حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الافتتاحيةالرئيسيةسياسية

ثروات سوداء

في سياق تشديد الخناق على جرائم المال والفساد، أعطت رئاسة النيابة العامة تعليماتها لضباط الشرطة القضائية التابعين للدرك الملكي والأمن الوطني، لتتبع مصادر تضخم ثروات رجال أعمال وسياسيين ومنتخبين في ظرف وجيز، وإجراء أبحاث وتحريات بشأن الاشتباه في وجود جرائم مرتبطة بغسل الأموال غير المشروعة، وهي الخطوة التي أعادت إلى الواجهة سؤالا ظل يلاحق الحياة السياسية والانتخابية لسنوات طويلة، وهو من أين لك هذا؟

ومع تفعيل هذه التحريات، أصبح العديد من المنتخبين يتحسسون رؤوسهم، مخافة أن تمتد التحقيقات إلى ثرواتهم وممتلكاتهم التي تضخمت بشكل لافت بعد ولوجهم عالم السياسة والتسيير المحلي، حيث الكل يتابع كيف تحول بعض المنتخبين، في فترة وجيزة، من أشخاص يعانون أوضاعا اجتماعية ومادية مزرية إلى رجال أعمال كبار، يدخلون في شراكات مع منعشين عقاريين ومستثمرين، ويتحركون في دوائر المال والاستثمار وتبادل المصالح.

ويزداد القلق لدى من راكموا ثروات مشبوهة في ظل الحديث المتزايد عن تفعيل مسطرة الحجز والمصادرة للأموال والممتلكات الناتجة عن جرائم غسل الأموال، لفائدة خزينة الدولة، خاصة بالنسبة إلى المسؤولين الذين يتحملون مهام التسيير والأمر بالصرف، لأن المتتبع للشأن العام يعرف جيدا كيف كانت الحالة المادية للبعض، قبل دخول الانتخابات، كما يلاحظ التحول السريع الذي طرأ على نمط عيشهم وممتلكاتهم بعد سنوات قليلة من تقلد المسؤولية.

ومن المفارقات الغريبة هي أن عددا من رؤساء الجماعات الترابية الذين تضخمت ثرواتهم بشكل لافت، تقترن أسماؤهم في المقابل بفشل ذريع في تحقيق التنمية المحلية داخل الجماعات الترابية التي يسيرونها، إذ بينما تتراكم الثروات الشخصية، تعاني العديد من المدن والقرى من اختلالات بنيوية، وانتشار العشوائية، وضعف البنيات التحتية، وتنامي القطاعات غير المهيكلة، وتفاقم ديون الجماعات.

وفي كثير من الحالات، يتمكن هؤلاء الرؤساء من إحكام قبضتهم على المشهد الانتخابي المحلي، عبر تشكيل أغلبيات مطلقة داخل المجالس المنتخبة، ما يسهل معه تمرير كافة المقررات والصفقات العمومية، دون معارضة حقيقية ودون مناقشة أو تمحيص، ويخلق نوعا من الحصانة السياسية المحلية غير المعلنة التي تساعد على التستر على الاختلالات أو التجاوزات المحتملة، مع كسب ود مسؤولين بطرق مختلفة لتكتمل بنية الفساد.

ومن بين الأساليب التقليدية للتحايل على المساءلة، يلجأ بعض المنتخبين والمسؤولين إلى تسجيل ممتلكاتهم في أسماء الأقارب أو الزوجات أو الشركاء، في محاولة لتفادي التحقيقات والتصريح بالممتلكات، وخلط الأوراق أمام أي محاولة لتتبع مسارات الأموال التي قد تكون تراكمت بطرق غير مشروعة.

وتبرز خطورة الوضع أكثر عندما تتقاطع هذه الشبهات التي تلاحق المنتخبين مع ملفات حساسة، على رأسها التلاعب في الصفقات العمومية، أو العلاقات المحتملة مع شبكات تبييض الأموال ونهب الرمال والمقالع العشوائية، أو التسويات التعميرية المشبوهة، أو وثائق تسليم السكن، رغم المخالفات التي تبلغ قيمتها الملايين، فضلا عن العلاقات الخفية مع لوبيات العقار وممارسة الضغط على المستثمرين، عبر الشطط في استعمال السلطة، والاحتماء خلف القانون الذي يتم تسخير بنوده، حسب الأجندات.

والخطير في الأمر هو أن بعض الجماعات الترابية أصبحت تعيش نوعا من الفوضى المصطنعة، حيث تتزايد مظاهر العشوائية، وتُمنح رخص البناء الانفرادية والشهادات الإدارية المشبوهة، وتتنامى الأنشطة غير المهيكلة، في الوقت الذي تتشابك فيه علاقات المصالح وتصل حد المركز. فهل يتم التفعيل الأمثل لامتحان من أين لك هذا، أم سيظل الأمر معلقا إلى إشعار آخر؟

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى