الرئيسية

عائد موهوب.. مات حزينا وترك زوجته في مواجهة مؤخرات إيجار

كوميديون وهبوا حياتهم لإسعاد المغاربة فماتوا تعساء

حسن البصري
ولد الفنان عائد موهوب في بداية الثلاثينات في درب السلطان، لكن عائد التلميذ لفت نظر مدرسيه في المدرسة الابتدائية خلال حفلات الأعياد الوطنية ونهاية الموسم الدراسي، قدم مسرحيات وسكيتشات حيث كشفت عن موهبة سابقة لأوانها،
حين سطع نجمه وهو لازال يافعا، شرع في تقمص أدوار في العديد من الأعمال الفنية، بل وواكب بداية السينما المغربية مع عصفور، قبل أن يصبح من بين مؤسسي الفرقة المسرحية «نجوم الأطلس» بـ «كاريان كارلوطي» عام 1946 وعمره لا يتجاوز آنذاك 16 سنة. ويعتبر عائد من الفنانين الذين أسسوا لبداية مسرح مغربي إلى جانب نخبة من ألمع الأسماء كأحمد الطيب لعلج والطيب الصديقي وحسن الصقلي ومحمد الخلفي وعبد الرحمن الكردودي ومحمد الحبشي وأحمد الصعري وعبد العظيم الشناوي والإخوة البدوي، وغيرهم من المؤسسين.
قال عنه رفاقه، إنه مفردا بصيغة الجمع، حيث لم يكن يقتصر دوره على التشخيص بل كان مكلفا بمهام عديدة خاصة داخل فرقة «نجوم الأطلس»، حيث خاض تجربة الكتابة المسرحية والإخراج بنجاح ملحوظ كما برز في فن الديكور كيف لا وهو الذي اشتغل في ورشة نجارة، فبالنظر إلى أن المسرح لم يكن قادرا على تأمين ظروف العيش الكريم، فقد اشتغل عائد في معمل للنجارة بدرب السلطان، دون أن يقرر الابتعاد عن عشقه الأول المسرح، واشتهر أيضا في أعمال إذاعية وسينمائية عديدة بصمت حياته الفنية على امتداد ستة عقود من العطاء والإبداع.

الخطوات الأولى
ترعرع الفنان الراحل في حي درب السلطان بالدار البيضاء، والذي كان مجال إبداعه ومنه يستمد نصوصه، حيث عاشر نخبة من الفنانين البارزين كمحمد الركاب ومصطفى الخياط، حيث ساعداه على وضع خطواته الأولى في درب أب الفنون وقدم رفقة «فنون الأطلس» العديد من الأعمال ذات البعد الاجتماعي، سواء من الربرتوار المغربي أو العالمي. ساهم عائد موهوب طيلة 65 سنة من الممارسة في تطوير الإبداع المسرحي والسينمائي المغربي من خلال مشاركته في تشخيص وإخراج العديد من الأعمال حجزت له مكانة في وجدان الجمهور المغربي. فإلى جانب المسرح، كانت له مشاركة بارزة في مجموعة من الأفلام السينمائية: «أبواب السماء السبعة» لمصطفى الدرقاوي، و«المطرقة والسندان» لحكيم النوري، وأعمال أخرى مكنته من عدة جوائز، أهمها جائزة أحسن ممثل بالمهرجان الوطني للفيلم بمكناس سنة 1991، عن دور البطولة في شريط «المطرقة والسندان». كما كانت له مشاركة متميزة في البرنامج التربوي «ألف لام»، الذي كانت تبثه القناة الأولى للتلفزة المغربية، فضلا عن مسرحيات «عباس وبلقاس في لاس فيكاس» للراحل بلقاس والفنان المصري الراحل وحيد سيف، بالإضافة إلى مسرحية «الوارث» و«بين يوم وليلة»، كما أخرج مسرحية لعبد الرحيم التونسي بعنوان «زواج عبد الرؤوف».
عرف موهوب في الوسط الفني برفضه لعدد من العروض التي لا تتوفر على شروط العمل الفني الحقيقي والمحترمة لذوق المتلقي المغربي، على الرغم من مروره بضائقة مالية، حيث جسد عددا من الأدوار وتقمص مجموعة من الشخصيات، وشارك في عدد من الأعمال، بل إنه ظل يقترح تعديلات على الأدوار حتى تكون في المستوى وملائمة لتاريخه الفني.
قال عنه الفنان الكوميدي عبد الرحيم التونسي، إن عائد يستطيع أن يتقمص أكثر من دور ويعبر من الكوميديا إلى التراجيديا دون أن تشعر به، ووصفه رجال السينما بالمسرحي في بلاطوهات الفن السابع والسينمائي على ركح المسرح.
عاش الرجل في حياته مراحل صعود ونزول، لكنه ظل عفيفا لا يسعى للمال واضعا رسالته الفنية فوق كل الاعتبارات، وحين اشتد عليه خناق المعيش اليومي أمام غياب مصدر عيش قار، انتقل إلى حي سباتة حيث استأجر بيتا وأعلن بداية حياة تعايش فيه التقشف مع رغبات رجل اعتاد العيش في النعيم.
عانى في أيامه الأخيرة من المرض وتوارى عن الأنظار، إلى أن استيقظ المغاربة يوما على خبر وفاته، في الثامن من فبراير 2011 عن سن يناهز 81 سنة، حيث اكتشف المغاربة سر اختفائه ومعاناته مع المرض. وبعد أن دفن في مقبرة الغفران وقف الجميع على سر صمت الرجل الذي تحمل عبء الألم.

تركة كراء
خرجت فاطمة ساوير أرملة الفنان عائد موهوب عن صمتها، وقالت إنها تعيش أوضاعا اجتماعية جد صعبة رفقة أبنائها، وناشدت المسؤولين والمجتمع الفني بالتفاتة لأسرة الراحل، مؤكدة أنها تكتري منزلا في حي سباتة رفقة أولادها، وأنها مهددة بالطرد في أي وقت بسبب عجزها عن تأدية واجبات الكراء وتخبطها في دعاوى قضائية مع صاحب البيت الذي يتقاسمه معها ابنها المتزوج.
تحدثت فاطمة بحرقة مشيرة بأنها طرقت عدة أبواب دون أن تجد آذانا صاغية وأنها توجهت إلى القصر الملكي وهي تحمل شكواها دون أن تتمكن من تقديمها، وأن جهودها مع وزراء الثقافة قد باءت بالفشل، وحده عضوان من النقابة الوطنية لمحترفي المسرح بالمغرب، أحدهم لقي ربه والثاني ظل يتردد عليها في كل مناسبة لمساعدتها خاصة في الأعياد والمناسبات الدينية. وأضافت فاطمة إن ظروفها الصحية جد مزرية ناهيك عن عدم قدرتها على تحمل متطلبات مصاريف الأدوية. أضافت أرملة الفقيد: «توصلت بأظرفة العزاء وبعدها لم يظهر أثر للمعزين».
نال الفنان عائد موهوب أكثر من فرصة للمثول بين يدي الملوك الثلاثة، من محمد الخامس إلى محمد السادس، ونال وساما ملكيا وتهاني من الحسن الثاني الذي كان يعتبره من رواد الخشبة، لكن عائد لم يطالب يوما بامتياز أو ريع اقتصادي، مطلبه الذي حققه له الملك محمد السادس هو أداء فريضة الحج التي كانت فرصته لمناجاة الذات.
في مهرجان الدار البيضاء للفنون والثقافات، أطلق على الدورة الأولى: دورة الفنان الراحل «عائد موهوب» واختار المنظمون تكريمه ولو بأضعف الإيمان. أيام 17/16/15 أكتوبر 2015 بالمركب الثقافي سيدي بليوط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى