شوف تشوف

“جيوب” المقاومة

اعترف محمد بنشعبون وزير المالية بأن هناك جيوب مقاومة لإصلاح القطاع العام، وخاصة في ما يتعلق بحذف مؤسسات عمومية وإدماج بعضها الآخر. ولسنا في حاجة للكثير من الذكاء لمعرفة هوية هذه “الجيوب” المقاومة، خصوصا وأن تفاصيل القرار كما أفصح عنه بنشعبون تحصر بالأسماء المقاولات والمؤسسات العمومية المعنية بالأمر.
يتعلق الأمر بصداع مزمن تحمَّله الجسد الإداري للدولة المغربية طيلة سنوات، وكان من أعراضه غياب التكامل بين مقاولات عمومية تنتمي للقطاعات نفسها، أو بينها وبين بنيات وزارية. فضلا عن تحولها إلى ثقوب سوداء، لا تكتفي فقط بابتلاع ميزانيات ضخمة، بل تحولت إلى حكومة موازية. ونظرا لأن هويتها إدارية هي أيضا وليست مقاولات تجارية أو صناعية تنتج الثروة بل فقط ثقوبا لابتلاع الثروة، فإن أقصى ما يمكن للحكومة المنتخبة، من حيث المبدأ، القيام به هو حضور رئيس الحكومة أو الوزراء في دورات مجالسها الإدارية بشكل بروتوكولي، حيث تلقى أمامهم عروض بمعطيات عائمة وتنتهي بحفلات مجاملة تلتقط فيها الصور، فيما الحقيقة هي أن ميزانياتها تحدد مباشرة من وزارة المالية دون المرور على الوزراء وأنشطتها وتعاملاتها المختلفة لا يجرؤ أحد على مراقبتها أو متابعة جدواها.
وأصل فكرة خلق هذه المقاولات العمومية هو تحصين القطاعات الحيوية التي لها علاقة مباشرة بالمواطنين من بيروقراطية الإدارة ومزاجية القرارات الوزارية والتدخلات الحزبية والزبوينة. لذلك تم تحويل بعض الخدمات إلى مقاولات أو مؤسسات مستقلة إداريا وماليا في التسيير بغرض ضمان جودة الخدمات من جهة، ومن أجل الحكامة والشفافية من جهة ثانية. لكن الذي حصل هو أن هذه المؤسسات أضحت هي أيضا مصدرا لأمراض جديدة انضافت إلى لائحة الأمراض المزمنة التي تعاني منها الإدارة المغربية. ففضلا عن عدم خضوعها لمراقبة البرلمان والحكومة، فقد أضحت تتنازع مهام وصلاحيات تقوم بها مديريات مركزية قائمة بذاتها في وزارات كثيرة، علما أن لهذه المديريات أيضا ميزانيات وأطقم إدارية ونصوص تنظيمية.

حالة التنازع هذه تخلق الكثير من المناطق الرمادية في العلاقة بين الإدارات التابعة للحكومة وتلك التابعة لهذه المؤسسات. فعندما يتعلق الأمر بمجال أو ملف أو مشروع مربح فإن مسؤولي الوزارات ومسؤولي المقاولات العمومية ينخرطون في صراعات لاحتكاره، وعندما يتعلق الأمر بـ”كارثة” يسارع كل طرف منهما إلى إلقاء المسؤولية على الطرف الآخر. وهنا تصبح إمكانية المحاسبة، وهي مبدأ أساسي في الحكامة الإدارية، أمرا متعذرا. والنتائج على المستوى المالي والخدماتي كارثية جدا، إذ تبتلع 36 مليار درهم من الإمدادات يتم رصدها لفائدتها سنويا. ولنا أن نتصور حجم ما ابتلعته طيلة سنوات. ومع ذلك تظل خدماتها متدبدبة، لكونها وإن كانت ذات استقلالية مالية وإدارية في التسيير، فإن المصدر الرئيسي لمواردها هو الميزانية العامة.

فما يعرفه مسؤولو هذه المقاولات العمومية هو أنه يتعين عليهم في شهر يناير من كل سنة أن يتوجهوا إلى مقر وزارة المالية والتفاوض لأخذ نصيبهم من المال العام. وعندما نقول التفاوض فإننا نقصد على الأصح “الرغيب والمزاوكة”. وعندما توافق لهم وزارة المالية على ميزانية محددة، ويتم تفصيلها بين الجزء المخصص للتسيير وذاك المخصص للاستثمار، تنتهي علاقتهم بالحكومة نهائيا في انتظار يناير الموالي. وهذا هو السبب الرئيسي لمقترح إحداث وكالة وطنية مهمتها التدبير الإستراتيجي لمساهمات الدولة ومواكبة أداء المؤسسات العمومية. لأنه فعليا لا توجد جهة تراقب أو تتابع هذه المؤسسات، فأقصى ما كان يحدث طيلة سنوات هو أن يتم انتظار خروج فضيحة للعلن أو حدوث كارثة لترسل وزارة المالية مفتشيها، وينتهي عمل هؤلاء بكتابة تقارير تركن في الرفوف. أو يرسل جطو قضاته، وبعد إصدار تقاريرهم يتم الدخول في متاهة الردود والردود المضادة لتضيع الحقائق.
يتعلق الأمر إذن بـ225 مؤسسة عمومية، تشتغل بالموازاة مع القطاعات الحكومية، وأسماء بعضها تتطابق حرفيا مع أسماء وزارات. منها فقط 46 مؤسسة أو شركة عمومية ذات طابع تجاري، و199 مؤسسة ومقاولة عمومية ذات هوية إدارية خالصة. بعضها تحمل أسماء عجيبة ولا أحد يعرف تحديدا أين يقع مقرها. بل إن منها من لا تجد لها وجودا في العالم الافتراضي، إما لكون مواقعها الإلكترونية خارج الخدمة دوما أو لم يتم تحديثها منذ سنوات طويلة. أما طريقة تعيين مجالسها الإدارية أو أعضائها، فلنا أن نتصور ما حدث مؤخرا في الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء من تعيينات بعنوان المحسوبية والمحاباة والزبونية ونضاعف كل هذا 199 مرة.
لذلك فبوابة إصلاح القطاع العام لن تكون فقط حذف مؤسسات ومقاولات وتجميع أخرى في أقطاب، ولن يتحقق الإصلاح فقط بإحداث وكالة وطنية للتدبير الإستراتيجي لمساهمات الدولة، بل بالقطع أولا مع الثقافة الإدارية التي تمثلها هذه المقاولات والمؤسسات المشتتة. ويكفي أن نقول هنا إن بعض هذه المؤسسات تم إحداثها في العشر سنوات الأخيرة، واقتطعت لها مقرات إدارية من وزارات، فقط للَمْلمة تصدع حزبي أو جبر خواطر قياديين حزبيين غاضبين. لذلك من الطبيعي أن قرارات تفتيش أو متابعة هذه المؤسسات تمر عبر المكاتب السياسية لبعض الأحزاب، ونستطيع أن نحصي، بحسب علمنا، أكثر من 20 من هذه المؤسسات تديرها شخصيات ذات ألوان حزبية “فاقعة” أو أفراد من أسرها.

بوابة الإصلاح ينبغي أن تشمل أيضا إعادة النظر في هيكلة الوزارات نفسها، فمثلما هناك هدر كبير للمال العام ورداءة في المردودية في بعض المقاولات والمؤسسات العمومية، هناك أيضا هدر للمال العام دون مردودية في العديد من المديريات المركزية، وقد تتبعنا لجوء أحزاب حكومات ما بعد 2011 مثلا إلى مبدأ تدوير الأطر واعتماد الكوطا الحزبية في التعيينات التي تتم باسم مجلس الحكومة. لأنها مديريات تم تضخيمها لأنها في الأصل عبارة عن مكاتب تشتغل دون نصوص تنظيمية واضحة، أو أنها تشتغل بمبدأ التفويضات التي يوقع عليها الوزراء بحسب أمزجتهم لبعض المسؤولين دون غيرهم، وينشرونها في الجريدة الرسمية.
الفوضى التدبيرية التي تعرفها بعض الوزارات والصراعات الدائمة حول الصلاحيات والمهام بين المدراء المركزيين، والتنافس غير الشريف لاستجلاب رضا الوزراء، مرده أساسا إلى تجنب دهاقنة الوزارات العمل بفكرة الأقطاب، كما هو معمول به في بعض المقاولات العامة والخاصة الناجحة. فـ”كل شي كيدير كل شي وحتى حد مكيدير فعليا شي حاجة”. فإذا تعلق الأمر بسفر للخارج أو بترؤس بعثة أو بظهور إعلامي اشتعل التنافس بين هؤلاء وكل منهم يدعي أحقيته هو لا غيره، وإن حدثت كارثة ما ابتلعوا ألسنتهم. دون أن ننسى طبعا تدخلات الدواوين الوزارية في عمل المديريات، حيث تحول بعض المدراء في بعض الوزارات إلى مجرد موقعين على القرارات، لأن متخذيها الفعليين هم أعضاء الديوان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى