الرئيسيةالملف التاريخيتاريخ

عندما كان بيع جلود الأضاحي يخرج المغرب من الأزمة

تقارير أجنبية تحدثت عن العيد في أزمنة الوباء والجفاف قبل قرنين

«كانت هناك طقوس مخزنية مرعية ظلت قائمة في المغرب إلى حدود فترة الملك الراحل محمد الخامس، ثم انقرضت بانقراض شخصيات أمثال الباشا الكلاوي وقياد آخرين، كانوا معروفين بسطوتهم وقربهم من «المخزن» في الوقت نفسه.
ولعل فترة المجد التي عاشوها مع الدولة، انحصرت في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، أي قبل نفي الملك الراحل محمد الخامس سنة 1953. فبعد العودة من المنفى كانت فترة ثلاث سنوات تقريبا التي قضاها الملك مبعدا عن العرش، كفيلة بمراجعة طقوس مخزنية عتيقة والتخلي عنها نهائيا، خصوصا وأن نوعية الرجال الذين كانوا يرعونها أو يستفيدون منها على الأصح، قد انقرضوا بدورهم.
عملية جمع جلود الأضاحي، وأجواء العيد «الكبير» في القرنين الماضيين، كلها أصبحت في حكم التاريخ المنقرض الذي لم يعد يتحدث عنه أحد. نستحق، بعد كل هذه السنوات، أن نعرف كيف كان هذا العيد عصبا حقيقيا للحياة في المغرب، في سنوات الشدة والرخاء أيضا».

الصحافة الأجنبية رفعت مبيعاتها سنة 1910 بتغطيات لأجواء العيد
تتساءلون كيف كانت أجواء عيد الأضحى في السنوات العصيبة التي مر بها المغرب مع اقتراب فرض الحماية سنة 1912؟ الجواب لن يوجد في الأوراق الرسمية ولا في مراسلات المخزن، التي جمع المؤرخون المغاربة ما تبقى منها في الأرشيف المخزني الذي أتلف بسبب عدم الاستقرار السياسي، الذي عرفته البلاد في ذلك الوقت. فكل المراسلات السابقة عن عيد الأضحى التي تنتمي إلى عائلة وثائق القصور الملكية، كانت عبارة عن قرارات سيادية وتعليمات لخدام الدولة بخصوص الإجراءات، التي اتخذت في مناسبة عيد الأضحى خلال القرنين الأخيرين.
بالمقابل، الصحافة الأجنبية التي اقتحمت البلاد ووصلت إلى قلب مركز السلطة في مغرب سنوات 1907 إلى 1910، تطرقت وبإسهاب إلى موضوع احتفالات العيد «الكبير»، وجعلتها موضوعا لرفع مبيعات صحفها في أوربا، خصوصا في بريطانيا وفرنسا، ونقلت يوميات لاحتفالات عيد الأضحى. وهنا، نورد ما جاء في أرشيف صحيفة «التايمز» نقلا عن مراسلها هاريس، الذي أجرى أول حوار مع المولى عبد الحفيظ، بعد وصوله إلى السلطة، وتزامن حزمه لأمتعته في فاس بعد انتهاء مهمته الصحافية في القصر الملكي، مع أيام عيد الأضحى التي دعاه السلطان رسميا إلى قضائها في المغرب، قبل العودة إلى لندن. يقول: «بدأت للتو أيام «العيد الكبير»، ولا يستطيع أي مغربي أن يسافر في الأيام الثلاثة الأولى للاحتفال. المخازنية استولوا على كافة الحيوانات لاستعمالها في رحلة السلطان إلى الرباط. بعد كثير من المتاعب، استطعت استئجار خمس دواب بسعر باهظ، وسأبدأ الرحلة يوم الخميس.
صباح الثلاثاء، الخامس من يناير، بدأت رحلة العودة.
اليوم هو ثاني أيام العيد، واليوم الذي قبله شهد إعطاء السلطان لانطلاقة العيد.
في باحة القصر، وأمام حشد من الوزراء وكبار القوم والمخازنية والقياد، يذبح السلطان كبشا يحمله أحد العبيد في ما بعد إلى داخل القصر مسرعا إلى مزار المولى عبد الحفيظ. إذا أوصل الكبش حيا، فإن السنة المقبلة ستكون موفقة بالنسبة إلى السلطان. وإذا مات الحيوان في الطريق إلى الداخل، فإن العبد الأسود يواجه مصيره غير الموفق.
لا حاجة هنا إلى القول بأن الضغط على شرايين الحيوان، سيجعله بلا شك يصل إلى الداخل حيا. ثلاثة أيام بعد ذلك يتواصل ذبح الخراف، كل عائلة لديها خروف أو أكثر لذبحه. تنزع الجلود وتعطى لأناس يلبسونها ويجوبون بها راقصين شوارع تفوح برائحة الدم.
لقد أنذرت ألا أسافر خلال هذه الفترة، لكنني فضلت الخروج باكرا من فاس، خصوصا بعد تجربة الحادث التي جعلتني غير مرتاح للبقاء.
ساعة بعد خروجي من فاس، اتبعنا الطريق العادية والمعروفة، لكنني أقنعت محمد بصعوبة أن نستدير بحدة إلى اليمين وأن نتدرج في طريق «ولاد جمعة». الجبالة والريفيون الذين يسكنون هذا الإقليم دخلوا في ثورة مفتوحة، ويعتبر المرور من هناك خطرا كبيرا. أكد لي محمد أن الهضاب كلها موبوءة بقطاع الطرق، ويمكن أن نتعرض للتصفية.
لكني لم أكن لأرتدع بهذا الكلام، لأن تلك الطريق كانت الأكثر هدوءا، وكان علي أن أوفر حوالي 8 ساعات في الرحلة، أي ما يعادل سفر يوم».

حزب الاستقلال دعا المغاربة في الخمسينيات إلى التبرع بجلود الأضاحي لتمويل المقاومة
علال الفاسي هو مهندس الفكرة، عندما كان يتزعم الحركة الوطنية، في أول امتحان لها على الميدان عند نفي الملك الراحل محمد الخامس في غشت 1953، وكان عيد الأضحى على الأبواب في تلك الأيام العصيبة.
كان شق من الوطنيين يدعون صراحة إلى عدم الاحتفال بعيد الأضحى، والتمرد في مظاهرات على فرنسا، واستغلال فتح المساجد لصلاة عيد الأضحى الأول في المغرب بدون السلطان محمد الخامس، لكي تصبح بؤرا لتجمعات بشرية تقود المظاهرات في مختلف المدن.
تاريخ المغرب حافل بالمناسبات التي تم فيها اللجوء إلى خدمات أيام «عيد الأضحى»، لإسماع صوت الشارع، سيما خلال سنوات الحماية.
وفرنسا، رغم حظر التجول، لم تكن لتغامر بإلغاء شعيرة دينية بهذه الأهمية، لذلك سمحت بإحياء احتفالات عيد الأضحى، لكن أغلب سكان المغرب لم يتفاعلوا بحماس مع احتفالات عيد سنة 1953، والسبب هو حالة الحزن الكبيرة في البلاد بسبب نفي الملك الراحل محمد الخامس خارج المغرب، وتجييش الحركة الوطنية لمشاعر المغاربة. وهكذا مر العيد في أجواء باهتة.
لكن خلال السنة التي بعدها، أي 1954، لجأت الحركة الوطنية إلى تكتيك جديد لتغطية مصاريف إنشاء مدارس الحركة الوطنية ضدا على مدارس فرنسا في المغرب، وأيضا مصاريف العمليات التي تشنها الخلايا السرية التابعة للمقاومة، والتي كان يباركها حزب الاستقلال، رغم أنه لم تكن أي روابط بينه وبين بعض الخلايا السرية، التي لم يكن يعرف أحد أعضاءها الملثمين.
كانت الحيلة هي تنظيم حملة شعبية في كل التراب المغربي، لجمع جلود الأضاحي وهي العملية التي تحمس لها علال الفاسي كثيرا، واستعمل ثقله السياسي والتنظيمي لكي يُنجحها في كل المدن المغربية ونواحيها. وفعلا كانت عملية ناجحة، إلى درجة أن الشوريين اتهموه في صحافة «الرأي العام»، باستعمال القوة والعنف لإجبار بعض المنازل على تسليم جلود الأضاحي، رغم أنهم كانوا يريدون الاحتفاظ بها لأنفسهم لصناعة فراش منزلي استعدادا للبرد. كانت الحالة المادية لهذه الأسر هشة للغاية، لكن الذين أشرفوا على عملية جمع الجلود، وهم استقلاليون التحقوا بالمقاومة، كانوا صارمين في تنفيذ التعليمات الحزبية، ولم يكونوا يستثنون أحدا، بل كان الامتناع عن تسليم جلود الأضاحي يعتبر خيانة للملك محمد الخامس، وتواطؤا مع الاستعمار الفرنسي. وسجل البوليس الفرنسي حالات اغتيالات بالرصاص لمواطنين مغاربة، ظهر بعد التحريات أنهم تعرضوا للتصفية الجسدية، لأنهم حاولوا معارضة حملة جمع جلود الأضاحي في أيام عيد الأضحى، ولم يكونوا يرغبون في تسليمها إلى حزب الاستقلال.
لا أحد، بما في ذلك علال الفاسي، أصدر أرقاما حقيقية لعائدات العملية ولا مقدار الأموال التي تم جمعها من بيع تلك الجلود. وحتى بعد أن عرض ترتيب أرشيف المقاومة في مقر حزب الاستقلال في حياة علال الفاسي، أي قبل سنة 1974 التي توفي فيها، لم يظهر أي أثر لعائدات تلك العملية، التي كانت أوسع عملية جمع تبرعات في تاريخ المغرب وقتها.
كانت تلك في الحقيقة عادة مخزنية قديمة أعاد حزب الاستقلال إحياءها مستعملا الوسائل العصرية في ذلك الوقت لضمان إنجاحها، عكس الطريقة المخزنية العتيقة التي كانت تعيبها نقائص كثيرة، أدت في مناسبات كثيرة إلى انتفاضات ضد خدام المخزن، انتهت بإسقاطهم من مناصبهم وتعيين آخرين مكانهم.
رمزية جلود الأضاحي، ظلت ترافق محطات كثيرة من تاريخ المغرب، وتؤرخ لفترات قاتمة من التاريخ، لم يعد الكثيرون ممن يعرفون أسرارها، يرغبون في الحديث عنها، رغم أنها تشكل لب ذاكرتنا الجماعية.

«التايمز» سنة 1907: عندما تشل الحياة بالمغرب بسبب احتفالات عيد الأضحى
عندما كان لاورنس هاريس، صحافي جريدة «التايمز»، يهم بمغادرة المغرب تزامنا مع عيد الأضحى لسنة 1907، حيث نشر آخر مقالاته في الصحيفة، قبل أن يؤلف كتابا عن رحلته العجائبية في مغرب القرن التاسع عشر، وصف بدقة أجواء العيد «الكبير» في المغرب، وحرص على نقل جوانب من احتفالات القرى المغربية، وأحاسيس الخوف الذي يعتري الأجانب في تلك الاحتفالات. إذ إن هذا الصحافي يؤكد وجود تحذيرات للأجانب من القصر الملكي، حيث إنها لا تحتمل المزاح، تؤكد ضرورة اتخاذ الحيطة في أيام احتفالات عيد الأضحى، «لأن المغاربة يصبحون أكثر عنفا ضد النصارى» في تلك الأيام.
لا شك أن هناك مبالغات كثيرة أحاطت بالموضوع، لكن رحلة «لاورنس هاريس» الذي عاد أدراجه من فاس، حيث أنجز مهمته الصحافية إلى طنجة التي سيغادر منها إلى لندن، كانت توثيقا نادرا ومبكرا لأجواء احتفالات عيد الأضحى في المغرب. يقول: «القرويون يستمتعون ببيع الطيور والبيض للمسافرين، لذلك توقعنا أن نجد الطعام خلال الرحلة. «بوسليم» يطبخ جيدا، وبطائر وبعض الأرز، صنع لنا وجبة لذيذة. كنا جميعا متعبين، ونمنا مع تمام العاشرة ليلا. نمت فوق سرير قديم، ونزعت فقط حذائي وحزامي الجلدي. العربي وبوسليم استلقيا على الأرض بجانبي. الصبي ينام في خارج الخيمة قرب البغال. اليوم الأول من الرحلة يكون دائما متعبا.
أيقظتني طلقة نارية مرعبة بعد وقت قصير من النوم. أخرجت رأسي من الخيمة ورأت عيناي منظرا مرعبا. تحت ضوء القمر، مجموعة من المتعصبين المجانين يرقصون حول الخيمة ويسبـون النصارى. ومن بينهم كان هناك 5 أو 6 يلبسون جلود الخراف التي تقطر دما. رؤوس الخراف كانت مربوطة إلى أعلى رؤوس الرجال، الذين كانوا يرتدون أقنعة مخيفة. صراخهم يصم الآذان ويجعل أجواء الليلة بشعة.
خطوت بسرعة إلى خارج الخيمة، وناديت بأعلى صوتي على رئيس القرية، لكن الجواب كان تصعيدا في الصراخ. ناداني «بوسليم» كي أرجع. «اتركهم لحالهم سيدي». «إنها الليلة الثالثة في الاحتفالات والأسوأ إنهم غاضبون الآن، ومن الأفضل أن نصمت، سيبقون على هذه الحال لساعات ولنأمل ألا يشرعوا في مهاجمتنا. الخطر الوحيد في أن يرخوا رباط الحيوانات ويتسببوا في فرار جماعي لها. إذا حدث هذا الأمر فإننا سنخسر حيواناتنا، ولن نصل أبدا إلى طنجة. دعنا نتفرج بحذر».
جلسنا إذن أمام أنقاض خيمتنا نتابع المشهد المخيف أمامنا. بعد فترة تبدد مصدر خوفنا الكبير، حتى الحيوانات أصبحت مرعوبة، مربوط بعضها إلى بعض. كان الراقصون يبتعدون ضاحكين مطلقين النار في الهواء.
كانت هناك طريقة وحيدة لإعادة الخيمة المسلوبة والحيوانات المنفلتة. أخذت مسدسي، «بوسليم»، أنا والصبي خرجنا في برودة الليل نحاول إرجاع الحيوانات المنفلتة إلى مكانها. بينما العربي ومحمد بقيا خلفنا لحراسة الخيمة. كان القمر مشعا والحيوانات متعبة، لحسن الحظ استطعنا إرجاعها جميعا وأعدنا ربطها جيدا مرة أخرى.
لم يكن هناك نوم إضافي بالنسبة إلينا تلك الليلة، ومع حلول الساعة الثالثة صباحا، جمعنا الخيمة واستأنفنا الرحلة. القرية كانت هادئة والقرويون متعبون وخلدوا إلى النوم في أكواخهم المسقفة بالقش. استيقظ الحراس الذين كانوا يحرسوننا للحصول على أجرتهم، لكنهم رفضوا مرافقتنا مسافة الياردات القليلة المتبقية لإيصالنا إلى ضفة واد سبو للعبور».
كانت هذه الأجواء كما جاء في هذه الشهادة، لليوم الثالث من احتفالات عيد الأضحى، التي لا تزال بعض طقوسها القديمة رائجة إلى اليوم.

«القايد» الذي كتب الملحق العسكري الفرنسي عن أسنانه الذهبية وتوزيعه للأضاحي
في سنة 1914، دخلت فرنسا عسكريا بشكل رسمي إلى الجنوب المغربي من خلال معارك ممتدة لبسط سيطرتها على منطقة ورزازات وبقية المغرب الشرقي. وكانت هناك لائحة بأسماء القياد، الذين تعاملوا مع الاستعمار واشتغلوا لصالح الجيش الفرنسي، ولائحة أخرى لقبائل حملت السلاح وصعدت إلى الجبال، ولم تتمكن فرنسا من تفكيك شوكتهم إلا في سنة 1933.
وخلال هذه الفترة التي تقارب العقدين من الزمن، كان على سكان المنطقة، وصولا إلى سهول سوس، أن يتعايشوا مع حالة الحصار والحرب. بما في ذلك احتفالاتهم المقدسة في عيد الأضحى.
كتب عدد من المراقبين العسكريين الفرنسيين عن تلك الفترة، ورجال المرحلة في منطقة سوس. وأحد هؤلاء المرافقين العسكريين كتب عن قائد اسمه بن لحسن، وكتب آخرون عن لقائهم به وثروته الضخمة التي كان يسيطر بها على مساحة شاسعة من سهول منطقة سوس، مطلا على نواحي ورزازات. يتعلق الأمر بالقايد بن لحسن، الذي عاش تلك الفترة وتوفي سنة 1920 وهو في سن الثمانين. هذا القايد كان يتحدث الفرنسية بصورة تجعل تواصله مع كبار الشخصيات العسكرية ممكنا، رغم أنه لم يكن يتحدث فرنسية أنيقة، إلا أنه كان يحقق التواصل مع الفرنسيين وبالتالي كان يحظى برضا أصحاب الرتب العسكرية الرفيعة.
وحسب ما أورده المرافق العسكري «لا مارتان» في مقالاته عن مهمته العسكرية في الجنوب المغربي سنة 1914، فإن القايد بن لحسن كان يفاخر بأسنانه الذهبية التي أشرف على تركيبها طبيب أجنبي، نشأت بينهما صداقة عند زيارته إلى منطقة سوس وزاره في قصره الطيني الذي كان يطل على وادي سوس، وأشرف على تركيب أسنان ذهبية له، بعد أن كان يعاني من مشاكل وآلام.
بفضل تلك الأسنان كان القايد بن لحسن يحظى بتقدير عدد من الشخصيات المحلية، بينما كان آخرون يكرهونه لأنه قام بالتطبيع مع الفرنسيين الذين خربوا المنطقة عسكريا. لكن هذا القايد كان يعرف جيدا كيف يحافظ على شعبيته في الأوساط القبلية. يقول «لامارتان» إنه أقام في قصره أيام عيد الأضحى لسنة 1915، ورأى كيف كان الرجل يذبح عددا هائلا من الأضاحي ويوزع عددا أكبر، يوما واحدا قبل العيد، في سنة عانى فيها الجميع من الجفاف. كان لديه أيضا خزائن من الأموال، يكلف بحراستها قبيلة من أصهاره، يسيطرون على الجهة الشمالية من وادي سوس، وكان يصرف لهم سنويا ما يعيلهم على مقاومة الجفاف الشديد، في مقابل حراسة ثروته. يقول السيد لامارتان: «تزامن عيد المسلمين الكبير مع موجة جفاف غير مسبوقة، زاد الحصار في تأزيمها. فقد كانت تعليمات «مسيو لابون» أن يتم تشديد الحصار على قبائل متمردة وقطع منابع المياه عنها، بالإضافة إلى منع تمرير الحبوب والقطاني إلى القبائل الموالية لها. وتزامن عيد الأضحى مع حصارها.
وفي المقابل، بمجرد قطع وادي سوس، تجد رجال القايد بن لحسن فوق خيولهم السوداء، ونظراتهم الغاضبة، وهم في كامل لياقتهم الجسدية يبدو عليهم أثر التغذية الجيدة، لكي يرافقوا الملحقين العسكريين وكبار الضباط إلى قصر القايد لتناول وجبة الغداء.
قضينا عنده ثلاثة أيام تزامنت مع احتفالات عيد الأضحى، كانت داره الضخمة تحت تصرفنا بجميع مرافقها وخدمها. رأينا من النافذة المطلة على الساحة الكبيرة الموالية لقصر هذا القايد، وهو يشرف على عملية توزيع الأضاحي في المساء الذي سبق اليوم الأول للعيد، وفي صباح العيد كان يشرف بنفسه على ذبح مئات الخراف، التي وزع لحمها في اليوم نفسه على مئات الواقفين في طوابير الانتظار. وفي وجبة الغداء ليوم العيد، كانت غرف القصر عن آخرها تعج بأصدقاء القايد والمخازنية، الذين كانوا يعملون لديه كالكتاب وحتى القضاة الذين يفضون نزاعات الناس في الأسواق الأسبوعية. لقد كان رؤية هذه المناظر تجعل مسألة تصديق وجود موسم جفاف في المغرب ضربا من الخيال. لقد كانت تلك طريقة القايد بن لحسن لكي يقول لمنافسيه، إنه قوي وإنه سوف يبقى في السلطة لسنوات أخرى».

عندما كان عيد الأضحى مناسبة مخزنية لجمع التبرعات من خدام الدولة
كانت هناك طقوس مخزنية مرعية ظلت قائمة في المغرب إلى حدود فترة الملك الراحل محمد الخامس، ثم انقرضت بانقراض شخصيات أمثال الباشا الكلاوي وقياد آخرين، كانوا معروفين بسطوتهم وقربهم من «المخزن» في الوقت نفسه.
ولعل فترة المجد التي عاشوها مع الدولة، انحصرت في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، أي قبل نفي الملك الراحل محمد الخامس سنة 1953. فبعد العودة من المنفى كانت فترة ثلاث سنوات تقريبا التي قضاها الملك مبعدا عن العرش، كفيلة بمراجعة طقوس مخزنية عتيقة والتخلي عنها نهائيا، خصوصا وأن نوعية الرجال الذين كانوا يرعونها أو يستفيدون منها على الأصح، قد انقرضوا بدورهم.
كان الباشا الكلاوي يتوصل بأموال على شكل ضرائب يفرضها هو شخصيا، بصفته مشرفا على القضاء والأحكام بموجب ظهير سلطاني لفائدته.
وقد اتهمته صحيفة فرنسية كانت تصدر بالدار البيضاء، يديرها الصحافي والمرافق العسكري الفرنسي غوستاف بابين، الذي سبق له أن التقى الباشا الكلاوي في سنة 1914، في إطار مهمته العسكرية في منطقة الأطلس، بأنه كان يختلس أموال الضرائب والهدايا التي تجمع في عيد الأضحى من كبار رجال القبائل والتي يهدونها إلى الدولة في تلك المناسبة، ويحتفظ بها لنفسه.
لم يرد الباشا الكلاوي على تلك الاتهامات، وإنما رد عليها بعد وفاته الكاتب الاسكتلندي المعروف غافين ماكسويل في كتاب «لوردات الأطلس»، وتحدث عن الطقوس «الأسطورية» لاحتفالات الباشا الكلاوي بعيد الأضحى، وتوجهه من مراكش في أيام العيد إلى القصر الملكي بالرباط، لكي يهنئ السلطان محمد الخامس شخصيا بمناسبة عيد الأضحى، بل إنه صلى معه صلاة العيد تاركا خلفه مراكش، حيث عائلته والقبائل التي كان يسيطر عليها، مفضلا أداء صلاة العيد مع السلطان، مقدما هدايا ثمينة جدا للدولة عربونا على وفائه للعرش.
حكى غوستاف بابين، في صحيفة «لو كازابلونكي» سنة 1933، أن الباشا الكلاوي في شبابه قد قدم لتهنئة السلطان الشاب محمد الخامس بعيد الأضحى. وقال إن الباشا رغب في إبراز مكانته القبلية وقوته وسطوته، وحاول أن يتحدى التقاليد وتجرأ على تجاوز الترتيب وتحدى «قائد المشور» وهو موظف مخزني يتوارث المنصب في القصر الملكي، ومهمته هي ترتيب زوار السلطان، وفق التقاليد المخزنية المرعية التي كان التهامي الكلاوي يعرفها جيدا، بل ويحفظها عن ظهر قلب. قال «بابين» إن الباشا الكلاوي كان مغرورا ومندفعا وحاول تجاوز بقية القياد والأعيان الذين جاؤوا لتهنئة السلطان بعيد الأضحى، وتمشى أمامهم بثقة محاولا تجاوز البوابة التي يحرسها قائد المشور، فما كان منه إلا أن جر الباشا بعنف من جلبابه، الذي استحال لونه الأبيض الناصع إلى سواد قاتم بسبب تراب الأرضية، التي سحبه فوقها قائد المشور.
هذا المشهد السوريالي كذبه «غافين ماكسويل» حرفيا، وقال إنه ليس واقعيا. إذ إن الباشا الكلاوي لم يكن بذلك التهور الذي يجعله يتمادى إلى درجة احتقار التقاليد المخزنية، سيما وأن الأمر يتعلق بتقديم التهاني للسلطان شخصيا، وفي قلب القصر الملكي. يقول ماكسويل إن بابين اختلق القصة من عنده، وإنه ليس هناك أي شهود على الواقعة، ولو أنها وقعت فعلا، لكانت حديث الأعيان والمخزنيين لسنوات طويلة، وليس لأيام فقط.

«العيد الكبير» قبل أربعة قرون.. جلود الأضاحي لحماية حدود المغرب
في أيام المولى إسماعيل، عندما كانت مكناس عاصمة للمغرب، كانت هناك عادة مخزنية تقضي بجمع جلود الأضاحي، إذ يتم بيعها إلى أثرياء المغرب وقتها من تجار الجلود في فاس، حيث يشرف بعض خدام المخزن على عملية الجمع من مناطق مختلفة في المغرب، ويستعمل العنف في أحيان كثيرة لإجبار بعض القبائل على تقديم كل ما لديها من جلود، إذ تصادر ليتم خزنها في دار المخزن. واستمر هذا التقليد بطقوسه نفسها إلى حدود سنة 1727، وهي السنة التي توفي فيها المولى إسماعيل.
وحسب ما ذكره المؤرخ المغربي الراحل عبد الهادي التازي، فإن المولى إسماعيل كان يحتاج إلى سيولة في عز سنوات الجفاف، لكي يستمر تمويل الجيش المغربي الذي كان من أقوى جيوش شمال افريقيا في ذلك الوقت. وأيضا لسد مصاريف عمليات التصدي للتمردات، التي كانت كثيرة جدا في عهد المولى إسماعيل.
إذ كانت فرق الجيش السلطاني تحارب على جبهات في جميع الاتجاهات لصد تمرد القبائل المغربية في سوس، وفي عبدة ودكالة، وحتى في مركز السلطة في بعض الحالات. وكانت هذه العمليات كلها تتطلب مصاريف كثيرة، رغم أن العادة جرت أن يتحمل بعض الأعوان مصاريف الجيش في المناطق التي يمر بها. لكن مع توالي سنوات الجفاف، بلغ إلى علم المولى إسماعيل أن الجيش يستغل أحيانا الظرفية، وتسجل عمليات نهب وتخريب لقبائل رفضت تأمين مأكل ومشرب الجيش المغربي، أثناء مروره بتلك القبائل في اتجاه التمرد لإخماده، فإذا به يصبح أمام تمرد جديد للقبائل، التي لم يكن لديها ما تطعمه للجيش.
كان الحل هو تجميع جلود الأضاحي من مناطق مختلفة من المغرب، بمساعدة أعوان السلطة وموظفين كلفهم المولى إسماعيل شخصيا بتلك المهمة، وتخزينها ثم بيعها إلى تجار أثرياء بمكناس وفاس، كانوا من خاصة السلطان ورجال ثقته.
يقول عبد الهادي التازي أيضا إن السلطان المولى إسماعيل تلقى اقتراحا من تجار يهود مغاربة بفاس، يتمثل في تصدير تلك الجلود إلى دول بعيدة لاستعمالها صناعيا، وهكذا درت أرباحا مضاعفة على خزينة الدولة في تلك الفترة، حيث تم شحنها بحرا لتباع إلى تجار أجانب كانوا يضعون ممثليهم في المغرب، قبل حتى أن تتأسس مدينة الصويرة. فالفترة التي نتحدث عنها كانت سباقة لميلاد ميناء الصويرة، الذي تشكل أساسا من التجار اليهود، لكي يحسنوا أداء الاقتصاد المغربي ويجعلوا مدينة الصويرة قطبا اقتصاديا مغربيا خالصا.
تكررت مثل هذه المحاولات بعد عهد المولى إسماعيل، واكتشف المولى عبد الرحمان أن موظفيه كانوا يسرقون من أموال الجلود التي تشحن بحرا، بتواطؤ مع تجار يهود وأجانب، وسن عقوبات جديدة في هذا الصدد، قبل أن يتم إلغاء هذا التقليد المخزني، ويعود إلى الواجهة في عهد المولى الحسن الأول سنة 1878، عندما أشار إليه بعض الوزراء باللجوء إلى جلود الأضاحي لرفع منسوب مداخيل الدولة، بعد أن عجز في تلك السنة موظفو المخزن وأعوانه عن استخلاص الضرائب من المغاربة، لأنهم ببساطة كانوا يعانون من الجفاف الحاد. وهكذا بدا واضحا أن جلود الأضاحي أنقذت المغرب في مناسبات كثيرة، وعاد العمل بتلك «السنة» في مناسبات، لعل آخرها كانت قبيل حصول المغرب على الاستقلال.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق