حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةسياسيةملف التاريخ

قصة دعوات مقاطعة المطاعم واللباس الأوروبي أيام الحماية

كواليس الإعداد لأول مظاهرة ضد الخمارات والحانات بالمغرب

يونس جنوحي

 

«قبل ثمانين سنة، جرى التخطيط لقيادة مظاهرة ضد افتتاح الحانات في مدينة سلا، عملا بقانون منظم للخمارات والحانات، حاول المراقب العام تنزيله في مدينة يحظى فيها أعضاء الحركة الوطنية من علماء سلفيين، بشعبية واسعة.

عندما خرجت أول مظاهرة قادها الوطني محمد حصار، لم يتردد المسؤولون الفرنسيون في إعطاء الأمر باعتقاله وإيداعه السجن، رفقة العشرات من المتظاهرين. لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد.. فقد سنت الحركة الوطنية مبادرات أخرى دعت فيها إلى مقاطعة كل ما هو فرنسي، وليس الحانات فقط.

حتى أن مناسبة عيد الفطر في أربعينيات القرن الماضي، في مدينة سلا، عرفت واقعة غاية في الغرابة.. إذ إن الوطنيين دعوا إلى مقاطعة اللباس الفرنسي، واستبداله بالجلباب المغربي تشجيعا للمنتوج الوطني والحرفيين التقليديين في المدينة. كانت الحملة مقاومة لانتشار السلع الفرنسية، وبداية كساد الحرف التقليدية.

هذه بعض المعالم المنسية من معارك المغاربة ضد كل ما هو فرنسي، بدءا من الحانات وانتهاء بالبذلة العصرية..».

+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++

 

ثورة لسكان سلا ضد المراقب العام بسبب قانون الخمور

في واحدة من أقدم عمليات التعبئة الجماعية للمواطنين، لكي يرفضوا سياسة فرنسا في فتح الحانات في وجه الرعايا الفرنسيين في المغرب، خصوصا في الدار البيضاء والرباط، سجل التاريخ عددا من الوقائع، طُويت أغلبها ونُسيت بوفاة من عاشوا أجواءها. فقد كان المغرب يعيش في أربعينيات القرن الماضي وبداية الخمسينيات على إيقاع «تطوير» الحياة العامة وافتتاح المحلات التجارية والحانات والفنادق، وتأهيل عدد من المشاريع لتشجيع الفرنسيين على الاستقرار في المغرب، في إطار سياسة التعمير. هذه السياسة عرفت أوجها بعد الحرب العالمية الثانية. ففي سنة 1945 أطلقت الإقامة العامة الفرنسية مجموعة من الحملات التشجيعية للرعايا الفرنسيين، لتسهيل عملية استقرارهم في المغرب، وتمكينهم من أجود الأراضي الزراعية، والمعامل.

وكان المراقب الفرنسي في سلا، قد بادر إلى تنفيذ قانون فتح الخمارات المؤطر لبيع الخمور للرعايا الفرنسيين في المغرب. لكن سرعان ما تحولت هذه الحانات والخمارات إلى مرتع يتردد عليه المخبرون المغاربة الذين اشتغلوا لصالح البوليس الفرنسي، وشكل الحدث استفزازا لمشاعر قادة الحركة الوطنية الذين كان أغلبهم سلفيين.

في هذا السياق، كانت مدينة سلا تعيش على إيقاع واحدة من أولى المظاهرات، إن لم تكن أولاها على الإطلاق، والتي وثق لها الحاج أحمد معنينو في مذكراته «ذكريات ومذكرات»، وشهد فيها أن محمد حصار، أحد قدماء ومؤسسي الحركة الوطنية، كان في طليعة مهندسي أول مظاهرة ضد افتتاح الحانات في مدينة سلا والرباط، وكان نصيبه ونصيب أغلب المشاركين، الاعتقال والمحاكمة.

أقوى مضامين إفادة الحاج أحمد معنينو بهذا الخصوص، تتلخص في هذه الأسطر، من الجزء الحادي عشر من مذكراته:

«وجاءت الوقفة الوطنية في محاربة الخمارات وإقفالها في يوم مشهود، بمدينة سلا المكافِحة، وكان دور كاتبِ هذه السطور تحمل المسؤولية بجانب رفيقه الشهم البطل محمد حصار. فأخذتُها وبسببها قضيت السجن لمدة شهرين كاملين، بينما الرفيق حصار اعتقل وكان يلبس جلبابا من الوبر من مراكش.

وكانت الفرحة تعم المواطنين، وكل يوم جمعة عقب الصلاة يرد أبناء الشعب من مختلف الطبقات لزيارتنا بسجن لعلو، فتمتلئ رحاب هذا الحي بالشيوخ والشباب، والكل في نزهة، أو عرس يحمل الباقات الزهرية والهدايا إلينا، وجاء دور عبد القادر حجي بيده خبزتين وكيلو زيتون، وتخطى الصفوف حتى قابلنا من وراء الشباك، وقال هذا نصيبكم في السجن. فترك القوم يتفكهون من عمله وجُرأته».

كان هناك تعاطف كبير إذن مع مهندسي أولى المظاهرات ضد الحانات والخمارات، إذ إن الحاج أحمد معنينو، إلى جانب تجمع الحشود في وقت الزيارة بسجن لعلو، فقد أبان عدد من قدماء الحركة الوطنية عن حس عال من التضامن، عندما أعلنوا تكفلهم بأبناء المقاومين والمناضلين، الذين اعتُقلوا على خلفية المشاركة في المظاهرة.

هذه المظاهرة، رغم أنها لم تتخللها أي أعمال شغب، إلا أن البوليس الفرنسي قمعها بلا هوادة، وتم الاعتداء، بحسب أرشيف صحافة الحركة الوطنية، على المتظاهرين، مما أدى إلى إصابة عشرات الشباب المتحمسين بجروح. بينما كان نصيب الأغلبية، الاعتقال.

لم يكن الهدف من المظاهرة الاحتجاج فقط على فتح الخمارات والحانات في سلا على وجه الخصوص، ولكن قادة المظاهرة، يتقدمهم محمد حصار، عمدوا إلى مطالبة أرباب الحانات بإغلاقها احتراما لمشاعر المسلمين، على اعتبار أن الحانات محلات دخيلة، شأنها شأن محلات بيع الملابس الأوروبية العصرية، وسوف نرى في هذا الملف كيف أن المظاهرات لم تتوقف عند الحانات، وإنما شملت أيضا مظاهر الحياة الأوروبية الأخرى، وعلى رأسها البذلة الأوروبية.. إذ إن الوطنيين قادوا حملات مقاطعة للباس الأوروبي ودعوا المغاربة إلى العودة إلى اللباس المغربي المحلي، ودعم المنتوج الوطني. لقد كان الأمر أكبر من «غيرة دينية» ضد الحانات. فقد كان بداية ترجمة لأفكار الحركة الوطنية، المناهضة لكل ما هو أجنبي ودخيل على الثقافة المحلية، على الأرض.

 

 

 

رخص المطاعم خلقت فتنة بأوساط قدماء المقاومة

كان العالم الكبير عبد الله كنون أحد أوائل المسؤولين المغاربة الذين أعلنوا محاربتهم لقانون رخص الخمور، الذي سنته الإقامة العامة الفرنسية في أربعينيات القرن الماضي. إذ رغم أن القانون كان ينص على عدم بيع الخمور للمغاربة، إلا أن القانون كان على مقاس المرحلة الحرجة التي كانت تمر بها البلاد. وبعد الاستقلال، تهافت المستثمرون المغاربة في قطاع الفنادق والمطاعم على الحصول على تراخيص بيع الخمور، عملا بالقانون القديم الذي يمنع بيعها إلى المغاربة، علما أن المغاربة لم يكونوا ممنوعين على أرض الواقع من ارتياد هذه المطاعم والحانات.

عندما تعين العالِم عبد الله كنون مباشرة بعد الاستقلال عاملا على مدينة طنجة، شن حربا ضروسا ضد الحانات، تأثرا بأجواء أربعينيات القرن الماضي، عندما كان العلماء وقادة الحركة الوطنية منخرطين في حرب معلنة ضد انتشار الحانات وترويج رخص بيع الخمور للتجار الفرنسيين المعمرين.

تسببت سياسة عبد الله كنون الذي ضيق على الحانات مباشرة بعد الاستقلال، في أزمة حادة في صفوف الأجانب والمغاربة الذين استثمروا في القطاع. وكان الوضع استمرارا لسياسة الحركة الوطنية في مواجهة فتح الحانات في الدار البيضاء أولا، ثم في الرباط بعد ذلك.

بعد 1956، شكل موضوع توارث رخص ترويج الخمور والمطاعم والفنادق معضلة كبرى، إذ إن بعض قدماء المقاومة رأوا أن في استمرار العمل بقانون ترويج الخمور، اعترافا ببقاء أثر الهيمنة الفرنسية على المغرب، في حين أن بعض «البرغماتيين» كانوا يرون في الوضع فرصة للاستفادة بعد الاستقلال، وانتزاع المحلات من المعمرين الفرنسيين الذين غادروا المغرب، بعد إعلان استقلال البلاد في بداية مارس 1956.

كل الحانات التي فتحت في الدار البيضاء، قبل الاستقلال، كانت مملوكة لمعمرين فرنسيين، وأغلبهم غادروا المغرب بعد الاستقلال، خوفا على حياتهم، فقد عاشوا أجواء حملة المقاطعة والمظاهرات، ونجوا من استهداف أعضاء الخلايا السرية للمقاومة لمحلاتهم، ولم يكونوا ليسمحوا لأنفسهم بأن يصبحوا هدفا بعد الاستقلال لقدماء المقاومة، سيما وأن موقعهم تعزز بعد وصولهم إلى الإدارات، خصوصا إدارة الأمن.

تحول الصراع إذن من صراع تحكمه الوطنية إلى صراع على الامتيازات، انخرط فيه من أطلق عليهم لاحقا «الدخلاء» والغرباء عن أسرة المقاومة وجيش التحرير. إذ إن عددا من الشهادات والمذكرات تؤكد على لسان أصحابها، أن أسرة المقاومة تعرضت لاختراق قوي، بعد الاستقلال. وهؤلاء المخترقون، كانوا في طليعة المستفيدين من «ثمرة» نضال المقاومين، وتهافتوا بقوة على رخص ترويج الخمور.

+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++

 

 

 

وطنيون يرفضون مصافحة من يرتدي الثياب الأجنبية يوم العيد

في سياق نهاية الأربعينيات، وتأثر الحركات التحررية بمنهج الزعيم الهندي غاندي، في مواجهة الاستعمار، تحرك الوطنيون المغاربة في اتجاه الاحتجاج ضد سياسة فرنسا في المغرب، وذلك بمقاطعة اللباس الأوروبي.

ورغم أن أشهر الحملات وأكثر عنفا، تلك التي تتعلق بمقاطعة الحانات وعقاب من يدخن السجائر ومن يتاجر فيها، إلا أن الوطنيين شنوا أيضا حملة ضد اللباس الأوروبي العصري. ورغم أن أغلب الوطنيين المغاربة، بل ومن قادة المقاومة، كانوا يظهرون في الصور الأرشيفية باللباس الأوروبي، إلا أن هناك جيلا من الوطنيين، خصوصا من الرعيل الأول للحركة الوطنية المغربية، كانوا يكتفون بالجلباب المغربي، ويدعمون المنتوج المحلي في اللباس والنسيج.

فقد ظهرت في مدينة سلا عائلات مغربية انخرطت سريعا في الحياة العصرية، وأصبح أرباب هذه العائلات يرتدون البذلة العصرية ويدخنون السجائر الفرنسية، ويترددون على مقاهي الفنادق التي يتجمع فيها الموظفون الفرنسيون، ومنهم من أنشأ صداقات وطيدة مع موظفين في الإقامة العامة. وكانت بعض المنشورات التي وزعها الوطنيون المغاربة سرا في صفوف الباعة والحرفيين ما بين 1953 و1954، تدعو إلى رفض أي اختلاط مع الفرنسيين والحرص على اعتبارهم أعداء للوطن وليسوا نهائيا أصدقاء للمغاربة.

أحد هؤلاء الوطنيين الذين أطلقوا حملة مقاطعة اللباس الأوروبي، هو الوطني عبد القادر بن أحمد حجي السلوي، الذي حمل لقب «الشهيد».

وقد حكى عنه المقاوم الحاج أحمد معنينو، في الجزء الحادي عشر من مذكراته «ذكريات ومذكرات»، وتطرق إلى سياق المقاطعة ورفض اللباس الأوروبي، والدور الذي لعبه عبد القادر حجي السلوي في هذه الحملة، باعتباره أحد أهم التجار في القيسارية، وأكثرهم تأثيرا:

«وجاء دور الاكتفاء بنسيج الوطن تبعا لقومة الزعيم الهندي غاندي، ودعوته إلى مقاطعة السلع الأجنبية. فكان دكانه من أكبر دكاكين القيسارية، مليء بكل الأنواع الرفيعة، ولكنه تجند لخدمة الوطن، وأصبح يجلب أنواع النسيج الوطني من مدن فاس، وزان، شفشاون، ويضع هذه البضاعة في باب الدكان، ويجلس لجانبه الوطني الشهم المثالي محمد حصّار، وكلما مر مواطن بين يديه إلا واستوقفه وشرح له نتيجة الاكتفاء بالثياب الوطنية، ونتائجها في الاقتصاد الوطني ولا يفلت من يده إلا وهو متأبط لجلباب، أو جلبابين. وجاءت فترة العيد واتخذ الوطنيون بالمدينة قرارا لا رجوع فيه أنهم لا يصافحون أي مواطن يلبس الثياب الأجنبية. في يوم العيد، دخل الرعب للمواطنين، ومن فاته شراء جلباب جديد للعيد، اكتفى بلباس جلباب صوفي، ولو مستعملا! حتى لا يجعل عليه خزي المقاطعة. وجاءنا يوما بجلباب خشن من النوع الذي يلبسه «الزرزاية» بمدينة فاس، وقال هذه الجلباب وقف على من يدخل السجن من الوطنيين».

لم يكتف معنينو في وصف رفيقه السلوي، بذكر هذه الموقعة، وإنما عرف به معتبرا إياه من الأسماء التي طالها النسيان، رغم المكانة الكبيرة التي تميز بها في أوساط الوطنيين خلال السنوات «الحالكة»، سيما وأنه حفيد لأحد أشهر الشرفاء والأولياء السلويين، وهو الشيخ المجاهد سيدي أحمد حجي، الذي يوجد ضريحه في مدينة سلا. لذلك لم يكن غريبا عن المقاوم عبد القادر حجي، أن تكون حملته ضد اللباس الأوروبي العصري مؤثرة، وواسعة الانتشار، ويلتزم بها السلويون من مختلف الأطياف.

 

 

 

 

«الحرب المنسية».. حملات الوطنيين ضد كل ما هو فرنسي

قبل العشرين من غشت 1953، كانت الحملات ضد مظاهر الحياة الفرنسية في المدن، خصوصا في الدار البيضاء والرباط، تتوقف عند الحملات الدعائية والتجمعات الخطابية التي تدعو المواطنين المغاربة إلى عدم التردد على محلات الفرنسيين أو تقليدهم. بل وكان بعض الفقهاء وعلماء القرويين وقادة الحركة الوطنية ممن يحظون بشعبية واسعة في مدنهم، يدعون المواطنين إلى عدم التردد على الأبناك، أو التعامل مع الفرنسيين تجاريا، على اعتبار أنهم محتلون للبلاد. حتى أنه في سنة 1915، عرض فوج من العلماء على السلطان المولى يوسف أن يصدر ظهيرا يدعو فيه المغاربة إلى عدم التعامل مع الأبناك التي فتحت مقرات لها في المدن الرئيسية، واستجاب السلطان مولاي يوسف لهذا الطلب.

لكن بعد نفي السلطان محمد بن يوسف، كانت الأوضاع قد اتجهت إلى الاحتقان، كما أن الحركة الوطنية كانت قد مرت من مرحلة الخطابة وحشد الناس لمقاطعة المنتوجات الفرنسية، إلى مرحلة العمل المسلح.

لم يتوقف الأمر عند حد معاقبة باعة السجائر، و«تعزيرهم».. فقد كان أعضاء الخلايا السرية المتأثرين بخطاب قادة الحركة الوطنية، خصوصا من أعضاء حزب الاستقلال، منخرطين كليا في حملات مهاجمة الحانات، ودعوات المقاطعة على وجه الخصوص.

في الأسبوع الأول من يناير 1955، شهد المغرب أعنف حملة استهدفت باعة السجائر وأرباب الحانات، واضطر البوليس الفرنسي – بحسب محاضر الشرطة الفرنسية- إلى وضع مخططات لاستباق الجهومات، لكنها لم تؤت بأي نتيجة.

كان الوطنيون قد أطلقوا بشكل سري حملة ضد باعة التبغ والخمور، مغاربة وفرنسيين. وقد كانت الحملة سرية في بدايتها، إلا أن رجال البوليس الفرنسي فطنوا بسرعة إلى الأمر، وطلبوا من كافة الفرنسيين الذين يملكون حانات أو متاجر لبيع الخمور والسجائر، اتخاذ احتياطات ليتجنبوا المداهمات المفاجئة، أو إطلاق الرصاص في الزقاق والأحياء الخلفية لمحلاتهم التجارية. ورغم ذلك فقد نجح الوطنيون في إلحاق أضرار جسيمة بعدد من المحلات والحانات، التي كان يتردد عليها بعض الوطنيين، وهو ما أفقد الأمن صوابهم.

إلا أن لغز حادث كاد يودي بحياة أستاذ إسباني، جعل ضابط شرطة يغير فهمه، وحسه الاستباقي للأحداث. فقد صُدم القنصل الإسباني في الدار البيضاء عندما توصل بإخبار يفيد بتعرض مواطن إسباني، أنطوان تريبيل، يعمل أستاذا للغة الإسبانية بثانوية ليوطي، لإطلاق نار على يد مجهول كان يركب دراجة نارية، لاذ بالفرار بعد أن أطلق على الأستاذ رصاصة أصابته على مستوى العنق، واستدعى الأمر تدخلا عاجلا للإسعاف لإيقاف النزيف، وتسبب الحادث للأستاذ بعاهة مستديمة، لأن حباله الصوتية تضررت بشكل بالغ.

كانت المقاربة الأمنية التي أطلقها البوليس الفرنسي لحماية باعة السجائر والخمور غير مجدية، وهم يرون كيف أن الفدائيين استهدفوا فئات أخرى لتشتيت انتباه الأمن الفرنسي. وقد كانت موجة الاعتقالات تتسع لتشمل أغلب الفئات الاجتماعية، لعل الأمن الفرنسي يصل إلى الفاعلين. إلا أنه طيلة أشهر يناير، فبراير، مارس وأبريل لم ينجح رجال البوليس الفرنسي في الوصول إلى المخططين لتلك العمليات التي اهتزت لها الإدارة الفرنسية في كل من الدار البيضاء، مراكش، سطات، الرباط، وحتى القنيطرة.

 

 

عندما كان رواد الحانات مهددين بالاغتيال وسط البيضاء

في الوقت الذي كانت فيه المقاومة المغربية تستهدف المعمرين الفرنسيين والمسؤولين في الأمن والجيش والإقامة العامة، ردا على نفي السلطان سيدي محمد بن يوسف في غشت 1953.. جرت تعبئة كبيرة في صفوف الوطنيين المغاربة، خصوصا الشباب منهم، لشن حرب ضروس ضد كل ما هو فرنسي في الحياة العامة المغربية. لكن الحانات والملاهي كانت الهدف الأول لهذه العمليات، إلى درجة أن الشرطة الفرنسية في شتنبر 1954، أوصت رعاياها بأن يقللوا قدر الإمكان من التردد على الأماكن العمومية، خصوصا الحانات. والمثير أن إحدى وثائق الإقامة العامة، الموجهة إلى الخارجية الفرنسية، تستغرب كيف أن العمليات تستهدف الفرنسيين المترددين على الحانات، ولا تستهدف المترددين على الكنائس، يوم الأحد.

