
النعمان اليعلاوي
لم تعد الحملة الانتخابية للتشريعيات المقررة في 23 شتنبر الجاري مجرد سباق بين البرامج والوعود، بعدما أخذت، في الأيام الأخيرة، منحى أكثر سخونة، عنوانه الأبرز المناوشات بين الأمناء العامين للأحزاب والقيادات التي تتصدر المشهد الانتخابي.
فمع اقتراب موعد الاقتراع، بدأت لغة الأرقام والبرامج تتقاطع مع استحضار الماضي الحكومي، وفتح ملفات الامتيازات والتقاعد، وتبادل الاتهامات حول تدبير المال العام، بل وصل الأمر إلى استحضار العلاقة بالمؤسسة الملكية في الخطاب الانتخابي.
ويبدو أن بعض قادة الأحزاب دخلوا فعليا مرحلة «الحرب الكلامية»، بعدما أصبح الرد على الخصم جزءا أساسيا من المهرجانات الخطابية. فعبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، رفع سقف المواجهة خلال تجمعاته الانتخابية بطنجة وتطوان، مستهدفا رئيس الحكومة عزيز أخنوش، وموجها سهام النقد أيضا إلى فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة والوزير المكلف بالميزانية.
وفي الجهة المقابلة، يخوض إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، مواجهة أخرى مع بنكيران، مستحضرا ملفات من الماضي الحكومي والسياسي.
وبينما اختار نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، خطابا أكثر هدوءا، داعيا إلى عدم الانجرار إلى الصراعات والسجالات، رفع نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، سقف انتقاده للحكومة، مقدما حزبه باعتباره أحد البدائل الممكنة. وهكذا باتت الحملة الانتخابية تتحرك على مستويين متوازيين: مستوى البرامج والوعود، ومستوى المناوشات السياسية التي تحاول من خلالها الأحزاب إحراج خصومها أمام الناخبين.
لشكر وبنكيران.. «دفاتر» المعارضة وتقاعد الوزراء
بدأ أحد أبرز فصول السجال بين إدريس لشكر وعبد الإله بنكيران من داخل معسكر المعارضة نفسه، بعدما انتقل النقاش بين الرجلين من تقييم أداء المعارضة إلى استحضار ما قام به كل واحد منهما عندما كان في موقع المسؤولية. فخلال تجمع خطابي لتقديم مرشحي حزبه بجهة الرباط–سلا–القنيطرة، اختار لشكر الرد على الانتقادات الموجهة إلى الاتحاد الاشتراكي، مستحضرا قرار رفضه الاستفادة من تقاعد الوزراء منذ سنة 2011. ولم يقدم الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي هذه الواقعة باعتبارها مجرد قرار شخصي، وإنما جعل منها ورقة للرد على من يتهمون حزبه بعقد «صفقات» أو البحث عن امتيازات سياسية.
لشكر ذهب أبعد من ذلك عندما تساءل عما إذا كان شخص يبحث عن الامتيازات سيقبل بالتخلي عن معاش وزاري يقدر، بحسب ما أورده في خطابه، بنحو أربعة ملايين سنتيم شهريا. ثم وجه تحديا مباشرا إلى بنكيران، متسائلا عن الوزراء الذين سبق لهم أن تنازلوا عن معاشاتهم الوزارية بعد مغادرة الحكومة. وبذلك نقل لشكر السجال من مستوى الاتهامات السياسية العامة إلى اختبار السجل الشخصي للزعماء، في محاولة لإعادة ترتيب صورة المعارضة أمام الناخبين على أساس «من فعل ماذا» عندما كان في موقع المسؤولية.
ولم يقف لشكر عند ملف التقاعد، بل اتهم بنكيران بمحاولة «اقتناص مجهودات الآخرين»، مستحضرا مبادرات قال إن الاتحاد الاشتراكي كان وراءها خلال الولاية التشريعية الحالية، من بينها ملتمس الرقابة والطعن في بعض القوانين أمام المحكمة الدستورية، ومنتقدا ما وصفها بقيادة المعارضة عبر «الجلسات الأسبوعية والصياح»، معتبرا أن المعارضة، في تصوره، تقاس بالمبادرات والعمل البرلماني اليومي وليس فقط بالمواقف والخطابات. وهكذا دخل الرجلان في معركة على «ذاكرة المعارضة»، كل طرف يحاول أن ينسب لنفسه المبادرة ويضع الآخر في موقع المستفيد من مجهودات غيره.
بنكيران يصعد ضد أخنوش ولقجع
بعد مواجهة لشكر، جاء دور عبد الإله بنكيران لرفع سقف الخطاب خلال المهرجان الانتخابي لحزب العدالة والتنمية بمدينة طنجة، مساء الأحد 13 شتنبر. فقد شن الأمين العام لـ«المصباح» هجوما مباشرا على رئيس الحكومة عزيز أخنوش، متهما إياه بالاستفادة من المال العام والصفقات، ومطالبا إياه، حسب تعبيره، بـ«إعادة 260 مليار» مرتبطة بصفقة لتحلية مياه البحر. ولم يكتف بنكيران بإطلاق الاتهام، بل تحدى أخنوش باللجوء إلى القضاء إذا كانت الاتهامات التي يوجهها إليه غير صحيحة، محولا المهرجان الانتخابي إلى منصة لمواجهة مباشرة مع رئيس الحكومة.
في السياق نفسه، عاد بنكيران إلى فوزي لقجع، مستحضرا التصريح المتعلق بتخصيص 280 مليار درهم لدعم القدرة الشرائية. واعتبر الأمين العام للعدالة والتنمية أن الرقم، بحجمه الكبير، يطرح أسئلة حول أثر هذه الأموال على حياة المواطنين، وذهب إلى وصف التصريح بأنه «اعتراف خطير يتطلب المحاكمة والمحاسبة».
وكان بنكيران تناول الموضوع نفسه خلال محطة تطوان في اليوم ذاته، موضحا أن علاقته الشخصية بلقجع ودية، لكنه انتقد التحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة، وقال إن هذا الحزب «لا يناسبه»، قبل أن يتساءل عن انعكاس مبلغ 280 مليار درهم على القدرة الشرائية للمغاربة.
ولم يكتف بنكيران بمهاجمة لقجع وأخنوش كل على حدة، بل جمع حزب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار في خطاب واحد، رافضا حصر المنافسة الانتخابية بينهما، ومعلنا أن حزبه ينافس على صدارة انتخابات 23 شتنبر، مستحضرا في الخطاب علاقته بالملك محمد السادس، كاشفا عن حديث قال إنه دار بينهما عندما كان رئيسا للحكومة، ومؤكدا أنه تلقى منه طلبا بأن يقول له الحقيقة دائما. واستعمل بنكيران هذا المعطى للدفاع عن موقفه السياسي، قائلا إنه لا يقبل أن يتم «تخويف» حزبه بجلالة الملك، ومؤكدا أن مرجعيته في هذا المجال هي المؤسسة الملكية والدستور وإمارة المؤمنين.
لقجع يرد من تنغير: «280 مليار» تتحول إلى ورقة انتخابية
في المقابل جاء خطاب فوزي لقجع من مدينة تنغير ليقدم الرواية الأخرى بشأن الرقم الذي حوله بنكيران إلى مادة للهجوم على الحكومة. وأقر لقجع بأن الدولة بذلت، خلال الولاية الحكومية الماضية، مجهودا ماليا واجتماعيا كبيرا قدره 280 مليار درهم، موزعا بين الرفع من الأجور والحد الأدنى للأجر في القطاعين الصناعي والفلاحي، وإقرار الدعم الاجتماعي المباشر بقيمة 500 درهم للأسر.
غير أن اللافت في خطاب لقجع أنه لم يقدم الرقم باعتباره نهاية النقاش، بل أقر بأن هذه التدابير لم تترجم بالشكل الكافي إلى ارتياح داخل بيوت المغاربة بسبب ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة.
من هنا انتقل لقجع إلى تقديم المعالجة التي يقترحها حزب الأصالة والمعاصرة، واضعا القدرة الشرائية في صدارة برنامجه التشريعي المقبل. واستحضر رمزية «القفة» في الحياة اليومية للمغاربة، مؤكدا أن الهدف هو ضمان وصول المواد الأساسية إلى المواطنين بأسعار معقولة. وأعلن لقجع جملة من الالتزامات الاجتماعية، من بينها ألا يقل معاش المتقاعدين عن 3000 درهم، ورفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم لفائدة الأسر المحتاجة، مع مراجعة معيار الاستفادة ليبنى، بحسب تصوره، على الدخل الحقيقي للأسرة وليس فقط على مؤشرات شكلية.
ولم يتوقف خطاب لقجع عند القدرة الشرائية، بل امتد إلى الضريبة على الدخل، والصحة، والتشغيل، والماء والطاقة والتفاوتات المجالية، داعيا إلى تخفيف العبء الضريبي عن الأجراء، وتسريع إصلاح قطاع الصحة، ومواكبة الشباب في التكوين والمقاولة ووضع تصور طويل الأمد للأمن المائي، خصوصا في المناطق التي تعتمد على الفلاحة وزراعة النخيل.
وطرح لقجع، كذلك، فكرة إعفاء الأسر الفقيرة ذات الاستهلاك المحدود من فاتورة الكهرباء، قبل أن يختم بالتأكيد على أن المغرب يسير، في نظره، بسرعتين، وأن طموح الحزب هو الوصول إلى «سرعة واحدة» في التنمية.
بركة يختار الهدوء.. وبنعبد الله يرفع سقف المواجهة
وسط هذا السجال اختار نزار بركة خطابا يحاول من خلاله النأي بحزب الاستقلال عن المناوشات الشخصية بين الزعماء. وأكد بركة أن الحزب لن ينساق وراء الصراعات والسجالات السياسية الجانبية، مركزا على ضرورة تقديم البدائل والبرامج التي تستجيب لانتظارات المواطنين. ويبدو أن هذا الخيار يرتبط برغبة «الميزان» في خوض الانتخابات من موقع الحزب الذي يريد أن يقدم نفسه باعتباره قوة سياسية مسؤولة، قادرة على التفاوض والمشاركة في تشكيل الأغلبية المقبلة دون الانغماس في حرب كلامية مع باقي المنافسين.
غير أن هدوء بركة لا يعني غياب الرسائل السياسية الموجهة إلى الخصوم. فحزب الاستقلال يخوض بدوره معركة قوية حول موقعه في الخريطة السياسية المقبلة، ويطرح تصورا للمرحلة المقبلة يتجاوز مجرد الدفاع عن حصيلة الحكومة. ومن خلال الحديث عن مغرب «بسرعة واحدة» وعن تقوية حضور الحزب في المؤسسات، يحاول بركة تقديم «الميزان» باعتباره طرفا قادرا على إعادة ترتيب الأولويات، سيما في الملفات الاقتصادية والاجتماعية والمجالية. لذلك فإن الابتعاد عن التراشق يمكن أن يتحول هو نفسه إلى أداة انتخابية، عبر تقديم الحزب بديلا عن صخب المناوشات.
أما نبيل بنعبد الله فاختار طريقا مختلفا، إذ دعا إلى الانخراط الإيجابي في الانتخابات من أجل «إحداث قطيعة مع الوضع القائم»، مقدما حزب التقدم والاشتراكية باعتباره بديلا سياسيا قادرا على تحمل مسؤولية تسيير الشأن الحكومي. ووجه الأمين العام لـ«الكتاب» انتقادات حادة إلى الحكومة، مركزا على غلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية وضعف الأثر الملموس للسياسات العمومية. وشدد بنعبد الله على أن حزبه اختار مرشحين قال إن معايير اختيارهم تقوم على الاستقامة ونظافة اليد، في رسالة واضحة إلى منافسين يتهمهم، ضمنيا، بتقديم الوصول إلى المقاعد على حساب أخلاقيات العمل السياسي
أخنوش للمهاجري: «أجي نعلّمك الاقتصاد»
لم يمر الجدل الذي أثارته تصريحات هشام المهاجري، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، بشأن قرض جماعة أكادير مرور الكرام، بعدما اختار رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، الرد من قلب حملته الانتخابية بمزوضة، واضعا النقاش في إطار مختلف، وقلب المواجهة من اتهامات مرتبطة بتدبير مالية الجماعات إلى سجال حول فهم قواعد الاقتصاد والتمويل العمومي.
وقال أخنوش، في معرض رده على خصمه السياسي، بلهجة مباشرة: «أجي نعلّمك الاقتصاد»، في رسالة بدت موجهة إلى المهاجري الذي سبق أن انتقد طريقة تدبير ملف اقتراض جماعة أكادير، وربطه بتعديل مرسوم يتعلق باقتراض الجماعات الترابية.
واعتبر أخنوش أن النقاش حول القروض الجماعية لا يمكن أن يبنى على الاتهامات السياسية وحدها، مشيرا إلى أن تمويل الجماعات الترابية يخضع لقواعد وإجراءات قانونية ومالية، وأن القروض لا تمنح بالطريقة التي حاول خصومه تقديمها للرأي العام.
وبذلك حاول رئيس الحكومة نقل المواجهة من مستوى «تضارب المصالح»، الذي أثاره المهاجري، إلى مستوى تقني يتعلق بآليات التمويل والاقتراض، مستثمرا خبرته في المجال الاقتصادي والمالي للرد على خصم ينتمي، بدوره، إلى الحزب نفسه الذي ينتمي إليه فوزي لقجع، أحد أبرز المدافعين عن الخيارات الاقتصادية والمالية للحكومة.
لكن عبارة «أجي نعلّمك الاقتصاد» أضفت على المواجهة بعدا سياسيا وشخصيا، سيما أنها جاءت في سياق حملة انتخابية تعرف تصاعدا غير مسبوق في التراشق بين قيادات الأحزاب. فبعدما كان المهاجري وجه اتهامات مباشرة إلى محمد شوكي بشأن تضارب المصالح، وربطها بتمويل جماعة أكادير التي يرأسها أخنوش، اختار رئيس الحكومة الرد بطريقة تتجاوز الدفاع التقني إلى التشكيك في فهم خصمه للموضوع. وهكذا انتقلت قضية القرض من ملف مالي وتقني إلى واحدة من أبرز حلقات المناوشات الانتخابية، لتضيف جبهة جديدة إلى الحرب الكلامية الدائرة بين قيادات «الأحرار» و«البام» قبل أيام قليلة من موعد الاقتراع.





