الرأي

سوريا بين إيران وتركيا

 

مروان قبلان

 

في غياب دور عربي، تركز التنافس التركي الإيراني في العراق، لكن بشكل أكبر في سوريا. وبينما أقرت تركيا بنفوذ إيران بالعراق لأسباب جغرافية وتاريخية ومذهبية، رفضت إيران الإقرار بنفوذ تركيا بسوريا، بل دخلت معها صراعا صفريا حوَّلَ، بعنفه، ثورة 2011 إلى صراع وكالة، أودى بسوريا تقريبا.

مع ذلك، وعلى الرغم من الانقسام الحاد والدموي الذي خلفه هذا الصراع في سوريا، حيث تمايز السوريون في ولاءاتهم بين الطرفين، وقاتلوا بضراوة تحت رايتهما، أبدت تركيا وإيران حرصا شديدا على منع تحول حرب الوكالة السورية إلى صدام مباشر بينهما. والأهم أن العلاقات التجارية بين الطرفين لم تتأثر، فبينما كان السوريون يتناحرون وينتحرون، كانت خطوط التجارة التركية – الإيرانية تزدهر وتتطور. وفي عز أيام الحرب السورية، تضاعف حجم التبادل التجاري بين البلدين، ليصل إلى 22 مليار دولار سنويا. وفي ذروة العقوبات الأمريكية مثلت تركيا نافذة إيران الاقتصادية ورئتها المالية الرئيسة، فساعدتها في الالتفاف عليها، وهي القضية التي تورط فيها بنك «خلق» التركي، وقد أدانته محكمة أمريكية، الشهر الماضي، بتحويل ما قيمته 20 مليار دولار من الذهب إلى إيران، في إطار ما عرف بصفقة «الذهب مقابل النفط». وفي 2015، وقع الطرفان اتفاقية للمعاملات التجارية التفضيلية، أزالا بموجبها الرسوم الجمركية عن نحو 300 سلعة تجارية، في محاولة لرفع حجم التجارة بينهما إلى 35 مليار دولار.

وخلال السنوات الخمس الأخيرة، شهدت الاستثمارات الإيرانية في تركيا نموا غير مسبوق، إذ يعد الإيرانيون اليوم ثاني أكبر مشتر للعقارات بتركيا، بعد العراقيين، واحتلوا المرتبة الأولى في تأسيس الشركات فيها. ويعتقد مهتمون أن جزءا من هذه الشركات يمثل واجهة للنظام الإيراني لتجاوز العقوبات الأمريكية، ويتوقعون أن تصبح تركيا أكبر مستقطب لشركات «الأوفشور» الإيرانية، إذ تعمد إيران إلى نقل جزء كبير من نشاط واجهاتها التجارية من دبي، بسبب مخاوفها من تطور الشراكة الإماراتية – الإسرائيلية.

سياسيا، كان لافتا معارضة إيران القوية للمحاولة الانقلابية التي وقعت بتركيا عام 2016، وتضامن تركيا مع الحكومة الإيرانية في مواجهة الاحتجاجات التي شهدتها إيران عام 2018، وتضامنها مع حكومة عادل عبد المهدي في مواجهة انتفاضة العراق عام 2019.

ويتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تقاربا أكبر بين البلدين، نتيجة تدهور علاقاتهما بالولايات المتحدة، وتراجع الوضع الاقتصادي في كليهما، على الرغم من أن التنافس بينهما انتقل إلى ساحات أخرى (أفغانستان وأذربيجان). وتمثل زيارة وزير الخارجية التركي، مولود جاووش أوغلو، إلى طهران تطورا لافتا بهذا الخصوص، وهو يمهد بذلك لزيارة يقوم بها قريبا الرئيس أردوغان، ويتوقع أن تسفر عن تحولات مهمة في العلاقات بين البلدين.

هل يسوؤنا أن نعرف أن هذا حال العلاقات الايرانية – التركية، فيما كان السوريون يقتتلون؟ بالتأكيد، نعم. أما الآن، وقد صرنا إلى ما صرنا إليه، فتقتضي مصلحة السوريين، خصوصا بعدما صار قرارهم، نظاما ومعارضة، في يد غيرهم، تشجيع كل تقارب بين رعاتهم، يفيد في حقن دمائهم، ويوقف تشريد مزيد من أبنائهم، وتدمير ما تبقى من بلادهم.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى