الدبلوماسية البرلمانية في الميزان
نجاحات وحضور متصاعدان والقضية الوطنية على رأس الأولويات

تشكل الدبلوماسية البرلمانية أحد أبرز التحولات التي عرفها العمل السياسي والمؤسساتي بالمغرب خلال السنوات الأخيرة، باعتبارها امتدادا غير تقليدي للدبلوماسية الرسمية، وأداة موازية تسهم في الدفاع عن المصالح الاستراتيجية للمملكة وتعزيز حضورها داخل الفضاءات الإقليمية والدولية. وقد ازدادت أهمية هذا المسار بشكل واضح خلال الولاية التشريعية الممتدة بين 2021 و2026، حيث أصبح البرلمان المغربي فاعلا متقدما في الترافع حول القضايا الكبرى للبلاد، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية، إلى جانب الانخراط في النقاشات الدولية المرتبطة بالأمن والتنمية والهجرة والتغيرات المناخية.
إنجاز: النعمان اليعلاوي
شهدت الدبلوماسية البرلمانية المغربية خلال الولاية التشريعية الممتدة بين 2021 و2026 تحولا لافتا في طبيعة أدوارها وحجم حضورها داخل المحافل الدولية والإقليمية، بعدما أصبحت إحدى الأدوات الأساسية التي تعتمد عليها المملكة في الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية وتعزيز حضورها الخارجي، خصوصا داخل القارة الإفريقية والفضاءات البرلمانية متعددة الأطراف.
ولم تعد الدبلوماسية البرلمانية مجرد نشاط بروتوكولي يقتصر على تبادل الزيارات واللقاءات، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى امتداد فعلي للدبلوماسية الرسمية، خاصة في ما يتعلق بالترافع حول قضية الصحراء المغربية، وتوسيع شبكة العلاقات السياسية والاقتصادية للمملكة، فضلا عن تعزيز صورة المغرب كشريك للاستقرار والتنمية في محيطه الإقليمي والدولي.
رهان على القوة الناعمة
تعتمد الدبلوماسية البرلمانية المغربية على شبكة تنظيمية تضم 18 شعبة وطنية دائمة تمثل البرلمان المغربي داخل مختلف المنظمات والاتحادات البرلمانية الدولية والإقليمية، وهو ما يعكس حجم الرهان الذي يضعه المغرب على العمل البرلماني الخارجي.
وتغطي هذه الشعب فضاءات متنوعة تشمل الاتحاد البرلماني الدولي، والبرلمان الإفريقي، والجمعية البرلمانية للاتحاد من أجل المتوسط، واتحاد مجالس الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، إضافة إلى برلمان أمريكا اللاتينية وعدد من الشبكات البرلمانية الإقليمية الأخرى.
ويهدف هذا الانتشار المؤسساتي إلى ضمان حضور دائم للمغرب داخل المنتديات التي تناقش القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية الكبرى، بما يسمح بتوسيع دائرة التأثير المغربي داخل دوائر القرار البرلماني الدولي.
ويرى متابعون أن هذا الحضور يعكس إدراكا متزايدا لأهمية القوة الناعمة في العلاقات الدولية، حيث أصبحت البرلمانات تلعب أدوارا متقدمة في بناء الشراكات الدولية والتأثير في السياسات العابرة للحدود.
قضية الصحراء في قلب التحركات
شكلت قضية الصحراء المغربية المحور الأساسي لتحركات البرلمان المغربي خلال هذه الولاية، إذ ركزت الوفود البرلمانية المغربية داخل المحافل الدولية على الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة والترافع بشأن مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الواقعي والعملي للنزاع.
وخلال السنوات الأخيرة، كثف البرلمان المغربي حضوره داخل الهيئات البرلمانية الإفريقية والأوروبية والأمريكية اللاتينية لمواجهة التحركات المناوئة للمغرب، خاصة داخل بعض الفضاءات التي حاولت فيها جبهة البوليساريو أو داعموها طرح مواقف معادية للوحدة الترابية للمملكة.
ويؤكد متابعون أن البرلمان المغربي انتقل من مرحلة الدفاع التقليدي إلى مرحلة المبادرة، عبر بناء شراكات سياسية وبرلمانية قائمة على المصالح الاقتصادية والتعاون جنوب-جنوب، وهو ما ساهم في توسيع دائرة الدعم للموقف المغربي.
كما لعبت الدبلوماسية البرلمانية دورا في مواكبة التحولات التي شهدها ملف الصحراء خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وتزايد عدد الدول التي افتتحت قنصليات بمدينة الداخلة والعيون.
إفريقيا.. المجال الحيوي الأول
أصبحت إفريقيا خلال هذه الولاية المجال الحيوي الأول لتحركات البرلمان المغربي، انسجاما مع التوجه الاستراتيجي الذي يقوده الملك محمد السادس نحو تعزيز الحضور المغربي داخل القارة.
وفي هذا السياق، كثف البرلمان المغربي من زياراته واتفاقياته مع برلمانات دول غرب إفريقيا والساحل وإفريقيا الوسطى، كما عزز حضوره داخل البرلمان الإفريقي وعدد من الشبكات البرلمانية القارية.
وشهدت الرباط خلال السنوات الأخيرة تنظيم عدد متزايد من المؤتمرات والمنتديات البرلمانية الإفريقية، في مؤشر على تحول المغرب إلى فضاء للحوار السياسي والمؤسساتي داخل القارة.
ويعتبر انتخاب المغرب لرئاسة جمعية مجالس الشيوخ والمجالس المماثلة في إفريقيا تتويجا لهذا الحضور المتنامي، حيث أصبح العمل البرلماني إحدى أدوات تعزيز النفوذ المغربي داخل إفريقيا، إلى جانب التعاون الاقتصادي والاستثمارات والبنيات التحتية والتكوين الديني.
ويرى مهتمون أن الرهان الإفريقي للمغرب لا ينفصل عن التنافس الجيوسياسي داخل القارة، خصوصا في ظل سعي الرباط إلى مواجهة التحركات الجزائرية داخل بعض المؤسسات الإقليمية، والدفاع عن مصالحها الاستراتيجية في ملفات الأمن والهجرة والتنمية.
وتكشف المعطيات الواردة في الوثائق البرلمانية الرسمية أن البرلمان المغربي سجل خلال الولاية الحالية مئات الأنشطة الدبلوماسية، شملت لقاءات ثنائية وزيارات رسمية ومؤتمرات دولية ومنتديات متعددة الأطراف.
وشارك البرلمان في اجتماعات دولية ناقشت ملفات مرتبطة بالديمقراطية وحقوق الإنسان والهجرة والتغيرات المناخية والأمن الغذائي والتنمية المستدامة، إلى جانب قضايا الأمن الإقليمي والسلم الدولي.
كما ساهمت الوفود البرلمانية المغربية في نقل التجربة المغربية في عدد من المجالات، خاصة ما يتعلق بالطاقات المتجددة والهجرة وتدبير الموارد المائية.
ويؤكد متابعون أن هذا الحضور المتزايد يعكس رغبة المغرب في تقديم نفسه كشريك موثوق داخل المنتظم الدولي، خصوصا في ظل التحولات التي يشهدها العالم على مستوى الأمن والطاقة والهجرة.
العلاقات مع أوروبا.. بين الشراكة والتوتر
رغم أهمية الشراكة التي تجمع المغرب بالاتحاد الأوروبي، فإن العلاقات البرلمانية بين الجانبين شهدت خلال هذه الولاية بعض التوترات، خاصة بعد القرار الذي أصدره البرلمان الأوروبي سنة 2023 بشأن أوضاع حقوق الإنسان وحرية الصحافة بالمغرب.
ورد البرلمان المغربي حينها بلهجة قوية، معتبرا أن القرار يمثل تدخلا في الشؤون الداخلية للمملكة، وهو ما دفع إلى إعادة تقييم العلاقات مع البرلمان الأوروبي.
غير أن هذا التوتر لم يمنع استمرار التنسيق الثنائي مع عدد من البرلمانات الأوروبية، خاصة في الملفات المرتبطة بالهجرة والتعاون الأمني والاستثمارات الاقتصادية.
ويرى محللون أن هذه الأزمة دفعت المغرب إلى تنويع شراكاته البرلمانية الدولية وعدم الاكتفاء بالفضاء الأوروبي التقليدي، عبر توسيع حضوره داخل إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا.
الرقمنة والتواصل المؤسساتي
من بين التحولات اللافتة خلال هذه الولاية، اعتماد البرلمان المغربي على أدوات التواصل الرقمي في مواكبة أنشطته الخارجية، حيث ارتفع عدد البلاغات والتقارير والمواد الإعلامية المرتبطة بالدبلوماسية البرلمانية.
كما أصبحت المنصات الرقمية الرسمية للبرلمان وسيلة أساسية لنشر المواقف المغربية والتفاعل مع القضايا الدولية، خصوصا تلك المرتبطة بقضية الصحراء والعلاقات الخارجية للمملكة.
ويرى متابعون أن هذا التحول ساهم في تقريب الدبلوماسية البرلمانية من الرأي العام، بعدما كانت لسنوات نشاطا نخبويا محدود التأثير الإعلامي.
تحديات قائمة
رغم هذا الحضور المتصاعد، فإن الدبلوماسية البرلمانية المغربية ما تزال تواجه عددا من التحديات، أبرزها الحاجة إلى تكوين متخصص للبرلمانيين في مجالات العلاقات الدولية والتفاوض والترافع السياسي.
كما يثير موضوع اختيار الوفود البرلمانية المشاركة في المنتديات الدولية نقاشا متكررا، في ظل انتقادات تتعلق أحيانا بتغليب التوازنات السياسية والحزبية على معيار الكفاءة والخبرة.
ويؤكد خبراء أن فعالية الدبلوماسية البرلمانية تظل مرتبطة بمدى التنسيق بين البرلمان ووزارة الشؤون الخارجية وباقي المؤسسات المعنية بالسياسة الخارجية، بما يسمح بتوحيد الخطاب وتحديد الأولويات الاستراتيجية.
كما تفرض التحولات الدولية المتسارعة على البرلمان المغربي تطوير أدوات اشتغاله، خصوصا في ظل تنامي دور البرلمانات في القضايا العابرة للحدود، مثل الأمن السيبراني والهجرة والتغيرات المناخية والذكاء الاصطناعي.
ومع اقتراب نهاية الولاية التشريعية الحالية، يبدو واضحا أن المغرب يراهن على جعل الدبلوماسية البرلمانية إحدى ركائز حضوره الخارجي خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها النظام الدولي. فالمملكة باتت تدرك أن الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية لم يعد يقتصر على القنوات الدبلوماسية التقليدية، بل أصبح يمر أيضا عبر المؤسسات البرلمانية والشبكات السياسية متعددة الأطراف.
ويعتبر مراقبون أن السنوات الأخيرة أظهرت قدرة البرلمان المغربي على التحول إلى فاعل مؤثر داخل عدد من الفضاءات الدولية، خاصة في إفريقيا، غير أن الرهان الحقيقي سيظل مرتبطا بمدى تحويل هذا الحضور إلى قوة اقتراح وتأثير قادرة على خدمة المصالح العليا للمملكة.
وفي ظل التحولات الجيوسياسية التي تعرفها المنطقة، يبدو أن الدبلوماسية البرلمانية المغربية مرشحة للعب أدوار أكبر خلال السنوات المقبلة، سواء في الدفاع عن قضية الصحراء المغربية أو في تعزيز صورة المغرب كشريك للاستقرار والتنمية داخل إفريقيا والفضاء المتوسطي.
دبلوماسية البرلمان والهيئات السياسية والمدنية ورهان التأثير الإقليمي
أصبحت الدبلوماسية البرلمانية خلال السنوات الأخيرة إحدى أبرز أدوات الحضور الخارجي للمغرب، بعدما تحولت من مجرد نشاط مواز للدبلوماسية الرسمية إلى آلية سياسية ومؤسساتية تراهن عليها المملكة لتعزيز موقعها داخل التوازنات الإقليمية والدولية، والدفاع عن مصالحها الاستراتيجية في مختلف المحافل البرلمانية متعددة الأطراف.
ويأتي هذا التحول في سياق دولي يتسم بتنامي دور «القوة الناعمة» في العلاقات الدولية، حيث لم تعد السياسة الخارجية حكرا على الحكومات ووزارات الخارجية، بل أصبحت البرلمانات والأحزاب والمؤسسات المدنية جزءا من منظومة التأثير الدولي وصناعة الصورة السياسية للدول.
وتكشف المعطيات المرتبطة بأداء البرلمان المغربي خلال الولاية التشريعية الممتدة بين 2021 و2026 عن تصاعد واضح في حجم الحضور البرلماني الخارجي، سواء على مستوى المشاركة في الاتحادات البرلمانية الدولية، أو عبر استضافة مؤتمرات ولقاءات سياسية إقليمية ودولية، خصوصا ذات البعد الإفريقي.
وفي هذا الإطار، يشير تقرير منشور من طرف معهد الدراسات الاجتماعية والإعلامية إلى أن الدبلوماسية البرلمانية المغربية أصبحت تؤدي أدوارا تتجاوز البعد التمثيلي التقليدي، لتتحول إلى أداة للترافع السياسي والدفاع عن القضايا الاستراتيجية للمملكة، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية.
ويؤكد التقرير أن البرلمان المغربي عمل خلال السنوات الأخيرة على تعزيز حضوره داخل المنظمات البرلمانية القارية والدولية، من خلال شبكة تضم 18 شعبة وطنية دائمة تمثل المؤسسة التشريعية داخل فضاءات متعددة، من بينها الاتحاد البرلماني الدولي، والبرلمان الإفريقي، والجمعية البرلمانية للاتحاد من أجل المتوسط، إلى جانب عدد من الشبكات البرلمانية الإقليمية.
ويعكس هذا التوسع، بحسب التقرير، إدراكا رسميا متزايدا لأهمية العمل البرلماني في بناء التحالفات السياسية والدفاع عن المصالح الوطنية داخل فضاءات التأثير الدولي، خاصة في ظل تعقد الملفات الجيوسياسية المرتبطة بالأمن والهجرة والطاقة والتنمية.
ويبرز البعد الإفريقي باعتباره المجال الأكثر حضورا في الدبلوماسية البرلمانية المغربية، انسجاما مع التوجه الاستراتيجي الذي يقوده الملك محمد السادس نحو تعزيز الحضور المغربي داخل القارة الإفريقية.
فخلال السنوات الأخيرة، كثف البرلمان المغربي من اتفاقيات التعاون والزيارات المتبادلة مع البرلمانات الإفريقية، كما عزز حضوره داخل البرلمان الإفريقي والمنتديات البرلمانية القارية، في محاولة لتحويل المؤسسة التشريعية إلى امتداد للدبلوماسية الاقتصادية والسياسية للمملكة داخل إفريقيا.
ويرى التقرير أن هذا الحضور لا ينفصل عن الرغبة المغربية في ترسيخ موقع المملكة كشريك إقليمي في ملفات الأمن والاستقرار والتنمية، إلى جانب مواجهة التحركات المناوئة للمغرب داخل بعض المؤسسات القارية، خصوصا في ما يتعلق بقضية الصحراء المغربية.
كما سجل التقرير أن البرلمان المغربي انتقل تدريجيا من منطق «رد الفعل» إلى منطق «المبادرة» في تدبير معاركه الدبلوماسية، عبر بناء علاقات تعاون وشراكات متعددة قائمة على المصالح الاقتصادية والتنموية المشتركة.
وفي المقابل، يلفت التقرير الانتباه إلى أن هذا المسار ما يزال يواجه عددا من التحديات، أبرزها الحاجة إلى تعزيز التكوين المتخصص للبرلمانيين في مجالات العلاقات الدولية والتفاوض والترافع السياسي، إلى جانب تطوير آليات التنسيق بين المؤسسة التشريعية والدبلوماسية الرسمية.
كما يطرح التقرير تساؤلات مرتبطة بمدى فعالية بعض المشاركات البرلمانية الخارجية، خاصة في ظل الانتقادات التي تطال أحيانا معايير اختيار الوفود البرلمانية، وما إذا كانت تستند إلى الكفاءة والخبرة أم إلى التوازنات السياسية والحزبية.
ومن بين الخلاصات التي توقف عندها التقرير أيضا، أن التحولات الدولية الراهنة، بما فيها تصاعد الأزمات الجيوسياسية وتنامي أدوار الفاعلين غير الحكوميين، تجعل من الضروري إعادة تعريف وظيفة البرلمان في السياسة الخارجية، باعتباره فاعلا مؤسساتيا قادرا على المساهمة في صناعة القرار الخارجي وليس فقط مواكبته.
ويؤكد التقرير أن المغرب، من خلال رهانه على الدبلوماسية البرلمانية، يسعى إلى توسيع أدوات تأثيره الخارجي وتدعيم حضوره داخل فضاءات القرار الإقليمي والدولي، خاصة في ظل النجاحات التي حققتها الدبلوماسية الرسمية خلال السنوات الأخيرة في عدد من الملفات الاستراتيجية.
غير أن نجاح هذا الرهان، بحسب المصدر ذاته، سيظل مرتبطا بمدى قدرة البرلمان المغربي على تطوير أدوات اشتغاله، وتحويل حضوره الدولي من نشاط بروتوكولي إلى قوة اقتراح وتأثير حقيقية قادرة على خدمة المصالح العليا للمملكة في عالم يتجه أكثر فأكثر نحو تعدد مراكز التأثير وصعود القوة الناعمة في العلاقات الدولية.
المغرب على رأس جمعية مجالس الشيوخ الإفريقية
انتخب المغرب على رأس جمعية رؤساء مجالس الشيوخ الإفريقية، وذلك خلال المؤتمر السنوي لجمعية مجالس الشيوخ والمجالس المماثلة في إفريقيا، الذي احتضنه مجلس المستشارين يومي 8 و9 أبريل الماضي، بمشاركة رؤساء الغرف العليا للبرلمانات الإفريقية وممثليهم، تحت شعار «مساهمة الغرف الثانية في ترسيخ الديمقراطية وصون السلم في إفريقيا»، في محطة جديدة تعكس تنامي الحضور المغربي داخل فضاءات الدبلوماسية البرلمانية الإفريقية.
تعزيز موقع المغرب
شكل المؤتمر مناسبة لتعزيز موقع المغرب داخل المؤسسات البرلمانية القارية، بعدما توجت أشغاله بانتخاب رئيس مجلس المستشارين، محمد ولد الرشيد، رئيسا جديدا للجمعية، خلفا لرئيسة مجلس الشيوخ الإيفواري كانديا كاميسوكو كامارا، التي أشادت في كلمتها الافتتاحية بحسن تنظيم المغرب لهذا الحدث، وبالدينامية التي شهدتها الجمعية، خلال فترة ولايتها.
ويأتي هذا الانتخاب في سياق التحركات المتزايدة التي يقودها المغرب داخل القارة الإفريقية، سواء عبر الدبلوماسية الرسمية أو من خلال الدبلوماسية البرلمانية، التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة إحدى الأدوات الأساسية لتعزيز الحضور المغربي والدفاع عن المصالح الاستراتيجية للمملكة داخل المؤسسات الإقليمية.
وأكدت كامارا، خلال الجلسة الافتتاحية، أن التقدم الذي حققته الجمعية خلال السنوات الماضية يعكس أهمية التعاون البرلماني الإفريقي في تعزيز الحكامة والديمقراطية، معربة عن امتنانها للمغرب على استضافة هذا الحدث القاري الذي عرف مشاركة واسعة لرؤساء وممثلي الغرف الثانية الإفريقية.
من جانبه، اعتبر ولد الرشيد أن احتضان الرباط لهذا اللقاء البرلماني الإفريقي يجسد التزام المملكة الراسخ بدعم العمل الإفريقي المشترك، مشيدا بحصيلة الرئاسة السابقة، ومبرزا أهمية التنسيق بين البرلمانات الإفريقية لمواجهة التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تعرفها القارة.
ويرى متابعون أن انتخاب المغرب لرئاسة الجمعية يعكس الثقة المتزايدة التي باتت تحظى بها المملكة داخل المؤسسات الإفريقية، خاصة في ظل التحول الذي عرفته السياسة الإفريقية للمغرب خلال السنوات الأخيرة، بقيادة الملك محمد السادس، والتي تقوم على تعزيز التعاون جنوب- جنوب وتوسيع الشراكات الاقتصادية والسياسية داخل القارة.
وشكل المؤتمر أيضا مناسبة لتجديد التزام رؤساء الغرف العليا الإفريقية بدور هذه المؤسسات في ترسيخ دولة القانون، وتعزيز الديمقراطية ودعم السلم والاستقرار، إلى جانب التعبير عن التضامن مع الدول الإفريقية التي تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وأمنية وبيئية متزايدة.
تعزيز النجاعة المؤسساتية
على المستوى التنظيمي، خرج المؤتمر بجملة من القرارات الرامية إلى تطوير أداء الجمعية وتعزيز نجاعتها المؤسساتية، من بينها إطلاق مسابقة لإعداد الشعار والهوية البصرية للجمعية، واعتماد تعديلات جديدة على نظامها الأساسي، تضمنت تحديد مدة ولاية الرئيس في سنتين، وتوسيع شروط العضوية لتشمل الغرف العليا للدول الإفريقية الأعضاء في الأمم المتحدة، سواء بصفة عضو كامل أو ملاحظ.
كما تم إقرار صفة «الرئيسة الشرفية» لأول رئيسة للجمعية، إلى جانب تحديد مهام الأمانة العامة وفق البلد الذي يحتضن مقر الجمعية، واعتماد صيغة جديدة للاجتماعات تقوم على تنظيم مؤتمر سنوي يعقد في بلد الرئاسة، إلى جانب مؤتمر للرؤساء كل سنتين.
وفي سياق متصل، قرر المشاركون تأجيل مشاركة مجلس الشيوخ في مدغشقر في أنشطة الجمعية، إلى حين رفع قرار التعليق الصادر عن مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي في أكتوبر 2025، في خطوة تعكس حرص الجمعية على احترام مقتضيات المؤسسات الإفريقية.
كما تقرر عقد الدورة المقبلة للمؤتمر السنوي بالرباط سنة 2027، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشرا إضافيا على المكانة التي بات يحتلها المغرب كفضاء للحوار البرلماني الإفريقي وكمركز لاستضافة التظاهرات السياسية والمؤسساتية القارية.
ويأتي هذا التطور في وقت يراهن فيه المغرب على تعزيز أدوات «القوة الناعمة» داخل إفريقيا، عبر توظيف العلاقات البرلمانية والمؤسساتية إلى جانب الشراكات الاقتصادية والاستثمارات والتعاون الديني والتكويني، بما يساهم في ترسيخ حضوره داخل القارة، ومواجهة التحديات الجيوسياسية المتزايدة.
ويرى مهتمون بالشأن البرلماني أن رئاسة المغرب لهذه الجمعية قد تمنحه هامشا أوسع للتأثير داخل النقاشات المرتبطة بالحكامة والسلم والأمن والتنمية، فضلا عن تعزيز التنسيق مع البرلمانات الإفريقية في القضايا ذات الاهتمام المشترك، وعلى رأسها قضايا الأمن الغذائي والهجرة والتغيرات المناخية.
وفي ختام أشغال المؤتمر، عبر المشاركون عن بالغ امتنانهم للملك محمد السادس، مشيدين بدوره في دعم قضايا القارة الإفريقية وتعزيز التعاون جنوب- جنوب، وكذا جهوده في ترسيخ السلم والاستقرار والتنمية داخل إفريقيا، في تأكيد جديد على الحضور المتنامي للمغرب داخل الفضاء الإفريقي على المستويات السياسية والدبلوماسية والبرلمانية.
عتيق السعيد*:
«أولوية الدبلوماسية البرلمانية إبراز مصداقية مبادرة الحكم الذاتي كإطار واقعي وعملي»
ما أهمية الدبلوماسية البرلمانية وآليات عملها؟
حرص جلالة الملك محمد السادس، منذ اعتلائه العرش، على تمكين المؤسسة البرلمانية من المكانة الرفيعة التي تستحقها على الساحة الدولية، وجعلها منطلقا أساسيا للارتقاء بالعمل الدبلوماسي البرلماني، وذلك من خلال تطوير دبلوماسية موازية فعالة، تروم توظيف مسار التطور الديمقراطي والتنموي في خدمة الدفاع عن مصالح الوطن وقضاياه، ويأتي هذا التوجه اعتبارا للأهمية المتزايدة التي أضحت تكتسيها الدبلوماسية البرلمانية، باعتبارها آلية ملحة في القرن الحادي والعشرين، الذي يشهد تحولات متسارعة، سواء على مستوى توازنات القوى الدولية القائمة على التكتلات والتحالفات، أو على مستوى طبيعة العلاقات الدولية والتوجهات السياسية والجيوسياسية لهذه القوى وانعكاساتها على النظام الدولي، سيما في ما يتعلق باتخاذ القرار، وتغيير المواقف السياسية ومراجعتها بما يخدم القضايا الوطنية.
إن ما يميز الدبلوماسية الحكومية عن الدبلوماسية البرلمانية هو أن هذه الأخيرة تعد إحدى الآليات التواصلية والترافعية الأساسية التي يباشر من خلالها البرلمان أدواره في مجال السياسة الخارجية. ومن ثم، فإن العلاقة بينهما تقوم على التكامل، باعتبار الدبلوماسية البرلمانية وسيلة مكملة للعمل الدبلوماسي الرسمي. فضلا عن ذلك، تشكل الدبلوماسية البرلمانية مدخلا حيويا يتيح، بشكل مباشر وغير مباشر، تصحيح المواقف وتقريب وجهات النظر، إلى جانب تعزيز التنسيق والتعاون المتبادل بين البرلمانات الإقليمية والقارية والدولية. وبالتالي، فإن التحرك الدبلوماسي البرلماني يسهم في تهيئة الأرضية المناسبة ودعم مسارات الدبلوماسية الحكومية بشكل مواز ومتكامل.
وعليه تكتسي الممارسة الدبلوماسية للبرلمان أهمية كبرى، باعتبارها تجسيدا للواجب الوطني في الدفاع عن المصالح والقضايا الوطنية، والتعريف بالإصلاحات والأوراش التي تشهدها البلاد تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك، ومن ثم فإن الأداء الدبلوماسي للمؤسسة البرلمانية يقتضي مواصلة الدفاع عن القضايا الوطنية باعتبارها أولوية قصوى، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية التي تمثل قضية جميع المغاربة وجوهر الوحدة الوطنية للمملكة. ويستند هذا التوجه إلى التوجيهات الملكية المتبصرة التي ما فتئ جلالة الملك يؤكد من خلالها على أهمية العمل الجاد والدؤوب لمؤسسة البرلمان، من أجل التعريف بعدالة قضية الصحراء المغربية وبمبادرة الحكم الذاتي، وتقريب المواقف عبر الانفتاح على مختلف البرلمانات الإقليمية والمغاربية والدولية، والعمل على تنسيق التعاون المشترك معها، خاصة أن البرلمان يتوفر على الضمانات الدستورية والآليات المؤسساتية والقانونية التي تمكنه من التفاعل بشكل أكبر مع مجريات الأحداث الإقليمية بما يخدم المصالح الوطنية.
كيف يمكن للدبلوماسية البرلمانية بناء تحالفات برلمانية دولية، وتقديم المبادرة المغربية للحكم الذاتي؟
تضطلع الدبلوماسية البرلمانية بدور مهم في التعريف بمبادرة الحكم الذاتي المغربية، بالموازاة مع مسار الدبلوماسية الحكومية، الأمر الذي جعلها دعامة للسياسة الخارجية للدولة. ومن ثم، يتعين عليها السعي، بمختلف الوسائل المتاحة، إلى توطيد العلاقات الخارجية للمملكة من جهة، وإبراز واقعية ومصداقية مبادرة الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية من جهة أخرى، وذلك من خلال الانفتاح على مختلف البرلمانات والهيئات البرلمانية الدولية.
لقد أضحت الدبلوماسية البرلمانية اليوم من بين القوى الفاعلة والمهمة في السياسة الخارجية للمغرب، بالنظر إلى قدرتها على تشبيك العلاقات وبناء قنوات تواصل قائمة على الثقة والمصداقية. ومن ثم، فهي مطالبة بتكثيف عملها وتفعيل مختلف الآليات المتاحة لديها، من أجل تقديم تصور واضح ودقيق لمبادرة الحكم الذاتي، مع جعل هذا الهدف ضمن أولوياتها الأساسية، وذلك عبر الحضور البارز في مختلف الأنشطة البرلمانية، من مؤتمرات وملتقيات دولية، وكذا من خلال تبادل الوفود مع برلمانات العالم. كما يتعين عليها الدفع قدما بالتعريف بالمبادرة وجعلها مدخلا لبناء جسور التواصل وتعزيز علاقات الثقة والتعاون، بما يساهم في تحقيق تفاعل إيجابي داعم للقضية الوطنية
هذا ولا بد من الإشارة إلى أن الانفتاح على البرلمانات الدولية، وتقديم مبادرة الحكم الذاتي داخل المنظمات الإقليمية والقارية، من شأنه أن يوفر إطارا مؤثرا للترافع والدفاع عن مصداقية الحكم الذاتي، بالنظر إلى ما تحققه من تأثير وضغط على الفاعل السياسي لكونها تجمع بين تمثيليتين أساسيتين: الأولى رسمية والثانية شعبية، وهو ما يجعلها امتدادا للسياسة الخارجية للدولة، بما يتيح التحرك وفق مسارين متوازيين خدمة لعدالة القضايا الوطنية والتوجهات الاستراتيجية للدولة في مجال السياسة الخارجية.
ماهي التحديات التي تواجه أداء الدبلوماسية البرلمانية المغربية؟
التحديات وإن كانت متعددة، فإن الرهان يظل واحدا، ويتمثل في تطوير دبلوماسية برلمانية تتسم بالكفاءة والانتشار. ولتحقيق هذا المبتغى، واستشعارا من البرلمان لدقة المرحلة وما تحمله من رهانات وتحديات، يتعين عليه مضاعفة الجهود ومواصلة توسيع علاقاته مع نظرائه في مختلف دول العالم، من أجل إرساء دبلوماسية برلمانية مبادرة ويقظة ومتعددة الأبعاد، تحرص على التفعيل السليم والفعال للتوجهات الدبلوماسية الملكية التي تشكل المرجع الأساسي في دينامية مواقف مختلف الفاعلين، بما يجعلها فاعلا محوريا داخل المنظومة الدبلوماسية الدولية.
أعتقد كذلك أن البرلمان يمكن أن يساهم بشكل أكبر في دينامية القنصليات التي تعرفها الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، والتي أصبحت فضاء مفتوحا للتنمية والاستثمار الوطني والأجنبي، وذلك من خلال تنظيم اللقاءات والورشات المفتوحة. ويأتي هذا الدور باعتباره فاعلا مهما، سيما في تحفيز باقي دول العالم على الانخراط في هذه الدينامية، مع استحضار أن الدبلوماسية البرلمانية، وإن تعددت مداخلها، فإن من أبرزها الدبلوماسية الإنسانية القائمة على التعاون والتضامن وبناء علاقات الصداقة. وعليه، فإن استثمار المكتسبات الدبلوماسية التي حققتها الدبلوماسية الملكية، من شأنه أن يدعم بشكل ميداني وواقعي تطور هذا المسار وتعزيزه.
إن تعزيز الإشعاع الدولي للدبلوماسية البرلمانية يقتضي أيضا اعتماد التكوين العلمي المستمر، المنفتح على تنوع جاد في استقطاب الكفاءات، بما يساهم في دعم آليات الترافع عن القضايا الوطنية، وخلق تلاقح بين الفكر والممارسة يواكب مختلف المتغيرات والتحولات. كما يبرز تحدي إشكالية الاستمرارية وتحصين المكتسبات في كل مرحلة. ويضاف إلى ذلك الحرص على التنسيق المستمر مع وزارة الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، بما يضمن تجاوز ازدواجية المواقف أو تناقضها، كما أن هناك تحديات أخرى مرتبطة بضرورة تحيين النظام الداخلي ومدونة الأخلاقيات بما يساير مختلف التطورات
وفي الختام، يُشار إلى أن الانفتاح على المؤسسات الإعلامية الإقليمية والدولية، في بعدها المحلي، والسعي إلى التواصل المباشر عبر مختلف قنوات الاتصال وطنيا وقاريا ودوليا، من شأنه الإسهام في ترويج وتسويق مخرجات العمل البرلماني في الساحة الإعلامية. وفي هذا السياق، وارتباطا بمجال التواصل والإعلام، بات من الضروري التفكير في إحداث «قناة إذاعية برلمانية» بلغات العالم، لما يمكن أن تضطلع به من دور بالغ الأهمية في تقديم وتسويق العمل البرلماني بصفة عامة، والدبلوماسي بصفة خاصة، بشكل أكثر انفتاحا على المحيط الدولي، بما يساهم في تطوير أساليب الممارسة البرلمانية في بعدها الدبلوماسي، خاصة في ظل ما يشهده عصرنا من عولمة وتطور رقمي متسارع.
*أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض مراكش، محلل سياسي