وفطن المسؤولون في الإقامة العامة الفرنسية إلى أن الأمر يتعلق بحملة تطهيرية حقيقية ضد الحانات، وحتى ضد باعة السجائر.

وبحسب أرشيف الإقامة العامة ومصالح الأمن التي كانت تشرف على التحقيقات في وقائع الاعتداء على الرعايا الفرنسيين إما داخل الحانات أو بعد مغادرتهم لها، فإن المصالح الأمنية في الدار البيضاء، التابعة لـSDEC، توصلت يوم 4 شتنبر 1954 بإخبارية مفادها أن أحد الشبان من أبناء منطقة درب السلطان خرج من بيته فجرا، واستطاع أحد المخبرين الذين يعملون حراسا ليليين، أن يتعرف عليه في الظلام وهو يقفز في اتجاه قطعة أرضية مهجورة، ليحفر قرب أحد الجدران ويستخرج كيسا، حمله معه إلى داخل بيته.

بمجرد توصل الأمن بالخبر، مع تمام الساعة التاسعة صباحا، حتى طُوق المنزل الذي يقطنه الشاب، واقتحم البوليس المنزل، ليكتشفوا أن الأسرة كلها أفرغت المنزل، وأنه كان خاليا تماما من السكان. يبدو أن الإخبارية تأخرت هذه المرة، وأن المشتبه فيه قد قام بخطوة استباقية.

ما كاد الأمنيون يغادرون المكان، حتى سُمع إطلاق نار قوي راح ضحيته مواطن مغربي يعمل نادلا في «حانة»، يملكها مواطن فرنسي في قلب الدار البيضاء. ولاذ مُطلق النار الذي كان ملثما بالفرار. فُتح تحقيق أمني عن الطريقة التي دخل بها السلاح إلى المنطقة، رغم الحراسة المشددة. إذ سرعان ما قام الأمنيون بإقامة ربط بين الكيس الذي كان يحمله الشاب في ساعات الصباح من البقعة المهجورة وحادث إطلاق النار الذي تلاه حادث آخر. عند معاينة الحفرة، رجح الأمنيون بقوة أن يكون الكيس محملا بالسلاح، ومن حجم الحفرة، قدرت الكمية من عشر إلى عشرين قطعة.

ولم تكن العملية إفشالا لمخطط استهدف الحانات، ففي اليوم الموالي، اغتيل أيضا نادل مغربي آخر في حانة تقع في قلب الدار البيضاء، وقُتل معه أربعة معمرين فرنسيين، بالإضافة إلى ابنة صاحب الحانة، ونظمت جنازة مهيبة للضحايا الفرنسيين، وأطلق البوليس حملة واسعة في الدار البيضاء، بلغت حد اعتقال أي مشتبه فيه يمر بمحاذاة حانة أو يتوقف بالقرب منها.. ولم تهدأ حدة الحملة إلا بعد مضي أسابيع.

 

 

 

قصة خلايا سرية استهدفت الحانات وأربكت بوليس «المعاريف»

بحسب ما جاء في أرشيف محاضر الشرطة الفرنسية في الدار البيضاء ليوم 3 أكتوبر 1955، فإن المدينة شهدت عمليات استهداف للحانات المملوكة للفرنسيين. وكانت النتائج ثقيلة. أكثر من عشرين جريحا في صفوف الفرنسيين المستقرين في المدينة، وخمس وفيات، أحدهم موظف في إدارة ميناء الدار البيضاء.

هذا الأرشيف الذي تولت المندوبية السامية للمقاومة جمعه وترجمته وتوثيقه في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، يشهد على عدد من العمليات من هذا النوع، والتي جرت وقائعها في الأسبوعين الأول والثاني من شهر أكتوبر، لكنها سجلت أكبر الأضرار يوم 3 أكتوبر تحديدا. لماذا هذا اليوم بالضبط إذن؟

بحسب الوقائع التي سجلتها المحاضر، فإن جيش التحرير المغربي أطلق عمليات منسقة ومنظمة في نواحي دمنات وفاس وقرية با امحمد، يوم الثاني من أكتوبر.. استهدفت مخابئ السلاح وثكنات الجيش والدرك، وخلفت أضرارا في صفوف إدارة الأمن الفرنسية، وأيضا في صفوف المعمرين الفرنسيين الذين استولوا على أجود الأراضي الفلاحية في منطقة فاس ومكناس.

وعندما وصل الخبر إلى الدار البيضاء، تحمس المقاومون وأعضاء الخلايا السرية الذين لم يلتحقوا بإخوانهم في منطقة اللجوء الخاضعة للإسبان، وأطلقوا عمليات منسقة ومتوالية طيلة مساء الثالث من أكتوبر. المعطيات المتوفرة تؤكد أن بعض المقاومين كانوا مطلوبين لدى الشرطة الفرنسية، ويستقرون في المنطقة الخليفية في تطوان، لكنهم تسللوا إلى المنطقة الفرنسية ووصلوا سرا إلى الدار البيضاء، وشاركوا في عمليات استهداف رواد الحانات.

ومن بين التفاصيل التي سجلتها محاضر الشرطة الفرنسية، في ذلك اليوم الأسود في الدار البيضاء -3 أكتوبر- ما وقع في قسم المستعجلات في أكبر مستشفى بالدار البيضاء. كان المستشفى الرئيسي في الدار البيضاء يستقبل المصابين الفرنسيين منذ ساعات الصباح الأولى بدوره.

وكان أبرز حالة استقبلها يومها، تعود لثلاثة مواطنين فرنسيين، كانوا في حالة سُكر طافح، بالكاد يحاولون تبين المكان الذي ينامون فيه مع شروق الشمس، بعد أن تعرضوا لإطلاق رصاص أصابهم برصاصات طائشة، داخل حانة. كان رجل ملثم، بحسب إفادات الشهود، قد قتل حارس الحانة ودخل بعنف وقتل رجلين كانا مكلفين بتأمين المدخل، بالإضافة إلى عامل البار وخمسة مواطنين فرنسيين. فرغ المسدس من الرصاص مرتين وأعاد شحنه ليستكمل إطلاق النار عشوائيا. هذا ما رواه الناجون الثلاثة من العملية، وأكدوا للبوليس أن المنفذ لو جاء إلى الحانة، قبل ساعة تقريبا، لكانت حصيلة القتلى أكبر. فقد تزامن دخوله إلى الحانة مع ساعة انسحاب أغلب الزبائن الدائمين.

كانت هذه العملية قد خلفت سخطا كبيرا في أوساط الإدارة العامة، لأنها كانت تهدف إلى إطلاق مخطط أمني جديد تدعو على ضوئه الفرنسيين إلى مزيد من الاحتياطات، وعدم مغادرة المغرب تحت أي ظرف والتمسك بممتلكاتهم، في انتظار السيطرة الأمنية على الأوضاع.

والمثير أيضا، أنه رغم كل العمليات التي كانت يتم تنفيذها، إلا أن الموقف الرسمي للإقامة العامة كان هو الإصرار على أن المغرب تحت السيطرة، وأن الأمر يتعلق فقط ببعض العمليات «التي سوف تتم السيطرة عليها في القريب العاجل وإرسال أصحابها إلى السجن لتأديبهم»، بحسب ما جاء في نص أحد المحاضر المحررة في كوميسارية المعاريف الشهيرة.

لكن واقع الأمر كان مختلفا تماما. فقد كان الأمر يتعلق بقضية شعب، اتضح في غضون 48 ساعة فقط أنها تستهدف رواد الحانات مغاربة وفرنسيين، وتنزل العقاب بكبار تجار الخمور في الدار البيضاء، خصوصا وأن يوم 4 أكتوبر بدوره شهد عملية تخريب لواجهة محلين لبيع الخمور في قلب المدينة، وإضراما للنيران في مخزن مخصص لتخزين الخمور، قبل توزيعها على المطاعم الفرنسية في المدينة.

 

 

 

 

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى