
بدأت مهنة مدرب في كرة القدم بنصائح يقدمها متفرج أو لاعب سابق منعه السن أو عطب ما من مواصلة اللعب، هذه النصائح التي يكون كل من يشاهد مقابلة كرة مستعدا لإعطائها، فكرة القدم مثل الصلاة، لكل واحد فيها دعاؤه الباطني الخاص، هي التي خلقت في ذروة تاريخ كرة القدم الطويل مهنة المدرب. يفترض في المدرب أن يكون صاحب تجربة في الكرة، يعرف أكثر مما يعرف لاعبوه، ويفترض فيه أيضا أن يكون قائدا، وموجها وواضع خطط، إنه الجنرال الذي لا يخوض المعركة بنفسه لأنه يكون بعيدا عن ساحتها، لكنه هو المسؤول الأول عن مآلها، هو من يعود له الفضل في الانتصار، أو اللوم عند الهزيمة. المدرب هو المسؤول الأول والأخير عن معرفة الفريق الخصم، وقراءة الكيفية التي يلعب بها، وتبين مواطن القوة والضعف في لعبه ووضع الخطة اللازمة لهزمه أو على الأقل إيقاف خطورته. اللاعبون يواجهون الخصم بأجسادهم أما المدرب فيواجه بعقله، بقوة توقعه، بخططه الناجعة، بقدرته على أن يشحن لاعبيه، أن يحمسهم، وأن يهبهم تلك الروح التي يلعبون بها، ويواجهون بها شدائد مقابلة. لم يكن المدرب في البداية يمرن اللاعبين قبل المقابلات، كان معظم اللاعبين هواة، لهم وظائفهم ومهنهم، يلعبون ثم ينتشرون في الأرض وينصرفون لقضاء أغراضهم، ومع تنامي أهمية كرة القدم داخل المجتمعات الصناعية وانتباه رجال السياسة والاقتصاد لها بوصفها أكثر بكثير من لعبة، وتحول اللاعبين إلى أجراء، يأخذون مقابلا عن لعبهم ومكافآت عن انتصاراتهم، سيبدأ المدربون في برمجة حصص تدريبية قبل المباريات، وستظهر مفاهيم الإعداد البدني والإعداد النفسي، وستبدأ مهنة المدرب في ولادة مهام متعددة، كان المدربون الأوائل يقومون بها كلها: مدرب اللياقة البدنية، مدرب الحراس، محلل المقابلات، المعد الذهني، مساعد المدرب. بل إن التطور الكبير لكرة القدم، وفي سعيه الهذياني للتدقيق والتخصص، سيلد مدربين مختصين في الضربات الحرة، أو في الركنيات، أو في الدفاع أو الهجوم. لقد فتتت مهنة المدرب الملحمية إلى حشد من التخصصات والتقنيات حتى أن المدرب صار محاطا بقيادة أركان حقيقية لكل واحد منها تخصصه وإسهامه، حتى أن مهنة المدرب ستنتهي به إلى التحول إلى منسق بين مجموعة من المدربين كل واحد مكلف بجزئية صغيرة.
9
المدرب (تتمة)
مهنة مدرب قاسية، درامية، لا أمان فيها، يجلس المدرب دوما فوق كرسي قابل للطيران في كل لحظة، والمدرب الحقيقي الذي يستحق هذا الاسم، والذي يملك كبرياء وأنفة هذه اللعبة التي لا تعطي إلا لمن يستحق، هو الذي يحتفظ بحقيبة سفر جاهزة دوما ليغادر متى توجب ذلك. محنة المدرب الأنطولوجية هي أنه لا يلعب، إنه يبني تصورا للعب لا يشارك فيه، وكل ما بيده هو أن يختار اللاعبين القادرين على أن يجسدوا في الملعب أفكاره. يعيش المدرب ما يعيشه الجنرال مع جنوده، والمهندس مع البناء والمايسترو مع العازف، لذلك نرى مشاعر القلق والتوتر والخذلان كثيرا على وجوه المدربين، نراهم أيضا يقومون بحركات بأرجلهم ليظهروا للاعبين كيف كان عليهم التعامل مع الكرة. تتمثل محنة المدرب في كونه يصنع، في معظم الأحوال، لعبا ليس هو من يؤديه، لكنه يتحمل مسؤوليته، لهذا يسهل جدا تحويله إلى مهرج أو ملعون وتجليله بالعار والمطالبة برأسه.
في الكرة يصعب تغيير فريق بأكمله أو مكتب مسير، لكن تغيير المدرب سهل جدا. إنه حائط الكرة القصير جدا. بما أن الكرة ليست علما دقيقا، قد تفعل كل شيء لتربح مقابلة، لكنك لا تنجح في ذلك، فكرة القدم خليط عجيب بين المهارة والاستعداد البدني والإصرار والحظ والصدفة، ومعظم المدربين روحانيون، يتطيرون، ويؤمنون بالفأل الحسن، ويعتقدون بأن قميصا معينا، أو دعاء أو حركة ما تجعل الحظ إلى جانبهم. المدربون متنوعون بتنوع الحياة والبشر، هناك من يخلق فرجة قرب خط اللعب، ويريد أن ينال حصته من الاهتمام، وهناك من تكاد لا تراه، ولا تنتبه له، يجلس بوقار تمثال بودا ويتابع المقابلة بسحنة جليدية، تخفي تحت قناع البرود نارا تضطرم. هناك مدرب ترى كل تقلبات مشاعره الداخلية في وجهه وفي حركاته. وهناك مدرب تراه خائفا ضائعا كأنه وجد نفسه فجأة في عالم غريب، وهناك مدرب يقف شامخا معتدا بنفسه رغم أن فريقه ضعيف ويتلقى الصفعات. التدريب مهنة شاقة جدا، مثلما هو الحال في كل المهن التي يقود فيها أحد مجموعة من الناس لتحقيق إنجاز ما.





