الرأي

قراءة في انتخابات تونس

محمد كريشان
فاز حزب يميني (محافظ أو تقليدي) هو حركة النهضة بالمرتبة الأولى، لكن هناك تيارا على يمينه (ائتلاف الكرامة) ظفر أيضا بعدد مقاعد لا بأس به، في حين غابت أحزاب اليسار بالكامل ومنيت بهزيمة تاريخية كبرى، مما جعل زهير حمدي أحد قيادات هذا التيار يقول: «خسرنا المعركة، ليس العيب في مشروعنا، بل العيب فينا نحن لأننا لم نتكيف مع الواقع المتحول». وبين اليمين واليسار طائفة من الألوان يمكن أن نطلق عليها تسميات مختلفة من الوسط إلى يسار الوسط أو يمينه أو غير ذلك، فقد تعدد التلوينات في برلمان تونس الجديد، مع تحدي إيجاد تصنيف دقيق لحزب «قلب تونس»، الذي حل ثانيا.
حزب النهضة ما زال في المرتبة الأولى، أو بالأحرى استعادها بعد أن كان حل ثانيا في انتخابات 2014 وراء حزب «نداء تونس»، الذي أسسه الراحل الباجي قايد السبسي، ولكنه خسر الكثير ممن صوتوا له طول السنوات الماضية، فقد تراجع من 89 مقعدا في انتخابات 2011 إلى 68 في انتخابات 2014، إلى ما فوق الخمسين في الانتخابات الأخيرة، مما يعني مبدئيا أن حجم التعاطف الشعبي الذي كانت تحظى به بعد الثورة انحسر تدريجيا، فلم يبق من المصوتين لها إلا مناضلوها الحزبيون في المقام الأول.
حزب «قلب تونس» الذي فاز بالمرتبة الثانية، الذي يوجد زعيمه المرشح للرئاسية رهن الاعتقال بتهم تهرب ضريبي وتبييض أموال، هو حزب تأسس «على عجل» مثل حزب «نداء تونس» من قبله دون أرضية فكرية واضحة أو ماض نضالي معين، وقد ينتهي به الأمر إلى نفس ما انتهى إليه حزب قايد السبسي، لأنه خليط هجين يكاد يكون نسخة معدلة ومنقحة من «نداء تونس»، الذي يكاد يكون الحزب الأول في العالم الذي يتحول بين موعدين انتخابيين متعاقبين من المرتبة الأولى إلى الأخيرة!
حركة «تحيا تونس» لرئيس الحكومة يوسف الشاهد لم تحصل على ما كانت تطمح إليه، مما حدا بسمير عبد الله أحد قيادييها إلى الاعتراف بأن «النتيجة لم تكن في حجم تطلعاتها، لكن تعتبر بكل المقاييس إنجازا مهما وهي التي تركزت عليها كل القذائف وحملات الشيطنة».
الأحزاب التي كانت توصف بـ«الوسطية والحداثية» منيت بهزيمة قاسية، رغم ما كانت تمني به النفس من أنها خيار جيد بين «النهضة» و«قلب تونس» وأنها، كما تروج عن نفسها، الأمينة على مكتسبات تونس وعلى مدنية الدولة وضمان الحريات العامة والفردية وقيم الانفتاح ونبذ التعصب.
الإيجابي في انتخابات تونس الأخيرة أنها أظهرت أن ليس بالصوت العالي وبالتعبئة الإعلامية يمكن تحقيق كل شيء، فبعض من لمّعتهم ماكينة إعلامية لا تكل لم يحققوا شيئا، في حين حقق من تعرض لهجومات عديدة، عن حق أو باطل.
الرهان المقبل في تونس بعد تشكيل الحكومة وانتخاب رئيس جديد للبلاد، الأحد المقبل، أن يشمر هؤلاء الذين اختارهم الشعب عن ساعد الجد، وأن يركزوا كل جهدهم على إعادة هيبة الدولة والقانون، والتوجه بكل ثقلهم إلى محاربة الفساد الذي استفحل في البلاد بطريقة مخيفة ومعقدة، تهدد استقلالها ومناعتها الاقتصادية والتنموية والأمنية كذلك. هناك أيضا ضرورة ملحة لمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المستفحلة من غلاء معيشة وتفشي البطالة، بحيث يلمس المواطن في القريب العاجل تحسنا واضحا على هذا المستوى، وكذلك على مستوى البنية التحتية والخدمات العامة.
يفترض الآن أن تصبح وراء ظهور التونسيين وطبقتهم المناكفات الإيديولوجية والصراعات الحزبية، التي أججها إعلام خاص تثار حوله أكثر من شبهة وتساؤل، وأن يكون تحدي التنمية وتحسين الاقتصاد ورفع قيمة العملة الوطنية هو التحدي الأبرز والامتحان الحقيقي للجميع. لقد كانت نسبة المشاركة الضعيفة في الانتخابات، جرس إنذار للجميع، بحيث لا بد من استعادة ثقة الناس في الأحزاب والسياسيين، الذين أصبحت النظرة العامة إليهم هي أنهم مجرد طلاّب سلطة انتهازيين.. فهل يمكنهم رسم صورة أخرى مغايرة في السنوات الخمس المقبلة؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى