
منذ أيام، قرر نصف سكان مواقع التواصل أن يستيقظوا في سنة 1987. رجال بشوارب تليق بمفتش شرطة في مسلسل مصري، نساء بشعر يحتاج إلى رخصة تعمير، سترات بأكتاف قادرة على حمل الدين الخارجي، ووجوه محببة مغطاة بذلك الضباب الذي كانت تتركه كاميرات الأفراح القديمة. الذكاء الاصطناعي، آخر أبناء المستقبل، أصبح يُستخدم لإعادتنا إلى الماضي. وهذه، وحدها، نكتة مكتملة الأركان.
المثير ليس أن يحن أبناء الثمانينات والتسعينات إلى شبابهم، فالإنسان مستعد لأن يشتاق حتى إلى حذاء كان يؤلمه إذا ارتبط بسنوات كان فيها ظهره سليماً. المثير أن شباباً ولدوا بعد اختفاء «الكاسيت»، وربما يعتقد بعضهم أن جهاز الفاكس نوع من الديناصورات، يتهافتون على هيئة زمن لم يعيشوه.
هذا الحنين له اسم نفسي: الحنين إلى ماض متخيل. فالذاكرة البشرية ليست مؤرخاً نزيهاً، بل مخرج مونتاج انتقائي يحذف الطوابير والبطالة والخوف ويحتفظ بأغنية جميلة وقميص واسع وظهيرة بلا إشعارات. نحن لا نشتاق إلى الماضي كما كان؛ نشتاق إلى النسخة التي نجت منه.
للثمانينات والتسعينات، بالفعل، فتنة جمالية تصعب مقاومتها. كان الفن يومها يملك ترف أن يكون فناً قبل أن يصبح «محتوى». الأغنية لها مقدمة، والسينما لها مزاج والمغني يحتاج صوتاً أكثر مما يحتاج مديراً لخوارزميات الانتشار. كانت الموضة شجاعة إلى حد الوقاحة: ألوان فاقعة، «جينز» مرتفع، أحزمة عريضة، نظارات ضخمة وشعر يحتل من المجال الجوي أكثر مما تحتله بعض الطائرات.
حتى الأشياء كانت تمتلك شخصية. الهاتف هاتف، والكاميرا كاميرا والساعة ساعة؛ لم يكن هناك مستطيل أسود واحد ابتلعها جميعاً ثم ابتلعنا معها. كنا نملك أشياء أقل، لكنها كانت تختلف. اليوم نملك خيارات لا نهائية ونرتدي جميعاً تقريباً اللون البيج.
لكن أجمل ما في الماضي أنه لا يرسل إشعارات، وهذا تحديداً سر جاذبيته لجيل يعيش تحت قصف الحاضر: أخبار عاجلة، رسائل، مقارنات، وظائف هشة، أسعار سكن فلكية، علاقات قابلة للمحو بحركة إصبع وضرورة يومية لأن يكون المرء ناجحاً، جميلاً، واعياً، رياضياً، منتجاً، سعيداً ومتاحاً للرد فوراً. أمام كل ذلك، تبدو سنة 1989 مثل مصحة نفسية بإضاءة صفراء.
غير أن تحويل الثمانينات إلى فردوس مفقود يحتاج قدراً محترماً من فقدان الذاكرة التاريخية. فخلف مادونا ومايكل جاكسون والراي و«الكاسيت»، كان الاقتصاد العالمي يعيد ترتيب قسوته. أزمة الديون، البطالة، الخصخصة، صعود النيوليبرالية، تقليص الإنفاق الاجتماعي وبرامج التقويم الهيكلي جعلت الثمانينات، في بلدان كثيرة، بداية زمن جديد انتقلت فيه فاتورة الأزمة من الموازنات إلى جيوب المواطنين.
وفي المغرب، لا تزال عبارة «التقويم الهيكلي» قادرة على إفساد أي حفلة تنكرية بملابس الثمانينات. لقد كانت سنوات اختناق اجتماعي واقتصادي، لا مجرد «فيديو كليب» طويل بألوان النيون.
ثم إن تلك الحقبة، التي تبدو اليوم متحررة في الصور كانت، في العالم العربي، تشهد صعود موجة محافظة أكثر تشدداً. الثورة الإيرانية، الحرب الأفغانية، صعود الإسلام السياسي وانتشار خطاب ديني أكثر صرامة أعادت صياغة المجال العام. شيئاً فشيئاً صار المجتمع يناقش شعر المرأة وكمها وصوت المغني وما يجوز سماعه، أكثر مما يناقش جودة المدرسة والمستشفى. وكأن المنطقة، وهي تدخل أزمة الحداثة، قررت أن تبدأ التحقيق من خصلة شعر.
هنا تبلغ المفارقة المغربية ذروتها، ففي بعض المدن والقرى، لا حاجة إلى الذكاء الاصطناعي للحصول على صورة من 1985. يكفي أن تدير الكاميرا نحو محطة مهملة، أو حافلة عتيقة أو مقهى لم يغير كراسيه منذ كان التلفزيون يختتم بثه بالنشيد الوطني. العالم يصنع سيارات ذاتية القيادة، وهناك جماعات ما تزال فيها الطريق نفسها تخوض مفاوضات شاقة مع الإسفلت.
بالنسبة لسكان هذه المناطق، «فلتر الثمانينات» ليس ترفاً رقمياً؛ إنه خدمة عمومية. نحن نضغط زرّاً لنبدو كأننا عدنا أربعين عاماً، وهم يحتاجون مشروعاً تنموياً ليخرجوا منها. وهذه ربما أبلغ سخرية في الترند كله: الماضي الذي يشتريه سكان المدن للمتعة، ما زال آخرون يدفعون ثمنه في حياتهم اليومية.
فـ«النوستالجيا»، في النهاية، امتياز طبقي وجغرافي أيضاً. تستطيع تمجيد البطء عندما يكون لديك إنترنت سريع، وتمجيد الحياة البسيطة عندما تستطيع طلب العشاء بتطبيق وتمجيد القرية حين تعرف أنك ستغادرها مساء الأحد.
نحن، إذن، لا نحب الثمانينات بقدر ما نتعب من 2026. لا نريد إعادة شريط «الكاسيت» بقلم، ولا انتظار أسبوع لمعرفة خبر ولا العودة إلى اقتصاد مأزوم ومجتمع يضيق على حرياته. نريد، فقط، شيئاً كان ذلك الزمن يوحي به: أن الحياة لم تكن سباقاً دائماً ضد نسخة محسنة من أنفسنا.
لهذا سيختفي الترند، كما تختفي كل الترندات، بسرعة تناقض تماماً الزمن الذي يحتفي به. سنخلع «الجينز» العالي، ونخفض الشعر، ونعود إلى شاشاتنا ثم نبحث عن ماض آخر نشتاق إليه.
فالإنسان، حين يعجز عن تخيل المستقبل بثقة، يتحول بسهولة إلى سائح دائم في متحف الماضي.
أما بعض مناطق المغرب فستبقى في الصورة.
ليس لأن الثمانينات جميلة،
بل لأن الحافلة لم تصل بعد.




