الرأي

فرنسا.. كورونا ومعاداة السامية والإسلام

بشير البكر

تحدثت وسائل إعلام فرنسية عن مؤشرات إلى «معادة السامية»، خلال التظاهرات ضد التصريح الصحي، والتي تنظمها، كل يوم سبت، جمعية الرقم الأصفر، المنبثقة عن حركة السترات الصفراء، الاحتجاجية. وحذرت جمعيات ومتخصصون من أن الكراهية لليهود تنتشر، وتتناقلها مواقع التواصل الاجتماعي، ويستخدم بعض المتظاهرين شعارات ذات قيمة رمزية، مثل نجوم صفراء على الصدر، أو صلبان معقوفة مصنوعة من حقن تلقيح ضد «كوفيد- 19»، بما ينتقص من وحشية النازيين. وقالت وكالة الصحافة الفرنسية إن لافتات معادية للسامية، ظهرت في تظاهرات السبت الماضي، تحمل اتهامات إلى مسؤولية اليهود في الأزمة الصحية. وفي الوقت الذي يبدو مستغربا ربط كورونا بمعاداة السامية في فرنسا، تبدي الجمعيات المعادية للعنصرية قلقها. وقال رئيس منظمة «أس أو أس راسيسم» الفرنسية المعادية للعنصرية، دومينيك سوبو: «خلال حركة السترات الصفر كان التعبير عن معاداة السامية يتم على هامش التظاهرات، أما الآن، فإن حاملي اللافتات لا يختبئون، ولا يبدي المتظاهرون الآخرون أي رد فعل». ولفت المؤرخ مارك نوبل إلى أن الأمر يجري وفق استراتيجية تقليدية، يستخدمها اليمين المتطرف، لتعيين كبش محرقة من دون تسميته بشكل مباشر. ويعتبر متخصصون في الدعاية العنصرية والمعادية لليهود على الإنترنت، أن الوباء مع ما يحمله من مخاوف وغموض حول المستقبل، «جرى توظيفه لأغراض معادية للسامية». ويقوم بذلك ناشطون من اليمين المتطرف أو المعادين للسامية كيفوا خطابهم لتضمينه أفكارا مسبقة، مثل اتهام اليهود بالتلاعب بالسلطة، وجني أرباح بفضل اللقاحات، والسعي إلى تسميم المواطنين.
وبغض النظر عن حجم هذه الظاهرة، ومدى تأثيرها، فإنها تستحق وقفة خاصة، مع الإشارة، قبل كل شيء، إلى أنها ليست الأولى من نوعها، وهي عابرة للطوائف، لا تتناول الطائفة اليهودية وحدها، بل تتجاوزها إلى طوائف أخرى، ومنها الإسلام الذي يشكل ما يشبه حقل الرماية المفتوح لشتى الحملات العنصرية، وفي المناسبات كافة. وبقدر ما تستوجب الحملات المعادية للسامية واليهود الاستنكار والإدانة، فإن ذلك يستدعي اتخاذ الموقف ذاته من الإساءة للديانات الأخرى، والتعامل معها على القدر نفسه من المساواة والاحترام، وهذا أمر تتحمل الدولة المسؤولية الأساسية عنه، وهي مطالبة باتباع إجراءات شبيهة بالتي تعاقب الذين يتناولون بسوء الديانة اليهودية، لأن ما يتعرض له الإسلام من هجمات بات ثقافة دارجة شبه يومية، يتم تداولها من خلال وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وهي تتلطى وراء المواقف الرسمية حيال الإسلام. ومن المؤسف أن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، خاض في هذه المسألة على نحو سطحي من خلال تصريحاته الشهيرة عن «الإرهاب الإسلامي». وعلى الرغم من ردود الفعل ضده، لا يزال ماكرون يصر على استخدام هذا التوصيف. وجرى ذلك في خطابه الأسبوع الماضي عن الوضع في أفغانستان. ويزداد التحرك أهمية اليوم من أجل المطالبة بتشريعات فرنسية تحد من تناول الإسلام على نحو سيئ في الإعلام، بالنظر إلى مناسبتين: التطورات في أفغانستان، وهذه مناسبة ثمينة لليمين المتطرف للتحريض ضد المسلمين، وتصفية حسابات مع الإسلام، والعمل على وصمه بالإرهاب، من خلال نبش ملفات تنظيم القاعدة، وهجمات «11 شتنبر» في 2001. الانتخابات الرئاسية والتشريعية في فرنسا في ماي المقبل. وحتى ذلك التاريخ، سيكون الإسلام حاضرا بقوة داخل الحدث الفرنسي، وسيخضع لسوق المزايدة الانتخابية التي لا تقتصر على اليمين المتطرف وحده، بل كل القوى المتنافسة التي يعتاش بعضها على «الإسلاموفوبيا» منذ عدة سنوات. ويتطلب ذلك موقفا إعلاميا عربيا لمواجهة الحملات ضد العرب والمسلمين وترويج الصور النمطية والمعلومات المضللة، كما يستدعي تحركا عربيا رسميا نحو باريس، من أجل موقف رسمي يحترم الإسلام الذي يشكل الديانة الثانية في فرنسا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى