ثقافة وفنفسحة الصيف

عبد الله الغذامي.. الحداثة في قلب صحراء الوهابية

نصف قرن من محاولات إرساء أصول النقد الثقافي للتراث في بيئة محافظة

عبد الله بن محمد بن عبد الله الغذامي من مواليد سنة 1946 في عنيزة. أكاديمي وناقد أدبي وثقافي سعودي، وأستاذ النقد والنظرية في كلية الآداب، قسم اللغة العربية، بجامعة الملك سعود بالرياض. ومنح جائزة شخصية العام الثقافية من جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2022، تقديرا لجهوده المتميزة في ميدان النقد الثقافي، ودراسات المرأة والشعر والفكر النقدي التي بدأت منذ منتصف الثمانينات، وأحدثت  نقلة نوعية في الخطاب النقدي العربي.

مقالات ذات صلة

 

الحداثة في قلب الوهابية

ولد في مدينة عنيزة بمنطقة القصيم. حصل على الشهادة الثانوية من المعهد العلمي، وحصل على الشهادة الجامعية في اللغة العربية من كلية اللغة العربية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، ونال الدكتوراه من جامعة إكسترا سنة 1987. كنيته أبو غادة.

تميزت أعمال الغذامي بالتنوع، فهو صاحب مشروع في النقد الثقافي وآخر حول المرأة واللغة، وكان أول كتبه دراسة عن خصائص شعر حمزة شحاتة الألسنية، تحت اسم «الخطيئة والتكفير: من البنيوية إلى التشريحية». كان عضوا ثابتا في المماحكات الأدبية التي شهدتها الساحة السعودية، ونادي جدة الأدبي تحديدا في فترة الثمانينيات بين الحداثيين والتقليديين. لديه كتاب أثار جدلا يؤرخ للحداثة الثقافية في السعودية، تحت اسم «حكاية الحداثة في المملكة العربية السعودية». يعد من الأصوات الأخلاقية في المشهد السعودي الثقافي، ويتراوح خصومه من تقليديين كعوض القرني، إلى حداثيين كسعد البازعي وأدونيس. يكتب مقالا نقديا في صحيفة «الرياض» منذ الثمانينيات، وعمل نائبا للرئيس في النادي الأدبي والثقافي بجدة، حيث أسهم في صياغة المشروع الثقافي للنادي في المحاضرات والندوات والمؤتمرات ونشر الكتب والدوريات المتخصصة والترجمة، وقد كتب محمد لافي اللويش عن جهود عبد الله الغذامي في النقد الثقافي بين التنظير والتطبيق، في رسالة ماجستير عام 2008. بتاريخ 26 شتنبر2011 بدأ عبد الله الغذامي، في كتابة مقال أسبوعي في صحيفة «سبق» الإلكترونية.

وقبل شهرين أعلنت جائزة الشيخ زايد للكتاب، عن منح لقب شخصية العام الثقافية لدورتها السادسة عشرة للناقد الدكتور عبد الله الغذامي، تكريما لمسيرته الطويلة من العطاء، والتي أنجز خلالها الكثير من الدراسات والمشروعات البحثية المهمة، التي أَثرت الحراك الثقافي إقليميا وعربيا.

ومنحت الهيئة العلمية للجائزة ومجلس أمنائها الدكتور عبد الله الغذامي جائزة شخصية العام الثقافية، نظير جهوده المتميزة في ميدان النقد الثقافي ودراسات المرأة والشعر والفكر النقدي التي بدأت منذ منتصف الثمانينيات، والتي أحدثت نقلة نوعية في الخطاب النقدي العربي. وأسهمت مؤلفات الغذامي، مثل «الخطيئة والتكفير» «والنقد الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية» و«تشريح النص» و«الموقف من الحداثة» و«الكتابة ضد الكتابة» و«المرأة واللغة» وغيرها من الدراسات المتخصصة، في بلورة حركة نقدية حول النقد الأدبي والنقد الثقافي، وفتح الآفاق نحو مناقشة التراث الشعري والإبداع العربي المعاصر، وإعادة قراءته من منظور نقدي يتسم بالجدة والعمق والاختلاف.

وقد كان الدكتور الغذامي واحدا من رواد الحداثة التي لا تؤمن بالقطيعة المعرفية؛ بل تصدر عن إيمان بإعادة قراءة التراث بمنهجية نقدية تثريه وتلقي أضواء كاشفة على ما فيه من إبداع.

 

الحداثة من باب النقد الثقافي

استطاع الدكتور عبد الله الغذامي عبر مسيرة طويلة جاوزت خمسة عقود، أن يؤسس حراكا معرفيا نوعيا لفت الأنظار من خلاله إلى أهمية النقد الثقافي، فتميز في ميادين النظريات وحاور وتناول العديد من القضايا، التي جعلت منه علما من أعلام النقد في المنطقة العربية؛ إذ يعكس اختيار الجائزة حرصها على الاحتفاء بهذه القامة، وتسليط الضوء على جهوده ومؤلفاته النوعية التي أثرى من خلالها المكتبة العربية، وسلطت الضوء على العديد من القضايا المهمة والمحورية في الحراك الثقافي، والفكري على حد سواء.

وقدم الغذامي دراسات نقدية سلط من خلالها الضوء على دراسات المرأة؛ إذ تعد جهوده في هذا المجال فاتحة للدراسات النسوية في العالم العربي، ومرحلة تأسيسية للخطاب النقدي الثقافي العربي من خلال تكريس حضور النقد الثقافي في الساحة الأكاديمية العربية وتفعيل الخطاب النقدي على حد سواء، في الوقت ذاته فللغذامي امتدادات علمية ثقافية في مجالات النقد والفلسفة والفكر، حيث ألف عددا كبيرا من الكتب والدراسات في هذه الحقول المعرفية منها: «مآلات الفلسفة.. من الفلسفة إلى النظرية»، و«القبيلة والقبائلية أو هويات ما بعد الحداثة».

وقال الدكتور علي بن تميم، أمين عام الجائزة: تحتفي جائزة الشيخ زايد اليوم بقامة أدبية مرموقة لها تاريخها الطويل وانشغالاتها الدؤوبة، التي سلطت الضوء على أهمية النقد ومكانته في الحراك الثقافي بصفة عامة، فالدكتور الغذامي يمتلك رؤية فذة وسعة اطلاع فريدة، استطاع من خلالها أن يعبر عن منجزات الثقافة العربية فتبحر في علومها، ونهل من نظرياتها، وقدم العديد من الأطروحات النقدية الحديثة والمعاصرة، التي أحاط من خلالها بكثير من الجوانب المعرفية وسلط الضوء على جملة من القضايا المهمة والمعرفية بعين الناقد والمفكر الفيلسوف والأكاديمي الذي يرتبط بشكل وثيق بثقافة عربية أصيلة، وينطلق منها ليحلل ويبحث ويتمعن عن قرب، حتى بات علما أصيلا من أعلام النقد في عالمنا العربي.

في كتابه «الموقف من الحداثة» يؤكد  الدكتور عبد لله الغذامي أن الحداثة فشلت عربيا وسقطت عالميا؛ لأنها عجزت عن تحقيق ما وعدت به.

وفي أحد تصريحاته يوضح الغذامي أن تحوله عن النقد الأدبي إلى النقد الثقافي للمجتمع والأنساق الاجتماعية المنبثقة منه، يعود إلى أن النقد الأدبي وصل إلى حال من التشبع، وبات يكرر نفسه، وصار عاجزا عن إحداث رؤية جديدة، كما أن الثقافة الإنسانية بعامة شهدت تغييرات ضخمة في الخطاب نفسه، حيث جاءت ثقافة الصورة بخصائصها الجديدة التي تتطلب نقدا خاصا بها، إلى جانب أن الثقافة العربية بتاريخها الطويل ليست مجرد نصوص كما يقترح علينا النقد الأدبي، ولكنها تنطوي على «أنساق مضمرة» ولا بد من كشفها والتعامل معها، وهذا هو موضوع النقد الثقافي.

وفي كتابه «الخطيئة والتكفير.. من البنيوية إلى التشريحية نظرية وتطبيق» يناقش الغذامي نظريات النقد الحديثة كالبنيوية والسيميولوجية والتشريحية، مع تطبيق لهذه النظريات في قراءة النص، وهي قراءة تستند إلى الشيفرات الدلالية وتفكيك وحدات النص وتشريحها، ثم إعادة تركيبها.

أما كتابه «مآلات الفلسفة.. من الفلسفة إلى النظرية»، فهو كتاب جاء في أربعة فصول «الفلسفة اليوم، والفلسفة والأسئلة الكبرى، والمفاهيم الكبرى، والفلسفة والحكمة». وينطلق هذا الكتاب من فكرة تحول الفلسفة إلى نظرية، ويلخص الدكتور الغذامي ذلك بالقول: «رأى بعض الفيزيائيين الكبار دانييل دانيت منكبا على كتب الفلسفة، فتعجبوا من فيلسوف معاصر لم يزل يعتمد على الفلاسفة القدامى، ولم يجد دانيت من دفاع غير أن قال: إننا نقرأ للكبار كي نتجنب أخطاءهم، ولو لم نفعل لكررنا الأخطاء ذاتها.. هذه هي أطروحة هذا الكتاب عن حال الفلسفة ومآلاتها، التي تقتضي صيغة عصرية تؤسس لحيوية جديدة، تقيم للفلسفة قيمة معرفية تتفق مع روح العصر».

في فصول الكتاب يرى الغذامي أن الفلسفة لن تموت وهي في تطور دائم، ولكنها تحتاج في تطورها إلى أن تواكب العصر، وتكرس القيم والتعددية الثقافية والتفكير الناقد، الذي يصل إلى نقد الخطاب الذاتي.

في كتاب للناقد السعودي محمد بن لافي، بعنوان «جدل الجمالي والفكري.. قراءة في نظرية الأنساق المضمرة عند الغذامي» صدر عن مؤسسة الانتشار العربي، أبرز دور الغذامي في جلاء كثير من المعالم الإبداعية في هذا الفكر الذي أماط اللثام عما خفي من أسرار اهتماماته بالثقافة المهمشة، وقال: «إن الدراسات التي نهض بها بعض النقاد العرب ممن اعتبروا نقادا ثقافيين، لا يمكن اعتبارها سبقا في هذا المجال، فلم يعن أحد منهم ببلورة النظرية، وتعريب مصطلحاتها، وجعلها مطواعة للتطبيق، وفق إجراءات منضبطة في سياق متصل قبل الغذامي، الذي كان دقيقا في رصد الفروق بين ما يمكن اعتباره نقدا ثقافيا وما كان خارج هذا النطاق».

 

مقدمات منهجية

وعى الغذامي قضية المصطلح وأهميته في الخطاب النقدي، كما عني بضبطه وتحديده وتأصيله، وتوليده وتعريبه وترجمته، بما يوافق الحس العربي الأصيل، وينسجم مع السياق المعرفي والقرائي، وهذا دأبه منذ انشغل بمسألة «النصوصية» وما يحقق شعرية النص أو أدبيته، فاستحضر منجزات الثقافة الإنسانية، وربطها بالمنجز الثقافي العربي، وظفرت أطروحاته بمصطلحات نقدية، منبتها الألسنية الغربية الحديثة، فعمل على تبييئها، كما أبرز فضل السبق أحيانا للفكر اللغوي والبلاغي العربي في اصطناعها.

ويمكن استشفاف ذلك بالنظر في كتابيه «الخطيئة والتكفير» و«المشاكلة والاختلاف»، وذلك عبر المقدمات المنهجية، كالتي صدر بها دراسته الأولى، وهي غاية في الدقة من حيث الإحاطة بالمصطلحات وتوليدها وتخصيبها.

لقد عكف الغذامي على تشكيل هذه المصطلحات، وابتداع بعض منها مخالفا غيره من الدارسين تعريبا وترجمة، مثلما هو الشأن مع مصطلح «بيوتيك» بالفرنسية الذي ترجمه إلى «الشاعرية» بدل «الشعرية»، ومصطلح «غراماتولوجي» الذي ترجمه إلى «النحوية»، بديلا لمصطلح «الكتابة» وغيرها من المصطلحات التي ترجمها وفق دلالاتها المفهومية عربيا، كما يشي أيضا بمرونته النقدية المنطوية على ثقة بإبداعه الخاص.

ويعتبر مفهوم النقد الثقافي في حقل الدراسات الثقافية العربية أداة جديدة ساهمت في إغناء الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة . وفي هذا الكتاب يحاول عبد الله الغذامي إرساء أسس منهج جديد، ومشروع نقدي جديد، وهي محاولة من أهم المحاولات التي حظيت باهتمام النقاد العرب اليوم، وهي محاولة لا تنفك بدورها من التأثير الغربي.

وسعى الدكتور عبد الله الغذامي في الفصل الثاني من كتابه إلى تحديد مفهوم النقد الثقافي، بعد أن وضع نظرة موجزة عن مسيرة هذا المفهوم، ويحاول أن يؤسس للمفهوم أولا، معتبرا أن التعريف المؤسساتي للنقد الثقافي الأدبي غير مجد، وهو تعريف يركز على: أن الأدبي هو الخطاب الذي قررته المؤسسة الثقافية، حسب ما توارثته من مواصفات بلاغية وجمالية قديمة وحديثة، وهذا التصنيف في نظره يميز في الأدب ما هو رديء وما هو جيد، ما هو راق وما دون الرقي. لذلك يعتبر أن عمله إطار الأدب إلى الثقافة، متسائلا: كيف يمكننا إحداث نقلة نوعية للفعل النقدي من النقد الأدبي إلى الثقافي…؟

هكذا يرى أن: «النقد الثقافي فرع من فروع النقد النصوصي العام، ومن ثم فهو أحد علوم اللغة وحقول الألسنية معني بنقد الأنساق المضمرة التي ينطوي عليها الخطاب الثقافي بكل تجلياته وأنماطه وصيغه، ما هو غير رسمي وغير مؤسساتي، وما هو كذلك سواء بسواء. ومن حيث دور كل منها في حساب المستهلك الثقافي الجمعي. وهو لذا معني بكشف لا الجمالي كما شأن النقد الأدبي، وإنما همه كشف المخبوء من تحت أقنعة البلاغي/الجمالي، فكما أن لدينا نظريات في الجماليات، فإن المطلوب إيجاد نظريات في القبحيات لا بمعنى عن جماليات القبح، مما هو إعادة صياغة وإعادة تكريس للمعهود البلاغي في تدشين الجمالي وتعزيزه، وإنما المقصود بنظرية القبحيات هو كشف حركة الأنساق وفعلها المضاد للوعي وللحس النقدي».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى