حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

طاجين بالبطريق

كان هناك بطريق، أو هكذا تقول الحكاية، ضاق صدره بزحام القطيع ورتابة الخطوات المتشابهة فوق الجليد. في صباح رمادي يشبه لحظات اليأس الصامتة، قرر أن يدير ظهره للبحر المألوف وأن يتجه نحو الجبال البعيدة، حيث لا بطاريق ولا تصفيق جماعي لكل من يمشي في الصف. لم يكن متمردًا بالمعنى الدرامي، لم يرفع لافتة ولم يكتب بيانًا ثوريًا، فقط مشى. وهذه أبسط أشكال الثورة وأصعبها: أن تضع قدمك خارج الأثر المرسوم سلفًا.

القطيع، ككل قطيع محترم، فسّر الأمر بسرعة. بعضهم قال إن البطريق ضلّ الطريق، وبعضهم رأى أنه أصيب بلوثة فكرية بسبب نقص الأسماك، وآخرون اعتبروه مثالًا حيًا على خطورة الفردانية غير المراقَبة. وحدها بطاريق قليلة، ربما بحكم سنّها أو تعبها من التكرار، نظرت إليه وهو يبتعد بشيء يشبه الحسد الصامت. فالحسد، في علم الاجتماع غير المكتوب، اعتراف متنكّر بالإعجاب.

رحلة البطريق نحو الجبال تبدو عبثية بيولوجيًا، لكنها رمزية إنسانيًا. فالتاريخ البشري ليس إلا سجلًا طويلًا لبطاريق خرجت من القطيع: عالم قال إن الأرض تدور فاتهموه بالجنون، كاتب قرر أن يرى العالم بطريقة مختلفة فاتهموه بالزندقة، مخترع تخيل آلة لا وجود لها فسخروا منه قبل أن يصفقوا له بعد عقود. عقلية القطيع مريحة، تمنح دفئًا نفسيًا وإعفاءً من مسؤولية التفكير. أما السير نحو المجهول فبارد، لكنه يصنع الخرائط.

في التحليل السوسيولوجي، القطيع ليس شريرًا بطبيعته، بل حذر. إنه نظام أمان بدائي: ما دام الجميع يفعل الشيء نفسه ففرص الخطأ موزعة على الجميع. المشكلة تبدأ حين يتحول الحذر إلى عقيدة، والتشابه إلى فضيلة أخلاقية. عندها يصبح المختلف خطرًا لا لأنه مؤذٍ، بل لأنه يذكّر الآخرين بأن خيارات أخرى كانت ممكنة. البطريق الخارج عن الصف يهدد السردية الجماعية التي تقول: «هكذا كانت الأمور دائمًا، وهكذا يجب أن تبقى».

الملفت في القصة أن كثيرًا من منجزات البشر جاءت من أولئك الذين اتُّهموا أولًا بالخروج عن الصف. الحضارات لم يبنها الأكثر طاعة، بل الأكثر فضولًا. الكتب التي غيرت الوعي لم يكتبها أكثر الناس اندماجًا، بل أكثرهم قلقًا وأسئلة. حتى الاكتشافات العلمية الكبرى كانت، في بدايتها، نوعًا من سوء الأدب تجاه المسلّمات. كأن التقدم الإنساني كله سلسلة اعتذارات متأخرة قُدمت لأشخاص سخر منهم معاصروهم.

يعلمنا التاريخ أن التغيير يبدأ غالبا من الهوامش لا من المراكز، فالأطراف أكثر قدرة على رؤية ما لا يراه المستقرون في الوسط. ولهذا يظهر المبتكرون أحيانا من بيئات بسيطة لكنهم يمتلكون جرأة السؤال وإعادة ترتيب الممكن وتوسيع حدود التفكير خارج الأطر التقليدية التي تقيد الخيال وتحد الطموح وتصنع نسخا بشرية باهتة وعاجزة عن الانفصال عن القطيع.

ولو وُضعت القصة في سياق مغربي، فربما سيتحوّل البطريق بسرعة إلى موضوع تندّر. سيظهر من يسأل، بجدية نصفها فكاهة ونصفها شهية مفتوحة، عن طعم لحم البطريق: هل يشبه الدجاج أم السمك؟ وهل يصلح للطاجين بالزيتون أم يحتاج إلى شرمولة خاصة؟ وهل البصل والزبيب سيحولان لحم البطريق إلى طبق مغربي قومي؟ هذه الروح الساخرة جميلة من جهة، فهي تعكس قدرة على تحويل كل شيء إلى نكتة جماعية، لكنها تكشف من جهة أخرى ميلًا لاختزال المعاني الكبيرة في أسئلة المطبخ. كأن الرحلة الوجودية لكائن حي يمكن أن تُختصر في وصفة.

غير أن السخرية نفسها يمكن أن تكون مرآة. حين نسأل عن طعم البطريق بدل أن نسأل عن سبب رحلته، فنحن نعلن – دون قصد – انحيازنا لما هو ملموس وفوري على حساب ما هو رمزي وعميق. المعدة تفكر بطريقتها، نعم، لكن الحضارة بُنيت أكثر على أسئلة الرأس والقلب. البطريق في حكايته المتخيلة لا يدعونا إلى أكله، بل إلى فهمه: ماذا يعني أن تترك الأمان؟ ماذا يعني أن تقبل احتمال الضياع مقابل فرصة الاكتشاف؟

ربما لم يصل البطريق فعلًا إلى الجبال، وربما عاد متعبًا إلى البحر، وربما صار مجرد حكاية تتناقلها البطاريق لتخويف صغارها من المغامرة. لكن القيمة ليست في النهاية، بل في الحركة نفسها. كل خطوة خارج القطيع توسّع حدود الممكن قليلًا، حتى لو فشلت. الفشل الفردي أحيانًا هو المادة الخام لنجاح جماعي لاحق.

وهكذا يبقى البطريق، في كوميديته السوداء، بطلًا هادئًا ضد رتابة الصفوف المستقيمة. يذكّرنا بأن العظمة لا تولد من الرغبة في التميز فقط، بل من الاستعداد لتحمّل سوء الفهم والسخرية والوحدة. وفي عالم يحب الإجابات السريعة والطرق المعبّدة، يظل اختيار الطريق المجهول فعلًا إنسانيًا شجاعًا. فكل حضارة عظيمة كانت، في بدايتها، بطريقًا واحدًا قرر أن الجبال، مهما بدت بعيدة، تستحق المحاولة. في النهاية، يظل السؤال الذي يراودنا جميعا كمغاربة: شنو هو مذاق البطريق؟

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى