
حسن البصري
استاء الوداديون، الذين حضروا مراسم دفن الرئيس السابق للنادي، نصر الدين الدوبلالي، عبروا عن غضبهم لغياب الحد الأدنى للمشيعين وتساءلوا بحرقة عن سر هذه القطيعة.
لم تكن جنازة رئيس الوداد حاشدة في حجم شعبية النادي.
لم يختر نصر الدين أن يموت والناس في إجازة صيفية.
لم يود الالتحاق بالرفيق الأعلى ومسؤولو الوداد منشغلون بـ«الميركاتو» الصيفي.
لم يضع أفراد عائلته سجل الحضور والغياب في باب المقبرة.
لم يجبر أحد صحافيي الجنائز بطرح السؤال المقلق:
لماذا غاب الرفاق؟
قيل، والعهدة على منخرط ودادي: إن العزوف يرجع لسوء البرمجة.
يا إلهي لماذا تطاردنا البرمجة التعيسة في المقابر؟!
لا أريد أن أفسد الموت بالعتاب واللوم والاتهام، ولا أسعى لتبخيس خاتمة رجل كانت تسير خلفه الركبان وتهتف باسمه المدرجات.
لست الوحيد يا نصر الدين، فقد اكتوى، في اليوم نفسه، بهجران الخاتمة، المخرج مصطفى الدرقاوي، الذي شيع جثمانه في مقبرة الشهداء بمدينة الدار البيضاء، وسط حضور أفراد عائلته ومقربين منه وعدد محدود من العاملين في السينما.
مات مخرج «أحداث بلا دلالة»، خلسة، وفي نهايته تبين أن الكثير من السينمائيين بلا دلالة.
وقبلهما مات الشاعر الكبير محمد السرغيني، وشيعه نفر قليل من رفقة الكلمة والورق، قيل إنه لا يتجاوز أصابع القدمين.
مات السرغيني وترك لنا سؤالا مقلقا في ديوانه بعنوان «من فعل هذا بجماجمكم؟».
قد نجد للشعراء مبررا حين يعتذرون عن المشي خلف الجثامين، لأنهم ينشغلون بنظم المرثيات، أما الرياضيون والمخرجون فلا عذر لهم، رغم أنهم يفضلون العزاء الافتراضي والابتهالات الافتراضية، وعبارات النعي الإلكتروني الجاهزة والتي يعفيك «محرك البحث» والذكاء الاصطناعي من تركيبها وصياغتها، دون لوم.
في المقابر، يبدو أن عدد المتسولين أصبح أكبر من عدد المشيعين، وأن تآكل قيمة الوفاء للرموز قد يدفعنا للخوف من جنازة لا يسير خلفها إلا أهل الميت، وعشاء تأبين يفتح في وجه عابري السبيل تحسبا لعزوف الليل، وكساد آت قد يضرب مموني حفلات التأبين والعزاء.
بين جنازة الدوبلالي والدرقاوي والسرغيني وباحو، وغيرهم ممن ودعونا والصيف يستعد للرحيل، قواسم مشتركة:
رثاء افتراضي سخي ووداع عن بعد، خوفا من عدوى الموت.
كتب لي أن أرافق نصر الدين الدوبلالي إلى غانا في شهر دجنبر عام 2002، بمناسبة نهائي كأس الكؤوس الإفريقية، الذي كان من نصيب الوداد.
بعد نهاية المباراة، عاد اللاعبون والمدرب أوسكار والمدير التقني الطاوسي والرئيس الدوبلالي والكاتب العام الشياضمي إلى الدار البيضاء على متن طائرة عسكرية مبتهجين يحتضنون كأسا إفريقية عصية. بينما انتقلنا نحن معشر الصحافيين إلى أكرا، حيث تنتظرنا رحلة طويلة إلى فرانكفورت رافقنا خلالها المسير مصطفى الحظ.
ركبنا الطائرة الألمانية ليلا، وما أن استوينا في مقاعدنا حتى طلب منا النزول. قيل إن السبب تقني، وأن إصلاحه يتطلب إضافة ساعتين من الانتظار في بهو المطار.
جلس إلى جانبي الزميل محمد بلفتوح، وشرع في تحرير مقال حول كواليس الرحلة، بينما كان العميد بلعيد بويميد يطمئننا ويطرد عنا الضجر بقفشاته، فيما اشتكى صحافي القناة الثانية إدريس وهاب من طول الرحلة البرية من كوماسي إلى أكرا، أما القيدوم محمد بوعبيد فاستغرب لغياب السفير عن الحضور والانصراف.
يا إلهي كلهم ماتوا، والباقون على قيد الحياة باعدت بيننا وبينهم الظروف وزحمة الحياة، لذا قالت العرب «البعد أخو الموت».
وكأن لعنة أشانتي تطاردنا في رحلة وصفها الدوبلالي في تصريح صحافي بالمخاطرة:
«انتزعنا الكأس من فم التمساح».
إكرام الميت دفنه تحت جنح الظلام.





