الرأي

تحرير مفهوم الجهاد والقتال المسلح

بقلم: خالص جلبي

في رمضان 1424 هـ وباسم الإسلام تم تفجير حي في مدينة الرياض، وقتل وجرح العشرات فانتقل وباء المرض الجزائري إلى مكان آخر. ولكن ما يحدث يجب فهمه من خلال تفكيك مفهوم الجهاد. وهو أمر حساس ومن يتناوله إما في جيب السلطة، أو من يتربص بها ريب المنون.
ومن الضروري في البدء تحرير المفاهيم. والعنف الفردي في الدفاع عن النفس، كما لو هاجم شقي رجلا، فدافع أحدنا عن نفسه، لا يدخل في حديثنا. وورد في (الحديث) بما معناه أن من دافع عن نفسه يعتبر شهيدا، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه شهيد.
وهذا شيء لا يدخل في العمل السياسي. والدولة حينما تأتي لتعتقل شخصا، فيجب أن لا يدافع عن نفسه. والفرق هنا كبير وجوهري في الدفاع عن النفس ضد لص، والدفاع عن النفس بالرشاشات ضد رجال الدولة، فهذا الذي يجب أن يبحث.
وفي هذا المجال توجد «حادثة» و«تعليمات» من السيرة تروي حكاية الفرق بين الدفاع الفردي والسياسي: فأما الحادثة فيذكر عن صحابي أنه تعرض للإهانة من رجل قرشي، فما كان منه إلا أن ضربه (بلحي) بعير فشجه، فكان أول دم يراق في الإسلام. فيرى الشباب كما كتب أحدهم أنها فتوى في ضرب رجل الدولة، إذا جاء لإلقاء القبض على أحد المطلوبين أمنيا.
والفرق بين الأمرين كالفرق بين الأرض والسماء. و«تعليمات» الرسول (ص) كانت واضحة، وكان يردد على مسامع أصحابه: «إننا لم نؤمر بقتال»، امتثالا لقوله تعالى: «ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة». وكان صلى الله عليه وسلم يمر على الصحابة وهم يعذبون، فلا يزيد على القول: «صبرا آل ياسر إن موعدكم الجنة». ولم يأمرهم بحمل السلاح وذبح الناس من أجل الإسلام، بل أمرهم بالصبر على الدعوة وتحمل المحنة ثم الهجرة. ومن الغريب أن هذه الأفكار من الصبر على الأذى ألغيت من ثقافتنا، فيقول أئمة العنف إنهم لا يسمحوا لنا بنشر الإسلام. والخلط هنا أن أفكارهم أصبحت تساوي الإسلام، وهي لا تزيد على خيالاتهم عن الإسلام. وقد تبتعد وتقترب بمقدار حدة الفهم. مثل موضوع اللباس واللحية، والمشكلة ليس بما غطى الجمجمة من قماش أو انساب من الذقن من شعر؛ بل بما دخل الرأس من أفكار وما خرج من الفم من كلمات. ولكن بين المسلمين وهذا الفهم سنة ضوئية.
واستراتيجية «الصبر على الأذى» هي من أجل تكوين جيل جديد من البشر، يحلون مشاكلهم في ما بين بعضهم بعضا بروح ديموقراطية وليس بالعنف والسيف. فمن اعتاد سفك الدماء لم يتحرر منه، وأسنة الرماح قد تحل المشاكل ولكنها ليست مكانا مريحا للجلوس. «ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين»، فهذا الاختلاط يشوش الرؤية على الشباب، فيظنوا أنه يجب قتال الدولة الظالمة، أو ما يخيل إليهم أنها ظالمة. ومتى أعجبت الحكومة الناس؟ أي حكومة؟
والأمر الأشد خلطا وغبشا في الموضوع، هو الغزوات والسرايا التي شنها الرسول (ص) وتقدر بـ 23 غزوة حضرها بنفسه. وما يزيد على ثمانين سرية لم يحضرها صلى الله عليه وسلم بنفسه. فيظن الشباب أن الجهاد هو ضد الدولة، لأن الرسول (ص) استخدم القوة المسلحة. وهذا يشكل نصف الحقيقة، فمتى ومن استعمل القوة، وضد من؟ وهنا السؤال الحرج.
ومن يقوم بدراسة «تشريحية» للسيرة، يرى بشكل واضح أن هناك مرحلتين منفصلتين غير مختلطتين: (الدعوة) ولم يستخدم فيها السلاح. وقيام «الدولة» ومعها استخدم قوة السلاح. وفلسفة الإسلام في العهد المكي، أنه لم يستخدم القوة لأنه كان ينشر الفكر في محيط سياسي تسيطر فيه قوى قبلية. ولم تكن هناك حكومة مركزية مثل روما تتولى مصائر العباد. كذلك كانت المدن مثل يثرب تتمتع بنوع من الاستقلال السياسي، ما يذكر بمدن اليونان القديمة. والرسول (ص) وحد الجزيرة العربية لأول مرة ضمن منظومة سياسية واحدة. وهو يفسر الآيات الواردة في سورة «التوبة» عن عدم قبول الشرك السياسي في الجزيرة، بعد عامهم هذا. والإسلام لم يستخدم وسيلة السيف والانقلاب العسكري للسيطرة على المجتمع، لقناعته أن التغيير هو نفسي قبل كل شيء. وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. ولذا صبر المؤمنون حتى حصل التحول الاجتماعي، وحين نضجت الأمور وانتشر الإسلام في المدينة، هاجر الرسول (ص) إليها. فهذه نقطة حدية يجب استيعابها في بناء الدول والأنظمة السياسية. وبسبب البيئة المستعصية في مكة، فإنه حاول، أي الرسول (ص)، جاهدا أن ينشر دعوته في أي مكان آخر، وهذا هو السبب في عرض نفسه على القبائل، وهو يشبه التجمعات الحزبية هذه الأيام. فعندما تنتشر فكرة بين مجموعات حزبية في مجتمع ما، وتتبنى الفكرة (كتلة حرجة) من الناس، تنتظم في عمل جماعي ينقلب المجتمع، وهو ما فعله الرسول (ص). واختلاط هذه الأفكار هو الذي يغذي الفكر العنفي حاليا، فيرون الأشياء مقلوبة وليس من بدايتها، فيرون صراع الأنظمة مثل معركة بدر وأحد. وقتال الأمريكيين مثل غزوة مؤتة وحملة تبوك، فيضيع هدف الجهاد والمرحلية في تطوره. وما يحدث من عنف في المجتمع من التفجيرات وسواها، يرجع إلى طبيعة الفكر السائد. وكليات الشريعة والمدارس الشرعية تدرس الفكر الفقهي القديم بدون وعي سياسي. وتتعاون «الجامعة» و«الجامع» على إفراز الفكر العنفي في كل مكان ووقت. فماذا يفعل أحدنا أمام الحديث، أنه من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق؟ وهذه الكلمات القليلة كتبتها بالتفصيل في منابر شتى منذ أكثر من ثلاثين سنة، ودعيت لتركيب لقاحات ضد وباء العنف، مثل تهيئة اللقاحات ضد شلل الأطفال وجنون البقر وسعار الكلاب وفيروس كورونا والسارز. وقلت سابقا إن الدول العربية غير محصنة ضد هذه الأوبئة، ولكن لمن ينتبه أحد إلى ما قلت، لأن الشعوب تتعلم بالعذاب، فتزاد جرعة جرعة حتى يرجعوا عن الطريق الغلط. ولو جمعت كتبي ومقالاتي ووزعت في الحج بملايين النسخ، بعشرات اللغات المترجمة، كما يوزع المصحف، لحقنت دماء كثيرة وحافظت الحكومات على هامش تتحرك به نحو الإصلاحات. أو هكذا أزعم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى