الرأي

جرة أذن

عندما عبث وباء كورونا بحياتنا وغير ملامحنا وطرق عيشنا، قلنا: «طيب إنها فرصة لنغير سلوكنا».
عندما أقرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين للملاعب قانون «كرة بلا جمهور»، اعتقدنا أن الملائكة ستحلق فوق الفضاءات الرياضية، وأن «وقف الشتائم» سيصبح ساري المفعول وسينعم اللاعبون والمدربون بالهدوء وهم يدبرون مبارياتهم أمام مدرجات فارغة، وستعم السكينة الملاعب إلا من صيحات منفلتة لبعضهم قد تصل إلى مسامعنا عبر مكبرات الصوت التي تكشف بين الفينة والأخرى محادثات تتضمن كلمات ممنوعة على الجمهور الناشئ.
باسم التدابير الاحترازية اعتقدنا أن زعماء فصائل الإلتراس سيحظون بإجازة، وسينكب رفاقهم في خلوتهم على إخضاع عتادهم الحربي للصيانة، وسيكون «الوي كلو» فرصة لزيارة المعتقلين منهم، وإعادة ترتيب البيت من الداخل، ونظم قوافي مستوحاة من شعر النقائض.
ظننا، وإن بعض الظن إثم، أن السكان المجاورين للملاعب سينعمون بالراحة، وسيتمكن أبناؤهم من الركض أمام منازلهم دون أن يخضعوا للاعتقال الإجباري كلما لاح في الأفق موعد كروي، وسيفتح الباعة دكاكينهم في يوم المباراة دون أن يخشوا لائمة مقدم لائم، وستفتح المقاهي في وجه زبناء نهاية الأسبوع ويتحرك النادل بكل حرية، دون أن يستطلع أحوال الطقس الكروي أو يتلقى إشعارا بغارة وشيكة كما اعتاد في أيام المباريات الحارقة.
أمام بطولة بلا صخب جماهيري، ظن الكثيرون أن أمن الملاعب سيستفيد من إجازات أخلفت موعدها، وأن مخافر المداومة ستتخلص من زارعي ألغام الشغب وستسود الراحة والطمأنينة، وستدخل الكلاب المدربة والدروع الواقية والرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع إلى مستودعات الثكنات. وتحال الأطقم الطبية على خنادق كورونا.
لكن تبين أن الهدنة لم تتجاوز فترة الحجر الصحي وأن معارك فصائل المشجعين انتقلت من الملاعب إلى الأحياء السكنية، ففي كل أسبوع تعيدنا بيانات المديرية العامة للأمن الوطني إلى نقطة الصفر بل إلى الصفر، ونتأكد من فشل وصفات مكافحة شغب الفصائل.
في درب السلطان وأناسي وسباتة والحي المحمدي والمدينة القديمة ومولاي رشيد معارك بين فصائل مشجعي الوداد والرجاء، مداهمات دامية في عز حالة الطوارئ الصحية، استعملت فيها الأسلحة البيضاء والحجارة والعصي، ووصلت بشاعة الاقتتال إلى الاعتداء على ممتلكات المواطنين وإلحاق خسائر مادية وبشرية بالعزل مع عدم الامتثال للقوات العمومية.
بلاغات مديرية الأمن الوطني تؤكد وجود قاصرين في الصفوف الأمامية لمعارك بدون قضية، وحروب بسبب كتابة في الحيطان أو استفزاز رقمي يبيح لقاصر ممارسة القصاص وحمل السلاح الأبيض في الشارع العام، لمجرد تلقي إشارة «راه راه والغوت وراه»، حينها يتحول المشهد إلى ساحة جلد تطبيقا لشريعة أخرى.
تحتاج مدرجات ملاعبنا إلى قوات لحفظ السلام، بين العائدين من المقاطعة، والرافضين لخيار العصيان، ويحتاج «الكابوهات» إلى عملية إحماء لأن أغلبهم يعانون من ضعف التنافسية، بسبب ضوابط كورونا، إنهم يستعجلون العودة إلى المدرجات بعدما سئموا من فرجة عن بعد وتعليم عن بعد واجتماعات عن بعد، وحدها المعارك تكون عن قرب.
لكن المشكلة ليست في هدنة المناصرين، بل في مدى القدرة على عودة الروح الرياضية بين القاصرين، فليس في قلوب الأهالي متسع لنكبات أخرى، وليس لهم احتياطي من الدموع يكفي للبكاء على الضحايا، بعد أن استنزفت جنائز كورونا ما تبقى من احتياطي الدمع والأسى.
المتتبع لمعارك الفصائل المشجعة لفريقي الرجاء والوداد على امتداد أحياء الدار البيضاء، سيقتنع بأن الحاجة ماسة إلى مقاربات جديدة بعدما فشلت بلاغات الوئام المشتركة، والمساعي الحميدة لزعيم إلتراس متقاعد، فلا نريد أن تسيل الدماء في الأزقة بسبب اختلاف ألوان.
نحتاج إلى قرارات صارمة لأن بعض القرارات تشبه التسديدة القوية التي ترتطم بالعارضة أو القائم، فيهتز لها المشجع ويصرخ المذيع لجمالها ويضرب المدرب كفا بكفا وفي نهاية المطاف تبقى بلا هدف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى