الرئيسيةثقافة وفن

الناقد عبد الفتاح كيليطو بعيون كتاب وباحثين وفلاسفة

فاز الناقد والأديب المغربي عبد الفتاح كيليطو بـ«جائزة الملك فيصل العالمية في فرع اللغة العربية والأدب» (دورة 2023) «في السرد العربي القديم والنظريات الحديثة».

محمود عبد الغني :

وجاء في تقرير لجنة التحكيم أن هذا الاختيار وقع على الأستاذ كيليطو نظراً لبراعته «في تأويل الأعمال السردية العربية القديمة بدراسات مكثفة، أحاطت بها في شتى أنواعها، وتمثله للمناهج النقدية الحديثة تمثلا إيجابيا، وعمله على تكييفها بما يناسب رؤيته التي اتصفت بالجدة والطرافة، والإبداع، وتميزه بالقدرة على تقديم السرد العربي للقارئ العام بأسلوب واضح ودقيق».

يجمع الملحق الثقافي لجريدة «الأخبار» في هذا العدد، على سبيل الاحتفال بهذا التتويج، مجموعة من النقاد والباحثين العرب المرموقين، والذين عرفوا بعلاقتهم المعرفية والعلمية بمشروع الكاتب عبد الفتاح كيليطو.

الفارس الذي أيقظ الفتاة النائمة

 

حسن بحراوي

 

ولد الكاتب عبد الفتاح كيليطو في الرباط أواسط الأربعينات وانتظم في المسيد قبل الالتحاق بالمدرسة العمومية، ثم بثانوية مولاي يوسف ذات التاريخ الوطني العريق، وفي كلية الآداب بالرباط حصل على الإجازة في الآداب الفرنسية التي سيعود إليها أستاذا مساعدا سنة 1968 مدرسا للرواية الفرنسية عبر فترة جاوزت الأربعة عقود.. وخلال ذلك سوف يحصل الكاتب على دكتوراه الدولة من جامعة السوربون الجديدة بباريس (1982) في موضوع نادر التناول هو البناء السردي في مقامات الهمداني والحريري..

وفي أواسط السبعينات بدأت محاولاته في الكتابة بالعربية والنشر في الصحف المغربية (العلم والاتحاد) قبل أن يستدرجه زميله محمد برادة إلى المشاركة في الندوات واللقاءات الثقافية الوطنية وينتهي بمنحه عضوية اتحاد كتاب المغرب ويفتح أمامه فرصة المساهمة في ندوة عربية كبرى هي ملتقى القصة العربية بمكناس (مارس 1983) حيث قدم محاضرة لامعة بعنوان (زعموا أن..) حول كتاب كليلة ودمنة لابن المقفع نالت إعجاب النقاد العرب خصوصا أنها آتية من كاتب معروف أنه فرانكوفوني أصلا..

وبهذه المناسبة تبدد سوء التفاهم، لدى العرب والمغاربة، واتضح أن معرفة الرجل باللغة العربية تفوق ما كان ينعم به الجميع، بل ويتجاوز ذلك بتبحره في الأدب العربي القديم الذي كان كتابه حديث الصدور (الأدب والغرابة- 1982) قد أعطى الدليل على ذلك وأكثر، ثم جاءت أطروحته المتحفية حول المقامات المنشورة بالفرنسية (1983) لكي تقطع دابر جميع التأويلات والمصادرات..

وكذلك جاءت محاضراته اللاحقة حول الأدب العربي الكلاسيكي في جامعات بريستون وهارفرد والكوليج دو فرانس لكي تؤكد معرفته العميقة بأسرار وآليات السرد العربي القديم التي رسخ بواسطها قدمه في الدراسات الحديثة للأدب العربي القديم والسرد العربي بمظاهره التعبيرية والعجائبية كما في ألف ليلة وليلة والمقامات وعند المعري والجاحظ والزمخشري وابن رشد وآخرين عديدين..

غير أن المفارقة التي لم تكن يسيرة الاستيعاب في حالته هي كونه ظل يجعل مسافة بينه وبين الأدب العربي الحديث بما فيه القصة والرواية اللذان كان يعتبر نفسه قارئا لهما لا أكثر أي لا يخوض فيهما بحثا أو تأليفا، بما في ذلك الأعمال المغربية المكتوبة بالفرنسية والتي كانت تعيش فترة ازدهارها على يد كتاب كبار كعبد الكبير الخطيبي والطاهر بنجلون والجزائري رشيد بوجدرة..

وبهذا يسجل كيليطو التزامه بمقاربة الأدب العربي الكلاسيكي بمثابة انشغال دائب لا رجعة فيه واختيار ثابت ومفكر فيه، ويتأكد بالتالي مبدؤه المعلن: (أتكلم جميع اللغات.. ولكن بالعربية)- (2013).

وعلى هذه الهيئة تعرف جيلنا على إنتاجه وبدأنا نتابع كتابته التي كثيرا ما كانت تلجأ لمبدأ المقارنة بين مكونات التأليف الأدبي وتنبش في مظاهرها وتلويناتها المتفاوتة من قبيل (الأدب والغرابة)- (1982) و(الحكاية والتأويل)- (1984) و(العين والإبرة)- (1995) و(الكتابة والتناسخ)- (2008) و(الأدب والارتياب)- (2009).. أو تغوص في عوالم مجازية مستحضرة شخصيات الفكر الإنساني أمثال أبي العلاء المعري (لسان آدم)- (1995) ونيتشه (حصان نيتشه)- (2005) وابن رشد (من شرفة ابن رشد)- (2009).. إلخ انتهاء بأعمال ذات نكهة تأملية وحكائية غميسة من قبيل (أنبئوني بالرؤيا)- (2011)، (من نبحث عنه بعيدا يقطن قريبا)- (2019) و(في جو من الندم الفكري)-(2020) و(والله إن هذه الحكاية لحكايتي)- (2021)..

وكانت نتيجة هذه الوساطة المضاعفة بين المحدثين والقدماء، وبين الناطقين بلغة الضاد أو بغيرها، التي نهض بها الكاتب بكل اقتدار هي أن أعماله كلها وجدت طريقها إلى الترجمة والذيوع وانتقلت بكامل السلاسة إلى العديد من اللغات الأوروبية كالإسبانية والإنجليزية، والألمانية والإيطالية.. بل بلغ بعض منها كليا أو جزئيا إلى لغات أقل تداولا كاليونانية والرومانية، والتركية والصينية.. وبذلك يتحقق على يد هذه الترجمات من الانتشار ما عجزت عنه الثقافة العربية على مدى عقود من تاريخها الطويل.

وهنا أفرغ من الجانب الموضوعي لأنتقل إلى الشق الشخصي، أي إلى الحديث عن علاقتي الذاتية بالكاتب كزميل بكلية الآداب واتحاد كتاب المغرب، موزعا ذلك طلبا للاختصار الذي يقتضيه المقام إلى ثلاث محطات:

 

محطة الحوار

كانت قراءتي المبكرة والشغوفة لكتابه عن المقامات في صيغته الأصلية قد قادتني إلى التفكير في محاورة كيليطو لتقديمه للقراء، الكتاب وليس الكاتب، وحدث ذلك بعد صدور الأطروحة بوقت وجيز (1983) وكانت أسئلته الإشكالية والقضايا الفنية والجمالية التي طرحها قد أججت فضولي للتعرف عن قرب على كيليطو الإنسان والباحث الذي بدا لي من اللقاءات القليلة شخصا ذا مزاج هادئ وحديث هامس موروث ربما عن اعتزاله الإرادي للحياة الصاخبة ضمن أوساط الكتاب. وكان قد بدأ يشارك في الندوات التي تلامس اهتمامه ويساهم بمداخلات على طريقته التي تحيط بالموضوع وتكاد تحوله إلى محض أسئلة وإشكالات تكشف ما وراء الظاهر وتنفذ عميقا إلى شغاف السامعين.

اتصلت به هاتفيا وطلبت مقابلته معبرا عن رغبتي في إجراء حوار حول موضوع الكتاب، وقد قبل دون تردد يذكر ولكنه اشترط أن أمكنه من الأسئلة ليأخذ وقته في النظر فيها قبل مباشرة الإجابة عليها.. وكذلك كان، فبعد أيام قلائل توصلت منه بظرف في صندوقي بالشعبة حيث أعاد كتابة أسئلتي، مصححا كلمة أو كلمتين، واستبعد منها سؤالا لم ير فائدة في التطرق إليه. وبعد ذلك نشر الحوار بجريدة أنوال الثقافي وتداوله القراء من مختلف الأذواق والحساسيات ولابد أنه كان سبيلهم إلى مزيد من التعرف على مشروع الكاتب الذي، وإن لم يكن مثيرا للجدل، فإنه يقدم مقاربة نوعية غير مألوفة لنمط سردي كلاسيكي بقي في الظل عدة قرون إذا استثنينا القراءات التاريخية والمضمونية التي لم تكن تقدم إضافة أو تضيء مستغلقا.

الطريف في هذه الواقعة كلها أن الأستاذ كيليطو سوف يتصل بي ذات يوم، بعد ثلاثة عقود من نشر الحوار المذكور، وكان الغرض هو استئذاني في إعادة نشره ضمن كتاب جماعي قررت دار توبقال، ناشرة كتبه، أن تضمنه مختارات من الحوارات التي أجريت معه تحت عنوان (مسار)- (2014)..وقد فاجأني بلطفه المعهود أنه يفعل ذلك شخصيا لأنني كنت أول من حاوره باللغة العربية..

 

محطة المناقشة

كنت في بداية صيف 1988 أستعد لمناقشة رسالتي لدبلوم الدراسات العليا بقسم الأدب العربي بكلية الآداب بالرباط، وقد ارتأى أستاذي المشرف سي أحمد اليابوري أن يدعوه ليكون عضوا في لجنة المناقشة، وقد رحب الأستاذ كيليطو بالدعوة رغم أنه لم يكن من المعتاد أن يشارك أساتذة شعبة اللغة الفرنسية في مناقشات شعبة اللغة العربية. وبالنسبة لي فقد أسعدتني هذه المبادرة الآتية من أستاذي حفظه الله، سيما أن رسالتي التي كانت تدور حول بنية الشكل في الخطاب الروائي المغربي كانت تستعمل مرجعيات ومصطلحات غربية لا شك أن حضور الأستاذ كيليطو، إلى جانب الأستاذ سعيد علوش، سيساعد على تقويمها وإنجاح مناقشتها.

وعندما حل دوره للتدخل أثار الأستاذ كيليطو انتباهنا بالتركيز على ثلاث نقط أساسية لم نتعود سماعها في مناقشة الرسائل الجامعية، أولاها كثرة المراجع المثبتة في آخر الرسالة والتي قاربت المئتي مرجع طالما كان الموضوع متشعبا ويتوزع على أبواب الفضاء والزمن والشخصية وغيرها من مكونات السرد الروائي، وسألني بالمناسبة إن كنت قد قرأتها جميعها؟ وكان ردي أن القسم الأساسي منها قرأته كاملا، والقسم الثاني اطلعت عليه جزئيا مقتصرا على الفصول التي تدخل في إطار اهتمامي، وأما القسم الثالث فموجه للقارئ الذي يرغب في الاستزادة.. وقد ابتسم الأستاذ ساخرا وأضاف بأنه شخصيا لم يطلع عليها جميعها.. وطبعا كان ذلك تواضعا جميلا منه هو المعروف بالقراءة الموسوعية والاطلاع الشامل على عموم المرجعيات الغربية.

وأما النقطة الثانية فكانت تتعلق بالمقدمة النظرية الطويلة التي ناهزت المائة صفحة، وكان من رأيه أنها مفرطة الطول وربما عديمة الفائدة، وبالتالي كان علي أن أكتفي بتقديم الموضوع بطريقة موجزة تقف عند طرح الأسئلة وتوضيح الإشكاليات، وزاد على ذلك بأن تساءل، محاطا باستغرابنا، عن ضرورة المقدمة أصلا، إذا كان البحث سيستوفي شروطه ويحيط بمقتضياته؟

وأما النقطة الأخيرة فأبلغنا فيها بقراره (الغريب) بالاقتصار في مناقشته على باب واحد لا غير، ليس استهانة بباقي الفصول أو تنقيصا من قيمتها كما قال، بل لكي يكون تدخله مركزا ومفيدا.. وهو ما جعلنا نثمن جماعيا هذا الاختيار الذي يعطي الدليل على جدية الأستاذ وإحساسه بالمسؤولية على خلاف كثير من زملائه من أساتذة الجامعة الذين ينساقون وراء الثرثرة والعموميات غير المجدية.

 

محطة كتاب الغائب

كان كتاب الغائب (1987) هو ثالث مؤلف يصدره كيليطو باللغة العربية، وكنا في فرع اتحاد الكتاب بالرباط نحرص على الاحتفاء بكل عمل جديد للكاتب ونجعله موضوع قراءة جماعية بحضور المؤلف والجمهور، وقد شارك في مناقشة هذا الكتاب بعد فترة قصيرة من صدوره الأستاذان عبد السلام بنعبد العالي وإبراهيم الخطيب وكاتب هذه السطور..

وللتذكير ففي هذا الكتاب يتعلق الأمر بدراسة في مقامة طريفة للحريري تدور حول حكاية فتاة عربية جميلة حكمت عليها ساحرة شريرة بالنوم مدة مائة سنة، وهكذا ظلت مستغرقة في السبات لفترة طويلة دون أن يجرأ أحد على إيقاظها إلى أن بعث لها القدر بفارس أحلامها الذي تولى ملاطفتها وتقبيلها إلى أن أفاقت واستعادت حيويتها وباشرت حياتها من جديد.

وبالنسبة للمؤلف كيليطو فإن (المؤلفات القديمة) هي أشبه ما تكون بهذه الفتاة التي حكم عليه بالنوم المزمن ولم تجد اليد الرحيمة التي تربت عليها بلطف وتعيدها إلى الوجود بطريقة سلسة تسترجع معها عافيتها وتألقها السابقين، وهو يتمنى على قارئه أن يكون ذلك الشخص المنشود في تعامله مع تراثنا الكلاسيكي.

إنه مجاز لطيف لما قام به الكاتب نفسه عندما كرس حياته لإعادة الروح لتلك النصوص الدفينة التي ورثناها عن الهمداني والحريري وابن المقفع وأبي العلاء وابن رشد وغيرهم ممن لم يكونوا يحتاجون سوى إلى التفاتة حنونة.

كيليطو.. القراءة العاشقة

سعيد يقطين

أهنئ مرة أخرى عبد الفتاح كيليطو على حصوله على جائزة الملك فيصل التي أراها أيضا تتويجا لمنجزات الدراسات الأدبية المغربية عموما، والسردية خصوصا. يعتبر كيليطو واحدا من أهم الأصوات النقدية المعاصرة في الوطن العربي. مرد ذلك في رأيي إلى عدة عوامل جعلته متفردا، في مضماره، وميزات يختلف بها عمن عداه. الميزة الأولى تتصل بعمله الأكاديمي. لقد جمع بين امتلاك العدة اللغوية المزدوجة، العربية والفرنسية، ورغم انتمائه إلى شعبة اللغة الفرنسية وآدابها، ويكتب بالفرنسية دراسات نقدية، ونصوصا إبداعية، فإنه أبى إلا أن ينخرط في الكتابة عن الأدب العربي، وباللغة العربية، وهو في هذا من القلائل على المستوى العربي الذين يكتبون خارج التخصص الذي ينتمون إليه أكاديميا. ولو أن من ينتمون إلى شعب اللغات الحية ساروا على منواله لحققوا بذلك تفاعلا إيجابيا مع الثقافة العربية. أما الميزة الثانية فتتصل بشخصيته التي لا تحبذ الضجيج. فهو قليل الاختلاط بغيره من الجماعات والجمعيات، ولا ينخرط في ما لا يراه هدرا للوقت. وما صمته الدائم سوى تحقيق لتلك الشخصية. من يتكلم كثيرا لا يكتب شيئا. لذلك كان الصمت مدخلا للكتابة المتميزة التي تنصت إلى بواطن صاحبها. وهذه هي الميزة الثالثة.

إن كيليطو وعلى مدى أربعة عقود ظل يواصل الإنتاج في مجال السرد العربي القديم الذي استهواه وتفرغ له بكيفية لا نجدها عند غيره من المهتمين بالدراسة الأدبية العربية. ولعل للميزة الثانية دخلا في هذا الاختيار. لقد ابتعد عن القصة والرواية وما يجري مجراهما مما يتصل بالكلام السائد. وعندما أقول استهواه أقصد بذلك أنه خلق لنفسه مساحة محددة للإنصات لأصوات لفها النسيان. فكان تفاعله مع منجزات السرد العربي القديم في تنوعه وتعدد روافده وخصوصيته مجالا للتأمل والاستكشاف. لقد ابتدأ بالمقامات النوع السردي الذي ابتكره بديع الزمان الهمذاني، وخلق له بذلك أتباعا يتفننون ويبدعون في نطاقه إلى القرن التاسع عشر. كما أغوته الليالي بسحر لياليها التي لو كتبت قصصها بالإبر على مآقي البصر، لكانت عبرة لمن اعتبر. وإلى جانب المقامة والحكاية العجيبة، أتصور أنه كان يفكر في الكتابة عن نوع آخر لا يقل أهمية عن النوعين السابقين، وهو السيرة الشعبية العربية التي أراها أغنى وأرقى أنواع السرد العربي. بدا لي ذلك مرة من خلاله سؤالي عن سيرة سيف بن ذي يزن، وهل هي في نسخة واحدة هي المتداولة، أم في عدة نسخ؟ إلى جانب تركيزه على بعض أنواع السرد العربي الممتع والجذاب، استهوته بعض الشخصيات القلقة والمقلقة، فاختار منها المعري، وابن رشد ونيتشه لتكون مدخلا للتأمل والتأويل في ما يعتور الإنسان وهو يحيا بين الناس، أو وهو يعاني قضايا الوجود أو الأسئلة الكبرى. وهناك شخصية أخرى لا تقل أهمية عن تلك الشخصيات، وهي اللغة. إنها شخصية متعالية لأنها تتلبس كل الشخصيات أيا كان نوعها. وكان من مطامح كيليطو مراودتها عن نفسها، في تعابيرها وتراكيبها، عله يستكشف منها بعض ما يلف الإنسان، وهو يحكي، أو يفكر أو يتساءل. فكانت جزءا من الغواية التي فرضتها عليه، فجعلته ينبش في أسرارها، ساعيا إلى الإمساك ببعض تلابيبها، فإذا هي بينة في مختلف كتاباته التي يبرز جزء من خصوصيتها في إعطائها مسحة خاصة تليق بها. فكانت قراءاته العاشقة للنصوص التي اشتغل بها، وتساؤلاته التأويلية انطلاقا من مفردة أو قولة، جزءا من تلك المغامرة التي تطرح السؤال وتظل تقلبه بحثا عن مآل أخير يظل بدوره مفتوحا، وبلا نهاية.

كيليطو الذي انتظرناه طويلًا

 

 نادر كاظم

 

البحرين

 

هل يمكن لناقد واحد أن يغيّر فهمنا وموقفنا من تراث سردي برمته بضربة واحدة؟ أنا أزعم أن عبد الفتاح كيليطو تمكّن ومنفردًا تقريبًا من تغيير موقف القارئ العربي، العام قبل النخبوي والأكاديمي (وهذا الأخير بالمناسبة يشعر بكثير من القلق تجاه طريقة كيليطو في الكتابة كما سأوضح بعد قليل)، تجاه السرد العربي القديم. أتذكّر وأنا أشتغل على رسالة الماجسيتر التي كانت عن قراءة مقامات الهمذاني عبر التاريخ منذ القرن الرابع حتى أواخر القرن العشرين، أني توصّلت إلى أن الموقف من المقامات ظلّ يتقلّب بين التبجيل القديم والتأصيل والاستبعاد حتى ظهر عمل كيليطو عن «المقامات»، فتغيّر كل شيء، فصرنا جميعًا لا نقرأ المقامات إلا عبر عين كيليطو وإبرته وخيوط نسيجه البديع. لا يمكن لأحد أن يتخيّل عظمة ما حقّقه كيليطو تجاه المقامات وبقية نصوص السرد العربي القديم، دون أن يعرف حجم الموقف السلبي تجاه المقامات وألف ليلة  وليلة وغيرهما سواء كنصوص عتيقة مسجوعة وذات وظيفة تعليمية بالدرجة الأولى، أو كنصوص شعبية بذيئة وعديمة القيمة.

نشر كيليطو، في العام 1976، مقالاً باللغة الفرنسية عن «نوع المقامات» الأدبي، وحاول في هذا المقال أن يقدّم تصنيفاً نوعياً للمقامات بوصفها هذه المرة مقامات، ومقامات فقط، لا قصة ولا مسرحية ولا أي شيء آخر مما اعتدنا قراءته في إسهامات النقد التأصيلي منذ خمسينيات القرن العشرين وما قبله وما بعده. فبدل البحث عما اشتملت عليه المقامات من مقومات قصصية أو مسرحية، كان كيليطو، على النقيض من نقاد هذه الفترة في العالم العربي، يبحث عن البنية السردية الوظائفية الخاصة التي تميّز المقامات بوصفها نوعاً أدبياً سردياً فريداً في الأدب العربي القديم. وبالفعل كان يتساءل، في العام 1983 وفي أطروحته المتميزة للدكتوراه، عما إذا كان من الممكن «الحديث عن المقامة باعتبارها نوعاً ذا سمات ثابتة»؟ أو شكلاً أدبياً يتضمن داخله أنواعاً مختلفة؟

فتح كيليطو باب البحث في البنية السردية للمقامات، غير أنه كان أكبر مِن أن يقع فريسة أمام المنهج. وبدا واضحًا أن كيليطو كان، ومنذ عمله الأول والأهم عن «المقامات»، قارئًا شغوفًا يقرأ نصوصه بحب غامر، وأنه غير معنيّ كثيرًا بهوس النقاد العرب اللاحقين بعبادة المنهج والنظرية. كانت متعة القراءة والاكتشاف والتجوال الحرّ (وحتى على غير هدى) داخل النصوص التراثية تأتي قبل تطبيق هذا المنهج أو ذاك. هل كان كيليطو بنيويًا في بدايته؟ نعم ولا! ففي الوقت الذي فتح فيه كيليطو أمام النقاد العرب باب البحث في بنية المقامات السردية ذات الوظائف المنتظمة على طريقة موروفولوجيا بروب الشهيرة، فإنه كان حذراً وهو يقارب تلك البنية التي تغري أي ناقد بنيوي، وكان بإمكانه أن يقارن بين الاثنتين والخمسين مقامة من مقامات الهمذاني، وينطلق من ذلك ليكشف لنا هذه البنية المنتظمة المشتركة بينها، غير أنه صوّب قراءته نحو جهة أخرى، حيث اختار مقاربة غير مباشرة، وراح يحلّل نصوصاً قريبة من المقامات، ومن خلال ذلك يستطيع أن يحيط بسمات هذه المقامات المشتركة. يمثّل انتظام بنية نص من النصوص إغراء يسيل له لعاب معظم النقاد «المنهجيين»، بيد أن الانسياق وراء هذا الإغراء لا ينمّ إلا عن نوع من الخفة إن لم يكن نوعًا من الكسل القرائي. ظل غالبية النقاد الذين جاؤوا بعد كيليطو مأخوذين بانتظام هذا الشكل السردي في المقامات أو في ألف ليلة وليلة أو في كليلة ودمنة …إلخ، ويبدو أن هذه النصوص التراثية مثّلت لهم حالة جيّدة لاختبار مصداقية المناهج المطبّقة وصحتها، حيث بدا «بناء النص التراثي» مغريًا لأنه كان، كما تكتب ناقدة بنيوية، ملائمًا للمنهج وللبنيوية التي بدت «من بين المدارس الأدبية النقدية، إنها المدرسة التي تتفق بشكل أكثر ملاءمة مع دراسة الأدب العربي الكلاسيكي»!

كان كيليطو يغرّد خارج السرب، متحرّرًا من عبادة المناهج والنظريات، الأمر الذي جعله قريبًا من القارئ العربي العام الذي صار ينتظر كتب كيليطو بشغف منقطع النظير بين مؤلفات النقاد العرب التي بقيت حبيسة قاعات الدرس الأكاديمي والأطاريح البحثية لا لقيمتها بل لكونها عدة شغل سهلة لطلبة الجامعات وأساتذتهم. وبقدر ما  كان كيليطو يخرج من سجن النقد الأكاديمي الذي قلت عنه في مناسبة سابقة بأنه وصل إلى طريق مسدود ولم يعد يقول شيئًا ذا قيمة فعلًا، فإنه كان يقترب حثيثًا من ذائقة القارئ العربي العام، وتمكّن منفردًا تقريبًا من تقديم السرد العربي القديم أمام القارئ العربي الحديث كنصوص فريدة وجميلة ولديها الكثير مما تقوله له اليوم.

مثّل كيليطو ظاهرة فريدة ومغايرة في عالم النقد العربي الحديث، فهو الناقد الوحيد تقريبًا الذي يقرأ نقده القارئ العربي العام بمتعة وشغف. وفي المقابل، مثّل كيليطو ظاهرة قلقة، حتى لا أقول شاذة، أمام النقد الأكاديمي العربي. فكيليطو يكتب بأسلوب متحرّر من المصطلحات التخصصية والأشكال والمربعات والمثلثات والأسهم التي تمتلئ بها كتب النقد اليوم، وبجمل قصيرة هي أقرب ما تكون إلى لغة الأدب منها إلى لغة النقد المسهبة، كما أن كيليطو لا يستعرض منهجه وعدة شغله النظرية كسلاح في وجه قرائه كما لو أنه يريد أن يخضع خصمًا أو يجهز عليه. كل هذا حمل كثيرين من بين أكاديميي النقد العربي على القول بأن أعمال كيليطو تخلو من المنهج! وكأن المنهج صار الآن غاية بحدّ ذاته، أو صنمًا على الناقد تقديم القرابين وفروض الطاعة أمامه كل حين.

إن كتابة كيليطو الفريدة والسهلة والممتنعة والممتعة التي قرّبته من ذائقة القارئ العربي العام، هي ذاتها التي باعدت بينه وبين النقد الأكاديمي العربي الذي صار منذ ثمانينيات القرن العشرين رهين محبسه، وعاكفًا في تضرّع على عبادة المناهج والنظريات بعمى تحرّر منه كيليطو كما تحرّر منه النقد في مظانه حول العالم. ألا تكشف هذه الحالة عن شيء؟ ألا تقول لنا إلى أيّ حد يعاني النقد العربي الأكاديمي اليوم من الغربة والاغتراب عن قرّائه وعن عالمه؟ ألا يمثّل كيليطو، الناقد الساحر الذي انتظرناه طويلًا، حلًا أمام هذا النقد للخروج من مأزقه؟

ناقد من أزمنة أدبية متعددة

   محمد الحيرش

 

قد تكون صفة ناقد بمحدداتها المتداولة في سياقنا العربي غير مناسبة بما يكفي لتشخيص مجمل المشاغل الفكرية والأدبية التي اهتم بها الأستاذ كيليطو في كتاباته المتعددة. ربما يعود ذلك إلى أسباب مختلفة منها أن المعنى، الذي اختُزل إليه النقدُ في عدد من الممارسات القرائية الوضعانية، كان قد غدا مرادفا لضرب من الصرامة التقنية التي لم ينجذب كيليطو نحوها في أيٍّ من أبحاثه وكتاباته، ولا وقع البتة تحت إغرائها حتى وهي في أوج تمددها ونفوذها.

حقا يعترف صاحب «في جو من الندم الفكري» بأنه كان له اهتمام عابر بالمناهج اللسانية في نهاية الستينيات وأوائل السبعينيات، لأن الاعتقاد الذي كان شائعا حينئذ هو أن «من لا يتقن اللسانيات لن يفلح أبدا في مساره الأدبي». لكنه سرعان ما عدل عن هذا الاهتمام بعدما تبين له أن الطريق إلى الأدب من منطلق التنظير اللساني لا يناسبه وإن تسنت له مع ذلك الإفادة منه، وأن ثمة طرقا أخرى يمكن انتهاجُها لدراسة الأدب واستكشاف عوالمه.

يشير كيليطو في هذا الخصوص إلى أن اهتمامه بالأدب العربي تولد عنده في مرحلة مبكرة من حياته الجامعية التي أنجز فيها أبحاثَه الأولى عن الأدب الفرنسي. شعر مبكرا، وهو المزدوج اللسان، أنه لن يضيف شيئا مهما إلى هذا الأدب؛ لأن «الأدب العربي يحتاجه بقدر ما هو نفسه محتاج إلى هذا الأدب». ظل هذا الشعور يسكنه إلى أن تحول مع مرور الوقت إلى ما يشبه «أسطورته الشخصية» التي لم ينفك يرددها ويحدِّث بها نفسه. إلا أن كل هذا لم يدفعه نحو الابتعاد عن تكوينه السابق أو الإعراض عنه، بل شكل له أرضية قبلية من «الاستعدادِ للكتابة مستقبلا باللغة العربية»، والتعمق في آدابها.

وبهذا لم يلتمس كيليطو، وهو يفكر في نصوص الأدب العربي بخاصة ونصوص الثقافة العربية الكلاسيكية بعامة، مسلكا آخر غير مسلك تأويل هذه النصوص والسعي إلى فهمها لا في مرآة ذاتها وسياقاتها النوعية فحسب، بل أيضا في مرآة غيرها من النصوص والسياقات داخل الثقافة العربية نفسها، وداخل ثقافات أخرى قديمة أو حديثة. هناك دائما نص بجوار نص وكاتب إلى جانب كاتب، ومعرفة في مواجهة معرفة، حيث تغدو المقارنة أسلوبا في القراءة ومنوالا في الكشف والفهم. ولهذا اقتنع صاحب «الحكاية والتأويل» منذ البداية بأن الجري وراء «التخصص» الذي يقيم الحدود بين الأنواع لا يمكنه أن يفضي بدراسة السرد، على سبيل المثال، إلى الارتقاء والتطور. إذ هناك دائما وشائج وخيوط كثيرة تشد الأنواعَ بعضها إلى بعض، بحيث «لا يجوز لمن يدرس «ألف ليلة وليلة»، مثلا، أن يتجاهل تاريخ الطبري ورحلة ابن بطوطة وكتب التراجم».

على هذا الأساس لم يبحث كيليطو في هذه العلائق من الجوار والتفاعل بين النصوص عن تلكم الأنماط من المشابهات التي تقحمها قسرا في دائرة الوحدة والتطابق، كما لم يُعن فيها بما يمثِّل لها أصلا خالصا أو بداية من البدايات. إنه يتموقع بالأحرى بينها باعتبارها أطرافا تتحاور، فيدَعُ بعضَها يتحاور مع بعض دون قيود ولا إملاءات. بل إنه يستفزنا أكثر حين نُلْفيهِ وقد تنحى جانبا ومال إلى الصمت حتى يفسحَ أمام جميع الأطراف إمكانَ الإعراب من داخل سياقاتها وأزمنتها الخاصة عن اختلافاتها وفرادة أصواتها.

يعرف كيليطو، وهو «المُتمرِّس بالصمت» كما نعته ناقد عربي بارز، أن «الضجيج» يحجب الأصوات المنبعثة من الحوار، ويؤدي إلى تشوُّشها والتباس بعضها ببعض. لهذا فهو لا يتكلم عوض الآخرين أو ينصب نفسه ناطقا باسمهم، فمن «مجالس» الحوار التي عقدها بين قدمائنا، بين الجاحظ والجرجاني والمعري وابن رشد وغيرهم، وبين أدباء وكتاب من أزمنة وثقافات مختلفة لا تتناهى إلى أسماعنا إلا أصواتُ المتحاورين وقد أنار بعضُها بعضا بنحو بالغ من الجلاء والتميز.

كم كان كيليطو منذ أعماله الأولى مدركا أن علاقتنا بالقدماء يطبعها التوتر ويطغى عليها الضجيج الذي لطالما حال بيننا وبين الإصغاء العميق إليهم، إذ لم نتحلَّ إزاءهم بما يلزم من الود والتسامح ولا بما يكفي من التفهُّم حتى نعرفَ من منا يقرأ الآخر، هل نحن من نقرأهم أم هم من يقرأوننا؟ سعينا دائما إلى جرِّهم نحو «تطابق» ما، ولم نرض أن نتعلم منهم كم كانوا مختلفين عنا. هذا الدرس النقدي العميق هو الذي ما فتئ الأستاذ كيليطو إلى اليوم يستحثنا برفق وأناة على استيعابه والبناء عليه.

عبد الفتاح كيليطو.. القارئ المتمكّن

  د.محمد عبيد الله

لم ألتقِ بعبد الفتاح كيليطو إلا من خلال كتاباته ومؤلّفاته، ومع ذلك فلا يخامرني الشك في أنني واحد من تلاميذه وقرّائه المتحمّسين، ذلك أنني أحببت كتبه التي تميل إلى الإيجاز والكثافة، كأنه يخشى أن يُفزع القارئ بكتب ضخمة الحجم كثيرة الصفحات. كما أحببت طريقته في التفكير والتعبير، فلقد وقع في نفسي مبكّرا أنها طريقة تنتمي للحرّية المسؤولة التي تأسست على خلفية منهجية ونظرية حداثية وما بعد حداثية، ولكنّها استبطنتها واستوعبتها وأعادت إبداعها، ومعنى ذلك أن النظرية لا تبرز في الطبقة الأولى من نصوصه، وإنما تكاد تختفي أو تذوب في كتابات كيليطو وشخصيته، وتبقى خلفية بعيدة عميقة، يهتدي إليها القارئ إذا أطال الصحبة مع تلك الكتابات الفريدة.

كنا نفتقد هذه الطريقة الإبداعية في قراءة النثر القديم، وتحليل المنجز السردي عند العرب، وفي اكتشاف جوانب جديدة تتعلق بشخصيات نعرفها من زوايا أُخر، مثل: ابن المقفع، والجاحظ، والتوحيدي، وابن رشد، والمعري، ومبدعي المقامات كالهمذاني والحريري… كانت الدروس الجامعية المضجرة تدفعنا إلى أن نمضي في مسالك محددة ندعوها بالمناهج والنظريات والمذاهب، ونتدرّب على أن نبدأ بها في صورة إطار نظري يحكم نظرتنا وكتابتنا، أما هو فقد كان حرّا؛ يحلّق ويكتب بالطريقة التي يراها ملائمة لتفكيره وللمادة التي يطالعها ويهتدي إليها أيضا بحرية نغبطه عليها، ويشتق طريقته من ثقافته وتكوينه وملكته التعبيرية، ولا يلزم مذهبا مسمّى بعينه. ومؤخرا أعدت قراءة إنتاجه، بما في ذلك كتبه الأدبية أو الإبداعية التي تقرب أن تكون سيرا وروايات مشتقة من طرائق السرد القديم وتقنياته، فتراءى لي أننا لو طلبنا مثالا على القارئ النموذجي أو المثالي لأمكننا أن ندعوه بيسر ووضوح «عبد الفتاح كيليطو»، فهو قارئ متمكّن من طراز فريد، في مكره المحبّب، وفي ارتيابه وحذره وترقّبه، حتى يعثر على ما يلائم قراءته في تفصيل منسي أو هامش منسي لم تنتبه له القراءات الأخرى.

نتعلم من كتابات كيليطو أن القراءة عملية ممتعة مستمرة، وأن الحقيقة التي نطلبها هي حقيقة نسبية، وحسب الباحث والناقد أن ينير نصّا أو يكشف حجابا أو عتمة، أما المعرفة المطلقة الواثقة فليست من منهجه في شيء، لا يتعالم ولا يخرج عن تواضعه المهيب، مكللا بالمودة ومحبة العربية وأدبها، بطريقة مخصوصة في التعبير عن تلك المحبة.

تشف قراءته الممتعة العميقة عن خلفيته النظرية وعن استيعابه الواسع لنظريات القراءة والسيمياء والتفكيك والنقد الثقافي، كخلفية بعيدة لما يقدمه من قراءات فيها قدر واسع من الاجتهاد والمتعة والتحليق، إنه قارئ متمرس يميل إلى بلاغة التأويل وإلى اكتشاف روابط خفية بطريقة خاصة.

عندما كتب كيليطو عن إدوارد سعيد، على سبيل المثال، استوقفه تفصيل سردي في سيرة سعيد (خارج المكان) يتمثل في عادته أن يحمل جميع حقائبه الثقيلة وأغراضه الشخصية، حتى لو كان في سفر قصير، فجعل كيليطو قراءته تحت عنوان (صورة المثقّف كحمّال)، تلك الصورة البليغة التي يلتقي فيها سعيد مع السندباد المترحل أبدا، ومع سيزيف المعذّب بأثقاله؛ إنها صورة سيميائية دالة يكتمل معناها عندما يتبين أن سعيد يرزح تحت أثقال المنفى والترحال، وما حمله للحقائب الثقيلة إلا استجابة لذلك المؤثر الخفيّ.

يستحقّ عبد الفتاح كيليطو جائزة الملك فيصل التي نالها مؤخرا، تقديرا لمكانته ولجهوده في قراءة السرد العربي القديم، ونقرأ في هذه الجائزة العريقة تقديرا لإبداع الرجل، وللقراءات الفارقة المختلفة التي دأب على كتابتها، بل يمكن أن نعد معنى الجائزة متجاوزا لكيليطو، ليشمل معه عموم قرائه ومن أحبّوا طريقته، ذلك أنها ليست الطريقة التي أشاعتها ورعتها جامعاتنا العربية الغارقة في اعتياد المدرسية، والمقررات المكررة.

  • ناقد وأديب، أستاذ الأدب والنقد بجامعة فيلادلفيا، الأردن

 

كيليطو.. الاغتراب الضروري لعودة الشمس

 

   كمال الرياحي- جامعة تورنتو – كندا

منذ قرون لم يظهر بالمشهد الأدبي ناقد أدبي راكم مدونة ومشروعا نقديا يعنى باللغة والآداب العربية كما عبد الفتاح كيليطو، الناقد الذي أعاد النقد إلى المتعة المعرفية وخلصه من الشكلانية التي أسقطه فيها بعض الجامعيين من نسّاخ النظريات الغربية وإسقاطها على المدونة العربية.

كان يمكن للتونسي توفيق بكار أن يكون على ذات الخط بنقده الإبداعي الذي أسسه بتونس إلا أنه كان شحيح الإنتاج منشغلا بإدارة سلسلة للإبداع ورابطا إنتاجه بمقدمات يكتبها لتلك النصوص ضمن ما يعرف بسلسلة «عيون المعاصرة». بينما كان إدوارد سعيد مثقلا في كثير من أعماله بالإيديولوجيا التي جعلته يبتعد تدريجيا عن إنتاج نظرية متكاملة.

انشغل عبد الفتاح كيليطو منذ بداياته بالسرد العربي القديم وقدمه في قراءات معاصرة وحداثية ورؤية نقدية خلاّقة عبرت به خطابات العنعنة إلى التفكير والتأمّل.

لعبد الفتاح كيليطو قدرة على تكثيف المعاني وإنتاجها انطلاقا من تراثنا السردي والشعري لا شك في ذلك، لكن قدرته الأهم بالنسبة إلي هي قدرته على فلسفة تلك الأفكار وتحويلها إلى رؤية للعالم وللإنسان ومنهج للحياة. ولعل واحدة من أهم نظرياته في التجدد والحياة ما تعلق باستعارة الشمس في كتابيه «الأدب والارتياب» و«الأدب والغرابة». فيقول في «الأدب والغرابة»: «إذا أراد المرء أن يتجدد فما عليه إلا أن يغرب، أن يبدل مقامه، أن يغرب، كما تغرب الشمس. على أن غروب الشمس ليس ضياعها وانعدامها: إنها تشرق على قوم آخرين يسرون بمقدمها عليهم، ثم تعود من جديد إلى القوم الذين غربت عنهم. المغترب يتجدد بانتقاله إلى مكان غير مألوف لأنه في هذه الحالة يستعير ثوبا جديدا يجعله يبدو في منظر غير معهود. فالثوب يبلى من كثرة لبوسه وما على المرء إلا أن يبادر إلى تبديله بثوب آخر…»

هذه الرؤية نفسها تنهض عند كيليطو نظرية سماها بمجاز الشمس. وهي يسحبها عن النصوص أيضا فالنصوص عبر رحلة للترجمة والاغتراب في لغات تكسب وهجا جديدا حين تعود إلى لغتها الأم فلا شيء يجعلنا نستغني عن النص الأم أو النص الأصلي. فنحن كما يقول «نحب الشمس لأنها حاضرة غائبة، مقيمة راحلة، مشرقة غاربة، أليفة غريبة، طول المكوث في مكان معلوم يخلق الألفة ولكنه يورث الملل. فلهذا يبلى الشيء إذا طال وقع البصر عليه وتمجه النفوس ولا يصبر عليه أحد».

لذلك تجد هذا التشبيه يتكرر في كتب كيليطو في تناوله لحقول معرفية مختلفة

رافعا فكرة الاغتراب كضرورة للتجدد، يقول في «الأدب والاغتراب»: «يتجدد النص باغترابه. فهو يخلق ويبلى في اللغة التي كتب بها، وقد تمجه القلوب وتنفر منه، فيتوق حينئذ إلى الانتقال إلى لغة أخرى، إلى تبديل ديباجته والظهور في هيئة طريفة باهرة. لكن من سيلمح هذا التجديد أهم الغرباء الذين يحل بين ظهرانيهم؟ قطعا لا، لأنهم لا يعرفون الوجه القديم وليس بوسعهم مقارنته بالوجه الحديث. …. يبتعد النص المترجم مؤقتا عن أهله وذويه، ثم يعود إليهم. بل إنهم، في الحالات القصوى، يكتشفونه لأول مرة، يدركون أنه كان فيما مضى مقيما في الحي وأنهم لم يتفطنوا إلى وجوده، وبالتالي أهملوه ولم يولوه ما يستحق من عناية». ويعطي كيليطو مثالا بألف ليلة وليلة ويقول «لو لم يترجم كتاب ألف ليلة وليلة، لما اهتم به العرب، فالترجمة هي التي أعلت شأنه ورفعت قدره… لقد تغيرت ديباجته باغترابه، بانتقاله إلى الغرب؟ هناك وجد قراءه الحقيقيين، قراء في مستواه، ولعل أحسنهم مارسيل بروست الذي ألف البحث عن الزمن الضائع على منواله».

هكذا هو الفكر النقدي عند كيليطو شأن شامل ورؤية شاملة تنطلق من تحليل النص لتشمل الكون والموجودات باعتبارها أوجها أخرى مجسدة للخطاب وما الإنسان غير وجود وخطاب ورؤية.

لا يشرح كيليطو النصوص بل يؤولها ويدفع بها نحو وجود جديد، إنه ينزع عنها ما شابها من شروحها ليفك الخيوط التي خيط بها النقاد السابقون شفاهها ويطلق سراح ألسنتها لتقول وجودا جديدا. إنه يدفعها إلى مغامرة اغتراب جديد عن مكتسباتها المتراكمة من الفهم لكي يكشف عن أبعاد أخرى لها. إن الاغتراب الذي تعيشه الذوات والنصوص يصبح اغترابا مؤسسا عندما يكون اغترابا بقصد العودة كما تعود الشمس وليس تذريا في الكون، إن النصوص العميقة التي يتحدث عنها كيليطو هي النصوص التي تحافظ على وجهها القديم وهي تخوض مغامرة الاغتراب عبر الترجمة والترحال. هكذا هو كيليطو نفسه قذف بنفسه في رحلة دونكيشوتية عبر اللغات المتعددة، الألمانية والفرنسية، الإسبانية والإنجليزية، بحثا عن الوجود الأصيل للنصوص العربية شعرا ونثرا. فالنصوص كما الذوات تكشف عن عبقريتها وقدراتها في فضاءات الآخر، إنها هناك وهي تشرق على الآخرين تأخذ ثقة ونفسا لكي تعود أعمق وأذكى إلى أهلها. إن فضاء الآخر ميدان تمرين قاس للتنقيب عن القدرة والأصيل في الأشياء والذوات. إنها فضاء تعقّل الأفكار والمعاني والقدرات وفضاء رفع الستائر التي تحجب كل ذلك. هكذا يكون إنتاج المعنى عند عبد الفتاح كيليطو قراءة الراهن الإنساني والجماعي والفردي والأدبي والفني بالنصوص القديمة. لقد أكد عبد الفتاح كيليطو عبر مسيرته عبقرية الأدب العربي وعبقرية اللغة العربية وفنّد كل الخطابات التي تتحدث عن قصور اللغة العربية عن إنتاج المعنى بحجج واهية لأنه كان يحارب تلك الخطابات لا من اللغة العربية بل من اللغات التي يكتب بها هؤلاء أنفسهم وخاصة الفرنسية.

إننا مع عبد الفتاح كيليطو نكتشف عبقرية أدبنا العربي لأننا أيضا قذفنا بأنفسنا في مدونة نقدية غريبة وبلغات غريبة هي مدونته التي تعود إلينا مترجمة إلى لغتنا العربية التي أنهكتها خطابات ساذجة سالخة لخطابات الحداثة الغربية أو خطابات مناوئة للحداثة والمعاصرة.

كيليطو ومهارة التفاوض مع ثقافة الآخر

بالعربية والفرنسية

                     

فاتحة الطايب

 

بصدور كتاب «التخلي عن الأدب» في نهاية العام 2022، يكون الناقد المغربي المتميز عبد الفتاح كيليطو، الذي سعى  في هذا المؤلف إلى الخوض في  «التخلي» كموضوع للأدب، قد قضى أربعين  سنة ونيف من عمره منهمكا في تأويل الأعمال الأدبية التي أنتجها أسلافه المتفوقون بلغة كانت تعد لغة المعرفة في عصرها، وذلك من زاويته كحفيد يعيش وضعية مختلفة ويسعى جاهدا نتيجة لذلك إلى ترسيخ ثقافة التفاوض مع الآخر المتفوق بواسطة الابتكار باللغة العربية المتراجعة واللغة الأجنبية المسيطرة. فطيلة هذه السنوات لم ينقطع كيليطو عن الكتابة بالتساوي باللغة العربية واللغة الفرنسية إلى الدرجة التي خصص فيها – مجازا- يدا لكل لغة.

فعن هذا السؤال الذي وجهه إليه الكاتب جيمس غييش:

«-هل للغتين، بالنسبة لك، نفس القوة الانجذابية؟

[أجاب كيليطو :]

-بما أن لي يدين فلدي إحساس بأنني أكتب العربية باليمنى والفرنسية باليسرى . وهو ما نسميه، أظن، الذي يعمل بيساره كمن يعمل بيمينه …».

وفي هذا السياق، ترى الباحثة الفرنسية مارتين ماثيو –جوب أن الناقد المغربي استطاع، بواسطة ثبات هذه الممارسة المزدوجة لديه، أن يفرض فكرة تكافؤ القيمة الرمزية للغتين أكثر مما فعل سواه من المثقفين المغاربة المشهورين، ومنهم من يوظف الفرنسية والعربية معا مع تخصيص المجال (العربية للإبداع والفرنسية للفكر). وسواء كتب كيليطو باليمنى أم باليسرى، يجمع النقاد العرب والغربيون على أن الكتابة عنده « تتميز[…] بالمساءلة الدائمة للهوامش….، إنه يقتحم بأسئلة جريئة مواقع حساسة في الثقافة»، مخاطبا من خلال كتبه بالعربية والفرنسية معا لا القارئ المتخصص، كما هو متوقع، وإنما القارئ بشكل عام، شريطة أن يكون «متسكع الضفتين» ومؤمنا بأن القدامى «لم يقولوا كل شيء» بالرغم من عظمة إنجازاتهم.

 

وإذا كان مما لاشك فيه أن الكتابة باللغتين لمخاطبة هذا النوع الخاص من القراء كتابة تتطلب سجلا ثريا ممتدا في الزمن وعابرا للثقافات، كما تقتضي حوارا عميقا لا يعرف الثبات ذات اليمين وذات اليسار، فإن موقع الثقافة يعد عاملا حاسما في تحديد نقطة انطلاق الحوار ومرتكزاته ووجهاته، يوازيه في القوة منظور المثقف المحاور لعلاقة الماضي بالحاضر والمستقبل من ناحية، ولمواقع القوة بين اللغات والثقافات من ناحية ثانية: فلو تأملنا الأصول الثقافية التي صرح بها كيليطو، في بعض حواراته، سنكتشف أنه ينطلق من الزمن الحديث والمعاصر حيث يدين بالفضل للإنتاجين الأوروبي والأمريكي، ليتوقف في القرون الوسطى مشيدا بكنوز الثقافة العربية الإسلامية التي تمثل أهم مصادره.

مما يفيد بأن سيطرة كتابات أعمدة الثقافة العربية الإسلامية القروسطية، في سجل كيليطو، لا تلغي الوعي بالمسافة الزمنية الفاصلة بينها وبين القارئ الحديث والمعاصر كما أنها لا تحجب فضل ثقافة الآخر، لقد سمحت بخلاف ذلك بتحديد منطلق للمساءلة والتفكيك والفهم بالنسبة للنسقين معا حاضرا وماضيا. وهذا النوع من المساءلة الواعي بأهدافه والذي يعتمد على استراتيجية قرائية تفكيكية، يتم من خلال موقع جديد تم تشييده بواسطة إقلاق «طمأنينة» التواريخ التي شيدته لتأسيس بنيات جديدة للسلطة، ومبادرات معرفية جديدة تفلت من الحس المشترك.

إنه بالفعل موقع الما-بين مثلما استنتجت ذلك  الباحثة ماثيو- جوب وهي تؤكد على الفضاء الثالث، بصفته فضاء تأسيس وإعداد هوية دينامية وأصيلة تتفاوض بطريقة بناءة مع أسطورة الأصل من ناحية، ومع التحديات التي يخلقها الاحتكاك بالغيرية من ناحية ثانية.

 

التاج

 

 عبدالله إبراهيم

العراق

 

أسمع بين وقت ووقت أصواتا خافتة، تخشى الجهر بالحقّ، تدّعي بأن عبد الفتاح كيليطو ليس لديه منهج في دراسة السرد العربي القديم. بالقطع تلك أقوال متعجّلة، وعارضة، ولم تصدر عن دراية بما انكبّ عليه الرجل طوال أربعين سنة من البحث والكتابة.

أقوال يتفوّه بها مَنْ لم يقرأ مؤلفاته المكثّفة والثريّة قراءة تآلف، وتفاعل وحوار، ولم يأخذ القائلون بذلك في حسبانهم أن كيليطو ذاته هو المشروع النقدي الأكثر جذرية في استكشاف السرد العربي القديم، وبخاصة ما كتبه عن “ألف ليلة وليلة” وعن “المقامات العربية”، وعن كثير من الأشكال السردية المتناثرة في تضاعيف المدوّنات القديمة. أشكال لم ينتبه لها أحد قبله، وبقيت في منأى عن الاهتمام والنظر قرونا عديدة.

أمّا أنا فليَ الحقّ في الجهر بأن ما كان عليه وعي القرّاء بالموروث السردي كألف ليلة وليلة والمقامات العربية، هو غير ما أمسى عليه بعد أن كشف كيليطو عن حيثياته، وغاص في تضاعيفه وصقل جواهره، فقد دوّن كتبا شفّافة قلّبت صفحات ذلك الإرث العظيم على شتّى وجوهه، ورفعت من قدره بعد طول إنكار وإهمال، وجاءت تضاهيه في المبنى وتحيط به في المعنى.

لم يكتف كيليطو بالكتابة عن السرد القديم، وقد أتقن ذلك غاية الاتقان، إنما كتب مؤلفات خلّابة ماثلت النصوص التي اختارها في الروعة والدهشة. حتى لكأنّ المكتوبَ والمكتوبَ عنه قد استويا في جمال الأسلوب وثراء الدلالة. كتبٌ تغري بالإرث السردي، وترغّب فيه وتغوي القرّاء به، فالقراءة الطريّة ضرب من ضروب الافتتان وشكل من أشكال الانجذاب.

ومعلوم أنّ علاقة النقاد العرب بالمناهج النقدية الحديثة علاقة ملتبسة، فمنهم، وهم الأغلبية الساحقة المهيمنة، مَنْ استسلم لها، وجعلها تقوده برسنِ ذليلا حيثما شاءتْ، فأرغمته على ما أرادته هي لا ما أراده هو، أو حتى لما اقتضته نصوص الأدب التي اختارها للبحث والدرس، وقلّة قليلة منهم استوعبتها وهضمتها، فتوارت خلف ما كانت تفكّر به وتكتب، ولم تسمح لها بالبروز والطغيان، إنما سيطرت عليها، وانتفعت بها، وذهبت بها إلى حيث أرادت في فتح مغاليق النصوص القديمة والحديثة.

كثير من أولئك النقاد لاذوا بالدائرة المغلقة للمناهج، وحبسوا أنفسهم فيها، وفهموها على غير ما ينبغي أن تفهم به علاقة الناقد بالمنهج، فكان التكرار والاجترار، وفئة قليلة نجت من طوق تلك التبعيّة المقيتة، وأحسب أن عبد الفتاح كيليطو هو المثال الأوضح للحالة الثانية، المثال النادر الذي قاوم تيارا من الزَّبد العكر؛ ذلك الركام المتعفّن الذي لا خير فيه للأدب ولا فائدة فيه للمعرفة النقدية.

هضم كيليطو جملة من المناهج الحديثة بوعي، ودراية ودأب، ثم نفثها ولم يبق إلا على بذورها، وبذلك صاغ له رؤية في النظر إلى الأدب، وابتكر منهجا في تحليله للسرد القديم. وبهما سبك هويته ناقدا بارعا. عبد الفتاح كيليطو هو تاج النقاد العرب في عصره.

الابتسامات المرتابة

عبد السلام بنعبد العالي

«أميل الى تصنيف الفلاسفة حسب جودة ضحكهم، واضعا في أعلى مرتبة أولئك الذين يقدرون على الضحك الذهبي» .

نيتشه

«إن الذين يقرؤون نيتشه من غير أن يتملكهم الضحك، الضحك الشديد، الضحك المتواصل، هؤلاء كما لو أنهم لا يقرؤون نيتشه».

ج.دولوز

 

عندما أكون من بين الحاضرين للاستماع (والاستمتاع ب) إلى محاضرة من محاضرات عبد الفتاح، تثير انتباهي الابتسامات المتلاحقة التي ترتسم على شفاه أغلب الحاضرين من حين لآخر. أعترف بأن هذه الابتسامات لا تفتأ تحيّرني. فأنا لا أستطيع أن أردها إلى سبب بعينه، خصوصا وأن عبد الفتاح، كما أعرفه، لا يتقن فن «الإضحاك». وحتى أثناء محاضراته، غالبا ما يلبس لباس الرصانة والرزانة، دون أن يتلحف بلباس الوقار، الذي غالبا ما يكون هو لباس الوثوقي. فمن أين تتأتى تلك الابتسامات إذن؟

ربما سيكون الجواب أقل عسرا لو أن الأمر كان يتعلق بانبهار العيون، وليس بابتسامة الشفاه. الدهشة حال يمكن تفسيرها في مثل هذا السياق، خصوصا وأن عبد الفتاح، كما هو معروف، يتمتع بمهارة الحكي. وسرده الذي تضبط إيقاعه الاستطرادات والأسئلة والإثارات، يأخذ بخناق المستمع. وقد سبق للأديبة مارينا وارنر أن صنفته كـ «راو من الرواة». الرواة قد يثيرون دهشة من يصغي إليهم، إنهم يدعونهم «معلقين»، متطلعين إلى ما سيقع. وهم يأخذون بالألباب، إلا أنهم قلما يجرّون مستمعيهم إلى رسم الابتسامات على الشفاه.

كان المرحوم أندري ميكيل قد كتب في تمهيده للطبعة الفرنسية من كتاب «العين والإبرة»: «عبد الفتاح كيليطو يلعب بالصور المتعددة التي يمكن أن تتخذها الكلمات، وبانشراح نادر». نحن، إذن، مع صاحب كتاب «المعري» في جو الانشراح واللعب. وهذا أمر سبق هو نفسه أن أكده في أحد حواراته: «صدقني أنه لولا وجه اللعب الذي تتخذه الكتابة، لما كتبت. ما جدوى الكتابة إذا لم نلعب في الوقت ذاته بالكلمات والصور والذاكرة؟» يمكن أن نضيف: ما جدوى القراءات إن لم تكن قراءات مرحة؟ وما جدوى المحاضرات إذا لم تكن مصدر ابتسامات، حتى وإن كانت ابتسامات مترددة متسائلة مرتابة؟

 

 

الكتابة المرتحلة والإقامة بين الحدود

 عبد الرحيم جيران

ما أن تُلّم بكتب كيليطو انطلاقًا من الوضع القرائيّ الذي يُقحمك فيه طواعية حتّى يتلع سؤال مُلحّ: كيف يُمْكن للمرء أن يُقيم في الكتابة مثل مرتحل، يجلب إليها العالم في الوقت الذي تُشيِّد- هي- فيه عالمها الخاصّ؟ ربّما تكمن الإجابة في تعذّر مشابهة «عوليس»؛ ولا يعدو الأمر أن يكُون مماثلًا لاقتصاد الارتحال؛ حيث تتوسّل الكتابة بما ينوب عنها بأقلّ جهد في التعبير عمّا يفوق قدرتها على قول كلّ شيء. تتّصف الكتابة المرتحلة- عند كيليطو- بالتقشّف في الوقت الذي تُعلي فيه من قيمة الاستطراد، وكأنّها تكتفي بالقليل الذي يجاور القليل؛ وينشأ عن هذه المجاورة الإكثار المقلّ، فتبدو الكتابة خلقًا للعالم بوساطة إعادة خلق الأفكار من طريق الحوم حول النصوص؛ وبخاصّة منها المسنَدة إلى الكتّاب الآخرين. يتبدّى هذا الملمح ما أن  تُفتح أوّل صفحة في أحد كتب كيليطو، فلا بدّ من قولة لكاتب آخر تُثير فضولك، لها هيئة قطعة زليج إسباني يُزيَّن بها الجدار متضمِّنة حكمة ما. لا يتّصل الأمر- إذن- باختيار إقامة مرتحِلة داخل مكان لسانيّ أو أدبيّ ما، وإنّما بإجبار وجوديّ يجعل من الإقامة بين الحدود اختبارًا لعتاد قرائيّ بغاية فهم العالم: الحدود بين الألسن والآداب والنصوص. لكنّ هذا الإجبار مفحوص من زاوية إمكان حرّية لا تتحقّق إلّا بعدم الارتهان بنمطيّة لشكل الإقامة.

لا تُصيب الكتابة المعنى- عند كيليطو- بالارتعاش البارثيّ الذي مبعثه كون النصّ المقروء مجرّة من الدلائل، بل تجعله نتاجَ أثر مسافة؛ ويتّسم هذا الأثر بصفة الحركة الناجمة عن إقامة الجسور بين ضفاف النصوص أو تبادل الصدى في ما بينها. ما يُمتع- إذن عند كيليطو- قدرته المتفرِّدة على أن يُقيم الحوار بين الأفكار وهي تصوغ نفسها في هيئة عبارات خاصّة أو مسكوكة، أو إقامة ترابطات بين أشياء متباعدة لم يُفَكَّر من قَبْل في إمكان الربط بينها. صنيع من هذا القبيل ليس ببعيد عن مهارات القيافة؛ لا يكتسي الآخر- بوصفه نصًّا مقروءًا- سوى فضيلة الأثر الذي يُذكٍّر بنظيره أو مخالفه.

هل تنمّ كتابة كيليطو عن شغف طفل باللعب؟ قد يكُون للأمر صلة بهذا، ربّما، بيد أنّه يُمارس اللعب من زاوية أدراك فوات أوانه؛ وأنّ ما يلعب به يتميّز بقدر هامّ من الجدّية. لكن، كيف تُمْكِن ممازحة ما هو جدّيّ أو عظيم القدْر؟ يكمن- هنا- تفرّد الكاتب كيليطو، ووسيلته في هذا السؤال غير المتوقّع حيال ما يبدو بدهيًّا مستقرّ الحال واضح المآل، وكأنّه يكتم- وهو يفعل هذا- ضحكة مفادها أنّه أوقع بالنصّ والقارئ معا؛ إنّها فضيلة القائف مرّة أخرى؛ ما يفعله كيليطو- إذن- متلاعبًا بالجدّيّ لا يعدو كونه حفرًا عن المطمور في النصوص، والذي له صبغة المستبعد الأقرب منّا.

لا يُقارب الكاتب- القارئ كيليطو النصَّ مكتفيًا بشيئيته المستقلّة، بل بوصفه حدثًا ناجمًا عن حركته داخل مجموعة من النصوص، من دون ارتهان وجودها بزمان يُوحِّد حضورها؛ فـ«ألف ليلة وليلة» تتقاطع- عنده- مع منظور الكتابة غير النهائيّة كما تتبدّى في نصوص بورخيس المتأمّلة أو الإبداعيّة. لا تُستعمل النصوص لتكشف عن صلاحيتها في ضوء صلاحية غيرها، بل لتختبر إمكانات التبادل في ما بينها، لا بغاية التفاوض حول شرعيتها، وإنّما بغاية تنمية قدرتها على تبادل السكن في أمكنة الفكر المختلفة، بما يعينه هذا من اكتشافها من زاوية منظورات زائرها الغريب. وليس المقصود- هنا- نزع الغرابة عن هذه الأمكنة، بل نزع الغرابة عن ساكنها: نزع غرابة السكن في اللسان بمقدار معيّن.

لا يُنمّي كيليطو فعل الكتابة مقتفيًا موضوعًا ما طيلة تجربته، أو مسلّحًا بمعرفة منهجيّة معيّنة، بل يبدو وكأنّه دائم البحث عن مرفأ أكثر طمأنينة؛ لأنّ المجازفة بفراغ الذهن من مشروع يُوجِّه مستقبل الكتابة وغيابه مرتهنان بتجنّب محاذير الاكتمال في عالم متشظٍّ تنقصه لحمة الحكاية. هكذا يُعفي كيليطو كتابته وقارئه من الوعد بإنجاز شيء متَّفق عليه من قَبْل، لكنّه لا يترك مكتوبه يعرى ممّا يقتضيه الارتحال من محطّات- موضوعات تُنظِّم حركته. لا تسبق- إذن- الوجهةُ الفكرةَ، وإنّما تبدو مثل لقيا، بيد أنّها ليست لقيا تامّة بفعل المصادفة، بل بفعل انبثاقها من ذاكرة الكتب، وهي لا تتذكَّر نفسها، وإنّما ما يُشابهها، أو يُخالفها.

كلّ كتابة مهما أُريد له أن يكُون واضحًا يجد نفسه أمام تمنّع العالم على الوضوح، ولهذا يستعين كيليطو بأشياء العالم، وصيروراته الصغيرة، ونتف الحياة الشخصيّة، كي تتخلّص الفكرة من عتمة وجهتها صوب القارئ؛ وبهذا يقع ارتحال الكتابة- عنده- بين متاحين: متاح التجربة الشخصيّة المضاعَفة (تجربة الحياة والنصوص)؛ ومتاح المشكلات الفكريّة المتّصلة بالوجود. ظل مَنْ- إذن يقبع خلف الكتابة عند كيليطو: أظل ميشال دو مونطاين أم ظلّ الجاحظ؟ من الإجحاف ترجيح أحدهما، كلّ ما يُمْكِن أن نقرّ بوجاهته أنّ التمهيد للفكرة بحكي نتف من الحياة أو التجربة غالب على الأوّل، بينما الغالب على الثاني مغالبة الملل (وربّما طول النفس) بمحبّة التنقّل مثل المرتحلين من مكان فكريّ إلى آخر من دون مبالاة بتسويغ فعله هذا.    

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى