أبدا كيف كان يومك الأول في المدرسة ولا لم اخترت القضاء مهنة، ولا كيف كانت أول جلسة ترأستها ولا أول حكم نطقت به. لم تخبرني كيف كنت تشعر وأنت تنتصر لمظلوم مسكين وتمنحه حقه. لم تخبرني أبدا كيف كان شعور العجز وأنت غير قادر على الحكم لصالح الضحية لأن الأدلة المتوفرة بين يديك غير كافية، رغم شعورك الكامن داخل قلبك أنها صاحبة حق. لم تخبرني كيف وقعت في غرام أمي وسحرها ولا من بدأ السلام أولا. ولا وكيف طلبت يدها للزواج. لا أستطيع تخيل الأمر، أنت بهيبتك وعلو مكانتك تلحق بموظفة استقبال بسيطة في المحكمة لتخبرها أنك ترغب بها زوجة.
أخبرك اليوم وأنا واقف أمام هذا الجثمان الموشح برداء أبيض شاحب شحوب الجسم الذي بداخله، هذا الجثمان الذي هو أنت. أبي، الأستاذ القاضي، ورجل القانون، والفقيه والحاج الوقور، الذي ارتعدت له فرائص الموظفين والمجرمين على حد سواء في كل محاكم المدينة، العابس على الدوام، قليل الضحك، منعدمه ربما، والذي لم يستطع يوما أن ينتزعني من الدنيا ويلقي بي في حضنه. أخبرك أن غضبي يفوق حزني، أنا غاضب منك، غاضب من قوتك التي حرمتني الأب الذي فيك، غاضب من قسوتك في تربيتي لجعلي رجلا مهما، مثلك، قسوتك هذه التي حرمتني الملاذ الآمن. أي نعم أنت أمنتني، أمنت دراستي، مستقبلي، زواجي، إلا أنك نسيت الأمان الأعظم. حضنك. لا تهزأ أرجوك، نعم حضنك كل ما كان ينقصني.
كنت كل يوم أقرر أن أذيب جبل الجليد الأصم الواقف بيننا، وأن أغتال ضباط المخفر الصامدين فوق ألسنتنا، أن أخبرك عن ابنة جارنا عمي عبد الكريم التي أحببتها وأنا مراهق لم ينبت على وجهي سوى شعر شنب صغير، أن أسألك بضعة أسئلة عن الرجولة، عما يجب علي فعله وكيف ومتى، لأكون رجلا. أن أحكي لك عن ألمي الكبير عندما تزوجت ابنة عمي عبد الكريم وتركتني لأجل رجل آخر. يومها تحسست رجولتي فوجدتها أشلاء متناثرة، كيف تتبعثر الرجولة فينا عندما ترفضنا أنثى!؟ كنت أريد جوابا منك، أنت. أجوبة أمي كلها كانت عبارات بالية لمواساتي. وأنت، لم تكن أبدا هناك. كنت تفكر في قضاياك.
لقد سألت نفسي كيف لعلاقتي بك أن تتغير، كيف يمكننا تجاوز هذا الصمت الثقيل، ونحن رجلان لا يحق لنا البوح، هل من طريقة أخرى لذلك، غير البوح، هل البوح للإناث وحدهن!؟ هذا ما بدا عليه الأمر دائما. لقد كنت أشعر بغيرة قاتلة، وأنا أسمع أختي تخرج كل أسرارها وعواطفها وأحوالها على شكل بوح ثقيل يمتزج بضحكات عالية أحيانا ودموع ساخنة أحيانا أخرى، وترمي بها لأمي واضعة رأسها فوق خديها، بينما هذه الأخيرة تدعك فروة رأسها بحنو غامر. لكم تمنيت لو أني كنت أنثى فقط لأعيش هذه اللحظة. معك. لأتخفف وأرتاح. لا جرم أن للنساء أرواحا خفيفة، هن يتخلصن من أوجاعهن عبر ألسنتهن وثرثرتهن، بكائهن وشكواهن. أما نحن، هذه الكائنات المثقلة بأوجاعها المضغوطة كعلب تونة قادمة من إسبانيا في رحلة بحرية للصين، فوقها فوق بعض، نحمل كل أوجاع الخليقة داخلنا. لا جرم أننا ثقال غلاظ شداد.
لا أدري بماذا سأخبرك، وأنا وأنت الآن في هذه القاعة الصامتة، لا أنت قاضي القضاة كما كنت ولا أنا ابنك الخجول الذي كان. لكن دعني أعترف لك بشيء مهم، قد يصدمك ربما، لا بأس بذلك، لقد صدمت أناسا كثرا بأحكامك قبل ذلك. لقد كنت أكره نجاحك، كنت أكره أنك أب ناجح جدا وعظيم جدا، ليس كره الأعداء ولا كره المجرمين الذين وقعت على حكم المؤبد في حقهم كما توقع عروس عقد زواجها بحبيبها المشتهى، لا، هو كره العجز. كنت عاجزا عن أن أصير مثلك، أن أكتسب الاحترام العظيم الذي أراه في عيون كل من صادفك، أنا رجل موسيقى وفن، والناس كانوا يرونني كغصن مهترئ من شجرة باسقة. كيف يكون ابن القاضي المحترم حامل عود يدندن كمخبول. أليس حريا به أن يكمل مسيرة أبيه في تحقيق العدالة!؟ كنت أرى نظراتهم الممزوجة بالحسرة والشفقة كلما لمحني أحدهم حاملا عودي فوق ظهري عائدا من المعهد. كنتَ النجاح الذي لا يمكنني بلوغه، لكم أتعبني ذلك يا أبي، لكم أتعبني شعور القهر، لعجزي عن جعلك فخورا بي كما يجب. كان بودي ذلك، أقسم لك، أقسم بالغضب الذي يأكل أحشائي. لم أستطع.
أنا رجل نعم، لكني لا أحمل قوتك، لم تورثني سيطرتك على الحياة والناس، لا أعرف أي صدفة جعلت مني ابنك، أنا الذي ترعبني بنايات المحاكم، ووجوه المجرمين، لقد أخطأ القدر في حقنا خطأ فادحا. كان يجب أن أكون ابنا لعازف كمان أو شاعر حر، أو حتى حرفي ما. أنت كان سيناسبك جدا ابن كأيمن، ابن عمي الطاهر. المحامي الشاب بهي الطلعة الذي يصهل ليل نهار في قاعات الاستئناف. آه يا أبي، كم تمنيت أن أرفع قضيتي إليك لتحكم فيها، قضية ابن لا يعرف أباه، ولا يعرفه أبوه. أن تحكم علينا بسجن طويل المدى، نكون فيه نحن الاثنان فقط. أعرفك فيه وتعرفني. تتخلص فيه من دور الأب الصالح المتزن الوقور المسؤول المنضبط. وأتخلص فيه أنا من دور الابن الطيب الخجول المؤدب الهادئ. نجري ونقفز ونلعب ونضحك وأنام واضعا رأسي على فخذك تماما كما كانت تفعل أختي وأمي. أن تكون لي خلا وأكون لك رفيق درب. أن نحكي كل شيء، ونسخر من كل شيء. أن تخبرني عن حبيباتك كلهن وأخبرك ماذا فعل الحب بقلبي البسيط. أن أقرأ لك روايات كافكا وقصائد الحلاج. وتشرح لي الفرق بين القانون العام والخاص. آه يا أبي ما أتعسني وما أبعدك.
إنهم يستعجلونني الآن، يرغبون بدفنك، أنت ستدفن، القاضي والفقيه والحاج المختار الفيلالي، سيضعونه تحت التراب. ما أقسى قلوبهم. يقولون إن إكرام الميت دفنه. فكيف يكون إكرام الحي الذي فقدك، أخبرني أرجوك، فلتكن هذه كلمتك الأخيرة في قضيتك الأخيرة، في جلستك الأخيرة. ولتمنحني حكما عادلا يحرر الغضب الذي بداخلي، ويرزقني السلام. تماما كالسلام الذي ترقد فيه الآن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى