
يسرا طارق
بحث الإنسان ومنذ أن عرف بأن بإمكانه إنهاء آلام جسده، أشكالا عديدة للتشافي ومحاربة الأمراض. جرب الأعشاب المفردة، وجرب خلط بعضها ببعض، وجرب الكي، وجرب الحجامة، وحاول التداوي بالتعزيم والطلاسم، واكتشف مبكرا فضائل الصوم، ومنذ أزمنة سحيقة اهتدى لإجراء عمليات جراحية، بعد أن كان يعرف تجبير العظام فقط. تداوى الإنسان بالنار وبالمياه المعدنية الفوارة، وتداوى بالأوهام، وإزاء العجز أمام المرض كان على استعداد لأن يسمع لكل من يقترح عليه شفاء، لهذا فكل العصور عرفت أطباء ودجالين. عرفت من درس وجرب وقضى سنوات في بناء معرفة علمية بالجسد البشري وعلاته وأنسب طرق علاجها، وعرفت أيضا من يستغل جهل وحاجة الناس لبيعهم علاجا وهميا، أو إعطائهم وصفات تضرهم أكثر مما تنفعهم.
استمر صراع العلم والدجل قرونا على المنوال نفسه، غير أن الزخم الذي صار يكتسيه مع وسائل التواصل الاجتماعي يصيب بالذهول. كان الأمر في ما مضى بالمغرب، يتعلق بالأسواق الأسبوعية التي يزدهر فيها الطب الشعبي الذي يعتمد على الأعشاب والرقية والحجامة والكي، ولم يكن كل هذا الطب ضارا، فقد كان، ونظرا لعجز الناس عن التداوي لدى الأطباء، مع ما يتطلبه ذلك من تحاليل وأشعة، يقدم بديلا في متناول اليد لفئات اجتماعية عديدة. لم تحارب الدولة هذا الطب، بل تصالحت معه، وتركت البعض وفي أبواق يسمعها الآلاف يقولون ترهات وأشياء خطيرة على الصحة العامة. لم يكن للدولة خيار في هذا، فأمام العجز عن تمكين كل مناطق المغرب، بما فيها النائية والمعزولة، من مؤسسات صحية لائقة، تقدم عرضا صحيا كافيا لحاجيات المجتمع، وجدت الدولة نفسها مجبرة على التغاضي عن الفوضى الحاصلة في هذا المجال، حتى صار لكل اختصاص من اختصاصات الطب بديل شعبي رخيص جدا. ترى في الأسواق أطباء أسنان، واختصاصيين في الأمراض الجلدية، والروماتيزم، والأعصاب، والأمراض العقلية والنفسية. ترى من يدعي بأنه قادر على معالجة الأمراض المستعصية كالسرطان.
ما صرنا نراه أخيرا هو أن الدجل لم يعد حكرا على الأسواق، بل انتقل إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي صارت تمنح لمرتاديها وفرة مدهشة في النصائح الطبية، يقدمها أطباء وعلماء ومختصون في التغذية، لكن وإلى جانب هؤلاء، ونظرا للإقبال على مشاهدة محتويات الصحة والتغذية والتجميل خصوصا، فقد تهافت على هذا المجال مدعون لا معرفة لهم بالجسد ولا بالطب، محتالون يفكرون في جيوبهم، ويستغلون حاجة الناس، وقابليتهم لاتباع كل من يبشرهم بشفاء غير مكلف. هناك ضحايا بالآلاف لهؤلاء الذين عليهم أن يقولوا شيئا جديدا كل يوم، وبما أنهم لا يملكون جديدا فإنهم يبتدعونه. تسمع من يشكك في أشياء حسمها العلم منذ زمن طويل، تسمع من يجادل في بديهيات وتستغرب كيف أن المدعي الذي لا يملك سوى جشعه، يجد من يؤمن به، ويتبعه، ويعمل بما يقول؟ ما زال هناك طريق طويل للعلم ليفرض سلطته في المجتمعات المتخلفة، وما دام لم يفرض سلطته بعد، فهناك متسع كبير للدجل.





