الرئيسيةبانوراما

النموذج الياباني في التعليم الحضوري للأطفال

إجراءات وقائية صارمة ودروع لحماية الوجه وأقسام خاصة

سهيلة التاور
استطاعت اليابان إعادة فتح المدارس وسط تدابير احترازية مشددة، من تباعد اجتماعي، ودروع واقية للوجه، ونماذج مصممة بعناية للأقسام وملحقات المدارس. واستغلت البلاد التوقيت المناسب لمواجهة كورونا باتخاذ مجموعة من الإجراءات كما أن هناك عوامل أخرى قد أسهمت بشكل كبير في السيطرة على الجائحة.

أعادت اليابان فتح العديد من المدارس في جميع أنحاء البلاد في الفاتح من يونيو الماضي
بعد قرار إغلاق المدارس الذي قوبل بالقلق والرفض، وبعد عطلة صيفية قررت السلطات اختصارها للسماح للطلاب بتعويض ما فاتهم من فصول بسبب الإغلاق المبكر للمدراس، وذلك في إطار محاولات الحكومة للسيطرة على جائحة فيروس كورونا المستجد كوفيد-19.
وذكرت وكالة أنباء (كيودو) اليابانية أن هذه العطلة هي أقصر استراحة تقررها السلطات البلدية وكانت تسعة أيام فقط، إذ عادة ما يأخذ الطلاب اليابانيون أكثر من شهر إجازة الصيف، موضحة أن السلطات اليابانية طلبت من المدارس اتخاذ خطوات لتقليل مخاطر الإنهاك الحراري ومنع الإصابة بفيروس كورونا، وذلك على خلفية ارتفاع درجات الحرارة بسرعة خلال الأيام الأخيرة، حيث وصلت درجات الحرارة إلى 35 درجة مئوية أو أكثر في العديد من الأماكن.
وأشارت إلى أن الطلاب بدؤوا بالوصول إلى مدارس ابتدائية وهم يرتدون الكمامات، بعد أن قررت السلطات تقصير عطلتهم الصيفية بمقدار النصف تقريبا، موضحة أن النوافذ في الفصول الدراسية تُركت مفتوحة للتهوية مع الإبقاء على تشغيل التكييف أيضا، حيث تم إخبار التلاميذ بإمكانية خلع الكمامات وتغييرها بدرع وقائي للوجه طالما التزموا بالتباعد الاجتماعي، وذلك لمنع الإرهاق الحراري.
كما طُلب من الطلاب تقديم تقارير الفحص الصحي التي تسرد درجة حرارة الجسم والمعلومات الصحية الأخرى في ساحة المدرسة قبل دخول الفصول الدراسية، حيث تم ترتيب المكاتب بمسافة متر واحد بين كل مكتب للوقاية من الفيروس.

فتح مدارس
اقترحت وزارة التعليم اليابانية في الفاتح من ماي خيار إعادة فتح المدارس لبعض الصفوف فقط للحد من خطر الإصابة بفيروسات كورونا المستجد كوفيد-19، مع إعطاء الأولوية لبعض فصول المرحلة الابتدائية وكذلك الإعدادية.
وقدمت وزارة التعليم هذا المقترح إلى مجالس التعليم المحلية في مختلف المقاطعات.
ويأتي اقتراح وزارة التعليم اليابانية بعد اجتماع بين وزارة التربية وهيئة خبراء حكومية. كما اقترحت الوزارة عقد فصول دراسية في مجموعات أصغر باستغلال العديد من الفصول الدراسية إلى جانب تقديم وجبات الغداء المدرسية المعبأة بدلاً من تقديم الطلاب الطعام بعضهم لبعض وتجنب ممارسة الرياضات الجماعية.
وعلى الرغم أنه من المتوقع تمديد حالة الطوارئ في اليابان بسبب وباء فيروس كورونا لمدة شهر آخر، قال وزير التعليم الياباني كويتشي هاجيودا إنه ليس من الضروري أن تظل جميع المدارس مغلقة، لأن الوضع يختلف من منطقة إلى أخرى.
وكانت اليابان قد أعلنت إغلاق جميع المدارس على مستوى البلاد للمساعدة في السيطرة على تفشي فيروس كورونا المستجد. وصرح رئيس الوزراء الياباني، شينزو آبي، إنه طلب غلق جميع المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية حتى بدء عطلة الربيع أواخر مارس الماضي. كما قال آبي: « الحكومة تضع صحة الأطفال وسلامتهم فوق كل اعتبار، ونطلب من كل المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية في جميع أنحاء البلاد الإغلاق موقتاً اعتبارا من الثاني من مارس وحتى عطلة الربيع، مضيفاً أنه يتم بذل الجهود لمنع انتشار العدوى بين الأطفال في مختلف المناطق».

إجراءات احترازية
قامت بعض المدارس الابتدائية والإعدادية التي كانت مغلقة حتى وقت قريب، باستئناف الفصول الدراسية بعد توزيع «دروع الوجه الطبية» على جميع الأطفال والتلاميذ الملحقين بها.
وقامت المدارس بتوزيع «دروع الوجه الطبية» الشفافة على الطلاب لتفادي العدوى بفيروس كورونا عن طريق الرزاز.
وبلغ إجمالي «دروع الوجه الطبية» التي قامت لجنة التدريس بمدينة ساكويا بتوزيعها على كل من الأطفال، والتلاميذ وأعضاء هيئة التدريس، لتقليل مخاطر العدوى في 6 مدارس ابتدائية وإعدادية بالمدينة بعد استئناف الدراسة من يوم 25 من شهر يونيو الماضي، 5400 درع.
وأصبح من الواجب ارتداء درع الوجه الطبي طوال الوقت بالمدرسة، باستثناء أوقات تناول الطعام وممارسة التمارين الرياضية. ويقوم التلاميذ بتطهير هذه الدروع بالمواد المطهرة عند انتهاء اليوم الدراسي وتركها بالمدرسة. ورغم أن ارتداء درع الوجه يتسبب في الشعور ببعض الحرارة بالنسبة للتلاميذ، إلا أنه يعد حماية جيدة من العدوى بالفيروس. ويحاولون بذل قصارى جهدهم لتفادي الإصابة بعدوى كورونا.
وقال أحد القائمين على المدرسة، حول استخدام دروع الوجه الطبية مع اقتراب فصل الصيف، «سنقوم بمرونة بتطبيق تدابير مواجهة الحرارة للحفاظ على صحة التلاميذ، بشكل يساهم في شعورهم وذويهم بالأمان».
وأصدرت وكالة الرياضة اليابانية إشعارًا لجمعية أعضاء هيئة التدريس بكل المحافظات والمدن حول «عدم الحاجة لارتداء الكمامات الطبية» أثناء حصة التمارين الرياضية بالمدارس.
وجاء في الإشعار أنه لا توجد ضرورة لارتداء الكمامات الطبية، طالما اتخذت التدابير الخاصة بالحفاظ على أكثر من مترين مسافة بين الطلاب وبعضهم البعض.
وتأتي الخطوة بعد توالي حوادث الوفيات بين طلاب المرحلة الإعدادي ممن كانوا يرتدون الكمامة الطبية في الصين في شهر أبريل الماضي، وتفاديًا لمخاطر الإصابة بضربة حر خاصة في الصيف.
كما ارتأت بعض المدارس اعتماد نموذج مبتكر لمقاعد الطلاب. فالمقعد يتكون من حاجز بلاستكي شفاف يحيط بالتلميذ من ثلاث جوانب لتجعله منعزلا عن جاره الذي بجانبه والذي أمامه رغم احترام مسافة الأمان. كما أن مكتب المعلم يتكون من الحاجز البلاستيكي كإجراء احترازي لتفادي انتقال العدوى.

العاملون بالمدارس الدولية
للحفاظ على السير العادي للدراسة، أعلنت حكومة اليابان، استثناء الأجانب العاملين في مجال التدريس بالمدارس الدولية وعائلاتهم من الحظر المفروض على السفر والمفروض بهدف الحد من انتشار فيروس كورونا المستجد كوفيد-19.
وقال وزير الخارجية الياباني توشيميتسو موتيجي -في مؤتمر صحفي، إن دخول معلمي المدارس الدولية إلى البلاد لأول مرة والسماح لهم بالذهاب والعودة يعتبر «ظرفًا استثنائيا» لحماية حقوق الأطفال في تلقي التعليم، وبسبب الصعوبات في إيجاد بدائل في اليابان. وأضاف موتيجي: في ما يتعلق بالمدرسين في المدارس الدولية وعائلاتهم، نقبل دخولهم وكذلك إعادة دخول أولئك الذين لديهم وضع الإقامة.
وتحظر اليابان حاليًا دخول جميع الرعايا الأجانب من 146 دولة ومنطقة من حيث المبدأ.
وأثار رفض عودة الأشخاص الذين يحملون إقامة دائمة انتقادات شديدة، خاصة من جانب المغتربين في اليابان، حيث تمنعهم اليابان فعليًا من السفر إلى الخارج والعودة، وهناك استثناءات أخرى في الحالات الإنسانية مثل عودة الأجانب إلى بلادهم بسبب وفاة أحد أفراد الأسرة.

التوقيت المناسب
تعرضت اليابان في وقت مبكر جدا للأزمة الصحية مع وصول سفينة «دايموند برنسيس» السياحية -التي كانت آنذاك أكبر بؤرة للإصابات خارج الصين منشأ الفيروس- مطلع فبراير الماضي إلى مياهها. وبعدما تعرضت لانتقادات جراء إدارتها أزمة «دايموند برنسيس» ضربت الحكومة بعدها بيد من حديد اعتبارا من فبراير الماضي عبر طلب إغلاق المؤسسات التعليمية في كافة أنحاء البلاد، ورغم ذلك فإن عدد الإصابات في اليابان ارتفع في أواخر مارس الماضي، وأغلقت حدود البلاد أمام عدد متزايد من الأجانب، وأعلنت الحكومة حالة الطوارئ في مطلع أبريل الماضي. لكن هذا النظام أكثر مرونة من التدابير المتخذة في دول أخرى، إذ إنه يسمح للسلطات الإقليمية بدعوة السكان إلى البقاء في منازلهم لأكثر وقت ممكن، ولبعض المتاجر غير الضرورية بالإغلاق مؤقتا، لكن من دون فرض عقوبات على المخالفين.
وأقرت الحكومة أيضا خطة مساعدات هائلة بقيمة 117 ألف مليار ين (أكثر من تريليون يورو) لدعم الشركات والسكان مع تقديم إعانة موحدة بقيمة مئة ألف ين لكل مواطن في البلاد.
ويعتقد البروفيسور كينجي شيبويا أن الدروس المستفادة من اليابان ليست مختلفة تماما عن غيرها، ويقول: «بالنسبة لي، لقد كان درسا في التوقيت». فقد أمر رئيس الوزراء شينزو آبي بحالة طوارئ (غير إجبارية) في 7 أبريل الماضي، طالباً من الناس البقاء في منازلهم «إن أمكن». وأضاف البروفيسور شيبويا قائلا: «إذا تأخرت مثل هذه الاجراءات لكنا واجهنا وضعا مماثلا لنيويورك ولندن، فمعدل الوفيات في اليابان منخفض». ويتابع قائلا: «إن دراسة حديثة أجرتها جامعة كولومبيا تشير إلى أنه لو طبقت نيويورك إجراء الإغلاق قبل أسبوعين، لكانت ستمنع عشرات الآلاف من الوفيات».
وأظهر تقرير حديث صادر عن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة أن الأشخاص الذين يعانون من حالات طبية كامنة مثل أمراض القلب والسمنة والسكري تزيد احتمالات نقلهم للمستشفى 6 مرات إذا أصيبوا بكوفيد-19 كما أنهم أكثر عرضة للوفاة 12 مرة عن غيرهم. ويوجد في اليابان أدنى معدلات لأمراض القلب والشرايين والسمنة في العالم المتقدم. ومع ذلك، يصر العلماء على أن مثل هذه العلامات الحيوية لا تفسر كل شيء.
ويقول البروفيسور فوكودا : «قد يكون لهذه الأنواع من الاختلافات الجسدية بعض التأثير ولكن أعتقد أن المجالات الأخرى أكثر أهمية، لقد تعلمنا من كوفيد أنه لا يوجد تفسير بسيط لأي من الظواهر التي نراها، إنها عوامل كثيرة تساهم في النتيجة النهائية».

مقاومة اليابان لكورونا
استقر عدد حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد في اليابان، عند 36 ألفًا و145 حسب بيانات جمعتها جامعة «جونز هوبكنز» الأمريكية ووكالة بلومبرج للأنباء. وأشارت البيانات إلى أن عدد حالات الإصابة النشطة بلغت 12 ألفا و855 حالة، كما بلغ عدد الوفيات 1201 حالة.
وتعافى 49 ألفا و89 شخصًا من الإصابة بمرض «كوفيد-19»، الذي يسببه فيروس كورونا المستجد بشكل إجمالي. وبذلك يعتقد البروفيسور في جامعة طوكيو تاتسوهيكو كوداما، الذي يدرس كيف يتفاعل المرضى اليابانيون مع الفيروس، أن اليابان ربما تكون قد أصيبت بكوفيد من قبل. ليس كوفيد-19، ولكن شيئا مماثلا ربما خلف وراءه «حصانة تاريخية».
ويشرح ذلك قائلا إنه عندما يدخل الفيروس جسم الإنسان، ينتج الجهاز المناعي أجساما مضادة تهاجم مسبب المرض الغازي، وهناك نوعان من الأجسام المضادة آي جي ام وآي جي جي IGM وIGG، ويمكن أن توضح طريقة استجابتهما ما إذا كان شخص ما قد تعرض للفيروس من قبل، أو لشيء مماثل.
وأضاف قائلا: «في العدوى الفيروسية الأولية (الجديدة) تأتي استجابة IGM أولا ثم تظهر استجابة IGG في وقت لاحق. ولكن في الحالات الثانوية (التعرض السابق) تحتوي الخلايا اللمفاوية بالفعل على ذاكرة، وبالتالي فإن استجابة IGG فقط تزداد بسرعة». وتابع قائلا: «عندما نظرنا إلى الاختبارات شعرنا بالدهشة فقد جاءت استجابة IGG في جميع المرضى بسرعة، وكانت استجابة IGM متأخرة وضعيفة. بدا أنهم تعرضوا من قبل لفيروس مشابه جدا».
ويعتقد أنه من المحتمل أن يكون هناك فيروس شبيه بسارس انتشر في المنطقة من قبل، الأمر الذي قد يفسر انخفاض معدل الوفيات ليس فقط في اليابان ولكن في معظم الصين وكوريا الجنوبية وتايوان وهونغ كونغ وجنوب شرق آسيا.
بينما يقول البروفيسور كينجي شيبويا، مدير الصحة العامة في كينغز كوليدج في لندن ومستشار سابق رفيع المستوى للحكومة: «لست متأكدا من كيفية اقتصار مثل هذا الفيروس على آسيا».
ولا يستبعد البروفيسور شيبويا إمكانية تأثير الاختلافات الإقليمية في المناعة أو القابلية الوراثية لكوفيد 19، لكنه يشك في فكرة «العامل X « لتوضيح فروق الوفيات.
ويعتقد أن الدول التي حققت أداء جيدا في مكافحة كوفيد، فعلت ذلك لنفس السبب وهو النجاح في الحد من انتقال العدوى بشكل كبير.
وكان اليابانيون قد بدؤوا في ارتداء الكمامات منذ أكثر من 100 عام خلال وباء إنفلونزا عام 1919 ولم يتوقفوا أبدا، فإذا كنت تعاني من السعال أو البرد، فمن المتوقع أن ترتدي كمامة لحماية من حولك.
ويقول كيجي فوكودا، اختصاصي الإنفلونزا وعميد كلية الصحة العامة بجامعة هونغ كونغ: «أعتقد أن الكمامة تعمل كحاجز مادي، كما أنها أيضا بمثابة تذكير للجميع بأن يكونوا واعين. ولا يزال يتعين علينا توخي الحذر حول بعضنا البعض».
كما يعود نظام التتبع في اليابان إلى الخمسينيات من القرن الماضي عندما واجهت موجة من مرض السل، فأقامت الحكومة شبكة وطنية من مراكز الصحة العامة لتحديد الإصابات الجديدة وإبلاغ وزارة الصحة عنها.
وفي حالة الاشتباه في انتقال العدوى في المجتمع يتم إرسال فريق متخصص لتتبع العدوى، والاعتماد على تتبع دقيق وعزل للمخالطين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى