الرئيسيةالملف الأسبوعي

قصص الأيادي البيضاء للملوك الثلاثة على أهل الفن

فنانون في رعاية القصر

ظل الزعماء ينتزعون من وقتهم مساحة زمنية للاستمتاع بساعات طرب وغناء، فالسياسة تحتاج إلى عزف يخفف من شحنات التوتر الذي يسكنها. أغلب القادة أدركوا أن الفن قوة ناعمة يمكن أن تساهم في تحقيق السلم الاجتماعي، وبعض الزعماء استخدموه كأداة قوية للتأثير، ففي وقت الحرب حمل الفنانون على عاتقهم مهمة التحفيز وبث الروح الوطنية وتجهيز المواطن للمعركة، والإشادة بانتصارات الجيش ورفع الروح المعنوية لجنوده، وفي وقت السلم يصبح هدفهم الأساسي نهضة وبناء الوطن.
وللوقوف على قيمة الفن والفنانين، حكاية رواها الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر تعود إلى نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، عندما فوجئ وهو في ضيافة الملك محمد الخامس بمواطن مغربي وقف لتحيته في الشارع العام، وعندما سمح له بمصافحته همس له المغربي قائلا: «سيدي الرئيس هل يمكن أن توصل سلامي للفنان إسماعيل ياسين؟». استوعب عبد الناصر الرسالة جيدا وآمن بأن الفن قوة حقيقية. واعترف الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي بأن التونسيين لا يشاهدون نشرة أخبار تلفزيون تونس، لأنها تتزامن مع حلقات درامية مصرية في إشارة إلى مسلسل «ليالي الحلمية»، لكن الملك الحسن الثاني كان صادقا حين وصف الفنانين المغاربة بـ«السفراء».
لكن العديد من الفنانين عاشوا في نهاية مسارهم أزمات حقيقية، وغالبيتهم ماتوا وهم يلعنون مهنة بلا ضمانات، وحين فطنت الحكومات المتعاقبة على الشأن الثقافي للمشاهد الدرامية في حياة الفنانين قررت سن قانون الرعاية الاجتماعية اعترافا بجهودهم في الحفاظ على الهوية المغربية والقيم الثقافية والحضارية للمجتمع المغربي.
أحيانا تتدخل النقابة المغربية للفنون الدرامية، لتنبيه المجتمع لوضعية صحية مزرية يعيشها فنان صنع الفرجة وأصبح في نهاية المطاف فرجة رخيصة للاهثين وراء إعلام الإثارة، وأحيانا يتدخل القصر الملكي لتدارك الموقف وتقديم الرعاية لمن أسعد يوما الشعب.
في ملف الأسبوع، سنتوقف عند حالات إنسانية لفنانين امتدت إليهم الأيادي البيضاء لملوك المغرب، ورافقتهم في أصعب أنفاق الألم، سنكتفي بسرد بعض الحالات أمام اتساع رقعة المشمولين بعطف القصر.

الملك يتكفل بعلاج ثريا جبران المناضلة من أجل بطاقة الفنان
غابت سنوات عن الأنظار ولم يظهر لها أثر إلا حين تداولت الصحافة الوطنية خبر وجودها في إحدى مصحات الدار البيضاء، إذ منذ أن غادرت الحكومة وهي تحرص على أن تعيش في الظل وتقضي ما تبقى من أيامها في بيتها.
لم تقض ثريا جبران وقتا طويلا في المصحة حيث توفيت مساء الاثنين الماضي، بعد صراع مع مرض السرطان، حيث تكفل الملك محمد السادس بجميع مصاريف العلاج، لكن القدر كانت له كلمة أخرى. وفي رسالة عزاء ومواساة بعثها العاهل المغربي لأفراد أسرة الفقيدة، وصف رحيل ثريا بالخسارة الكبرى لعائلتها الصغيرة وللأسرة الفنية المغربية بصفة عامة، «التي فقدت برحيلها فنانة وممثلة متميزة، يشهد لها الجميع بعطائها الغزير وبمساهمتها الفعالة والجادة في تطوير وإشعاع الفن المسرحي والسينمائي ببلادنا، وفي خدمة المجال الفني والثقافي الوطني، لما كانت تتحلى به من خصال إنسانية عالية، ولما عهدناه في شخصها من تفان ونكران ذات، سيما خلال مزاولة مهامها الحكومية».
علاقة ثريا بالمرض ليست وليدة هذا العام، فبعد أن داهمها المرض وأصبحت زبونة للمصحات، طلبت وهي وزيرة الثقافة من الملك محمد السادس، إعفاءها من مهام لا تملك القدرة الجسدية والذهنية لممارستها، واختارت المغادرة الطوعية، كي تتفرغ للعلاج. استجاب القصر للملتمس وتم تعويضها في تعديل حكومي صيفي ببنسالم حميش. لكن الملك أثنى عليها ففي زمنها القصير أصدرت الدفعة الأولى من بطاقة الفنان، وأصرت على أن يتم التسليم تحت قبة البرلمان لما له من دلالات رغم أن مقامها في الوزارة لم يتعد العامين.
بعد حصولها على المغادرة الطوعية، تحررت ثريا من عبء المسؤوليات، وأصبحت تزور بانتظام الفنانين طريحي الفراش في المغرب وخارجه. تقول ثريا جبران إنها سافرت إلى مصر حين علمت بأن الفنان نور الشريف بين الحياة والموت: «عندما زرته في بيته قبل رحيله، حدثني مجددا عن توشيحه وأبى إلا أن يطلعني على صورتي ابنتيه بتوقيع جلالة الملك وعلى الوسام وهو يؤكد اعتزازه به. بل قال لي بالحرف: «لكم ملك عظيم وأنتم محظوظون به، فكونوا دائما إلى جانبه». كما استضافت عدة فنانين أجانب في بيتها. بل إنها تحولت إلى ممرضة حين اشتد مرض الطيب الصديقي وظلت على تواصل مع الديوان الملكي حول أحواله حيث تحمل الملك محمد السادس نفقات علاجه إلى أن أسلم الروح لبارئها.

الحسن الثاني يكلف طاقمه الطبي بإسعاف عبد الحليم حافظ
بقرار من الرئيس المصري أنور السادات وضع الدكتور هشام عيسى الاختصاصي في أمراض الكبد، رهن إشارة الفنان عبد الحليم حافظ، بعدما قضى هشام فترة طويلة ضمن الطاقم الطبي للرئيس جمال عبد الناصر، مع تمكينه من التفرغ الوظيفي لأنه كان يشتغل بموازاة مع ذلك في إحدى المصحات العمومية.
قال عيسى إنه أصبح مرافقا للعندليب في كل أسفاره وفى بيته وفى حفلاته وكان على استعداد لمواجهة أي طارئ في حالته الصحية، وأشار في كتاب حول علاقته بالفنان الراحل اختار له كعنوان «أنا وحليم»: «كنت في جميع رحلات عبد الحليم أستنفر متبرعين جاهزين لنقل الدم له أثناء الحفلات وكنت أحجز لهم في الصف الثالث تحسبا لأي نزيف يتعرض له حليم».
في آخر زيارة قام بها عبد الحليم وطبيبه إلى المغرب، كتب لهشام أن يلتقي الملك ويتحدث إليه، «لن أنسى أبدا المرة الأخيرة التي زرت فيها المغرب، يوم هاجم النزيف اللعين بصورة مفاجئة ومزعجة عبد الحليم، كان الملك قلقا جدا من أجله حيث دعا طاقمه الطبي لمساعدتي على إسعاف العندليب، وأعطى تعليماته لمستشاريه بنقله فورا إلى مستشفى فرنسي. وظل يتابع أخبار المحاولات المتكررة لوقف النزيف الذي لم يهاجمه أبدا من قبل بمثل هذه الشراسة. طلب من مستشاره تحضير طائرة خاصة على الفور وأصر على أن تكون مزودة بكل وسائل العلاج الطبي لكي أواصل عملي على طول الرحلة إلى باريس».
كشف الطبيب الخاص للفنان المصري عن مواقف طريفة مع الحسن الثاني، الذي كان يذكره بأنه طبيب لكل الفنانين المصريين، وظل يسخر من كونه الطبيب الوحيد الذي يكون في حالة تأهب حين يكون عبد الحليم يؤدي أغانيه، وشبهه بطبيب الفرق الرياضية.

عبد العظيم الشناوي لرفاقه: أملك تغطية صحية ملكية
أصيب الممثل المغربي عبد العظيم الشناوي بوعكة صحية استدعت نقله إلى المستشفى، وما أن علم الملك محمد السادس بالخبر حتى تكفل بمصاريف علاجه. اطمأن عبد العظيم على الجانب المالي للعلاج وقال: «أنا الحمد لله عندي تغطية صحية من قبل جلالة الملك، فهو الذي يقف بجنب الفنان والأديب والرياضي في محنته».
أصيب الشناوي بفشل كلوي ودخل مرحلة تصفية الكلي ثلاث مرات في الأسبوع، ورغم ذلك ظل يواصل عمله كفنان في عز أزمته الصحية، إلى أن لفظ أنفاسه ويفارق الحياة عن عمر يناهز الثانية والثمانين، وهو يحافظ على ابتسامته.
ليس الشناوي مجرد ممثل على خشبة المسرح، فقد جمع بين الإعلام والفن، كما جمع بين عشق المدينة القديمة التي ولد فيها، ودرب السلطان الذي ارتبط اسمه به، كما نهل من الرواد ليروي من معينه باقي الأجيال.
وحسب عزيز المجدوب، صديق الراحل عبد العظيم، فإن المسرح المغربي لم يستفد من الشناوي الذي راكم تجارب عديدة ممن سبقوه. «في أواخر 1959 أتيحت لعبد العظيم الشناوي فرصة للدراسة بمصر، فاختار دراسة السينما. قضى الشناوي سنتين بالقاهرة حصل فيها على دبلوم في الإخراج المسرحي، إلا أنه سرعان ما أخفى هذا الدبلوم مباشرة إثر عودته إلى المغرب، بعد أن تبين له أن ظروف النهضة السينمائية، التي كان ينشدها لم تكن متوفرة، في الوقت الذي كانت فيه الحركة المسرحية منتعشة».
مات رائد فرقة «الأخوة العربية» عبد العظيم الشناوي في انتظار تخليد اسمه على أحد المسارح.

محمد الحياني يقضي أربعة أشهر بمصحة باريسية على نفقة القصر
مند ولادته عام 1943، بحي درب السلطان الشعبي في الدار البيضاء، كانت أحلام التألق الفني تسكن محمد الحياني الذي عاش طفولته مولعا بالغناء وظهر ولعه هذا وهو في فصول الدراسة، وهو الحلم الذي عززه بتكوين جاد في معهد الموسيقى بالرباط، لينتقل مباشرة من المعهد إلى العمل والمساهمة مباشرة في العطاء الغنائي الذي كان الجوق الوطني للإذاعة المغربية يقدمه.
لكن القدر شاء أن يدخل الفنان الحياني المصحات وهو في أوج عطائه، تعددت الروايات في شأن مرض أيقونة الغناء المغربي الفنان محمد الحياني، حيث تحدث بعض الباحثين عن خطأ طبي، وقيل إنه تأخر في الانتقال إلى فرنسا للعلاج لأنه كان حريصا على مواجهة آلامه في صمت، لكن القدر شاء أن تكون نهاية أجله في التاريخ الذي اختاره رب السماء.
بعدما تردد على الأطباء تبين أن الألم الذي يعتصر أحشاءه مصر على الاستمرار في إنتاج الوجع، حينها قرر الملك الحسن الثاني ترحيله إلى إحدى المصحات الفرنسية لاستكمال العلاج الذي سيطول. قضى محمد الحياني قرابة أربعة أشهر في المصحة الباريسية وتحمل القصر مصاريف العلاج، لكن بين الفينة والأخرى كان يلحن أغنية إهداء لابنته ولعشاقه المغاربة، تعهد بأن يغنيها في عيد ميلاد وحيدته.
عاد الحياني إلى المغرب بعد أن تحسنت أوضاعه الصحية، لكن الأطباء نصحوه بقضاء فترة نقاهة في مستشفى السويسي بالرباط، حيث كان يتردد على غرفته حشد كبير من الفنانين والمحبين وأفراد أسرته، لكن بعد ثمانية أيام لفظ آخر أنفاسه، حيث أعلن عن وفاته صباح يوم الأربعاء 23 أكتوبر سنة 1996، عن عمر يناهز 49 سنة، ويروى أن الملك الحسن الثاني أمر بالتكفل بمراسيم الدفن وإقامة جنازة «مخزنية» للراحل في اليوم الموالي لوفاته.
يقال إنه كان يواجه آلامه بأغنية يقول مطلعها:
يا دموعي يا أغلى ما عندي
سيلي رخيصة ما كاين باس
حتى ندوب حتى يتقادى جهدي
ونولي دموع في عيون الناس
وما كاين باس.

الملك يقترح إرسال البسطاوي لمصحة باريسية عند الضرورة
قالت سعاد النجار، زوجة الفنان محمد البسطاوي: «ما خصني حتى حاجة.. كلشي موفرو لي سيدنا معنويا وماديا»، نفس الإحساس غمر أبناء الفنان المغربي منذ أن تكلف جلالة الملك محمد السادس بتكاليف علاج البسطاوي بالمستشفى العسكري بالرباط، «إنه ملفوف بكل أنواع العناية».
شعر محمد البسطاوي بنوبات ألم، وسقط على الأرض مغمى عليه، أثناء تصويره لأحد الأعمال الفنية الجديدة، بعد أن بذل جهدا كبيرا، ما أدى إلى نقله مباشرة للمستشفى العسكري بالرباط، حيث خضع للعلاجات الضرورية التي أكدت أن الفنان كان يتعامل مع مرضه باستخفاف.
لم يمهله الموت كثيرا، فبعد 23 يوما فقط على تدهور حالته، ودخوله المستشفى العسكري في مدينة الرباط، ظلت زوجته الفنانة سعاد النجار تستقبل زواره في المستشفى وتدعوهم للدعاء لأخيهم البسطاوي الذي ازدادت حالته تعقيدا، بل إن الأطباء أكدوا أن له موعدا مع الموت بعد أن دخل في مرحلة جد حرجة. رغم ذلك قرر الملك محمد السادس تحمل مصاريف العلاج وطلب موفد القصر من إدارة المصحة إرسال البسطاوي إلى مصحة باريسية، إذا كان الأمر يقتضي ذلك لكن الحالة الصحية للفنان كانت جد حرجة.
في صبيحة يوم الأربعاء 17 دجنبر، سمعت طرقات على باب بيت الفقيد في المدينة القديمة لسلا، كانت زوجته حينها تؤدي صلاة الفجر، وتبين أن الطارق يحمل خبر وفاة الفنان البسطاوي، فانتابت الأسرة حالة ارتباك، وشرع الجميع في ترتيب مراسيم استقبال الجثمان.
نزل خبر وفاة الفنان محمد البسطاوي على كافة المغاربة كالصاعقة خاصة أن شعبية الفقيد كانت جارفة تعدت كل الحدود، نظير ما كان يحظى به من حب وتقدير لدى مختلف شرائح المجتمع. وحسب التقرير الطبي فقد أصيب الراحل بسرطان «البروستات»، وقال أسامة البسطاوي، نجل الفنان الراحل، إن والده كان مصابا بمرض عضال، مضيفا أن وفاته كانت متوقعة بعد أن قضى أياما في المستشفى دون أن يسجل أي تحسن في حالته الصحية.

الحسن الثاني يشرف على علاج رئيس الجوق الوطني
غاب رئيس الجوق الوطني فجأة عن الأنظار ولازم بيته، وبين الفينة والأخرى كان يتابع أحوال فريقه المفضل الوداد البيضاوي. اجتاز الرجل وضعا صحيا صعبا، بسبب ضيق في التنفس بدأ باختناق وانتهى بمرض عضال نقل على إثره مرتين إلى مستشفى الشيخ زايد بالرباط، قبل أن يتم نقله إلى المستشفى العسكري بالعاصمة.
خضع الفنان عمرو الطنطاوي لعلاجات مكثفة، وأجرى عملية لإزالة المياه من الرئة، دون أن يتحسن الوضع، مما اضطره لإجراء عملية ثانية مكنته مؤقتا من تجاوز فترة الألم، لكن ظل يستعين بأجهزة التنفس الاصطناعي مما أكد حدة الأزمة التي يعرفها القفص الصدري للفنان المبدع، قبل أن يبادر الحسن الثاني إلى التكفل بعملية جراحية دقيقة له في إحدى المصحات الباريسية.
أدمن عمرو في أيامه الأخيرة على الاستماع للقرآن الكريم، بعد أن وجد صعوبة في القراءة بسبب ضعف البصر، وكان يقول لزائريه «أمنيتي أن أموت يوم الجمعة»، وهو ما حصل يوم الجمعة رابع ماي 2015، حين أسلم الروح لبارئها عن عمر يناهز 86 سنة، تاركا العود الذي ظل رفيق حياته في ركن من البيت.
خلال مساره المهني، التقى عمرو بعمالقة الطرب العربي وتمكن من صقل موهبته في فرنسا والجزائر، لينهل من جميع المدارس، وهو ما حوله إلى هرم مغربي في عالم الموسيقى، فنال وسام الاستحقاق من شاه إيران في مهرجان «شيراز»، ونال أيضا وساما من الملك الراحل الحسن الثاني، هذا الأخير الذي كان حريصا على دعم رجال ونساء الطرب، بل إنه تحمل نفقات العملية الجراحية التي خضع لها الطنطاوي في فرنسا.

الملك يسدد ديون مايسترو رقصة أحيدوس لدى المصحة
توفي فجر يوم الجمعة 18 فبراير 2017، المايسترو موحا والحسين أشيبان المعروف بمايسترو رقصة أحيدوس، عن سن يناهز 113 سنة، ويعتبر موحا والحسين أشهر مؤدٍّ للرقصة الاستعراضية الأمازيغية أحيدوس، وهي رقصة تراثية ذات طابع فلكلوري. ووري جثمان الفقيد الثرى بالمقبرة المجاورة لمقر سكناه بنفس القبيلة بناء على وصيته في قبيلته نايت لحسن أزرو غير بعيد عن مركز لقباب التابع إداريا لإقليم خنيفرة.
كان «النسر» يردد قبل رحيله عبارة «الله يقتلنا نهار الجمعة»، فاستجابت السماء لملتمسه، حيث توفي صباح يوم الجمعة ودفن بعد العصر وتمت الصلاة على جثمانه بمسجد القبيلة، دفن جثمان الفقيد بالمقبرة المجاورة لسكناه بحضور أفراد أسرته، ووالي جهة بني ملال- خنيفرة عامل إقليم بني ملال وعامل إقليم خنيفرة ورؤساء المصالح الخارجية والمنتخبين ورجال الإعلام وممثلي جمعيات المجتمع المدني، وقلة من الفنانين كأن الجنازة هي جنازة سياسي.
قبل وفاته تكفل الملك محمد السادس بأداء شيكين سلمهما المايسترو موحى الحسين أشيبان لمستشفى الشيخ زايد بالرباط، والذي كان يواجه بسببهما عقوبة السجن. وقال لحسن أشيبان، ابن موحى الحسين، إن الملك محمد السادس تكفل بأداء قيمة الشيكين والتي تصل إلى 67300 درهم.
وتعود تفاصيل الواقعة إلى عامين، حين توجه حوسى أشيبان، نجل المايسترو أشيبان ونائبه في فرقة القباب لفن أحيدوس، لمستشفى الشيخ زايد قصد العلاج من مرض ألم به، حيث خضع لعملية جراحية كانت تكلفتها جد مرتفعة، إذ طالبت إدارة المستشفى من موحى أوالحسين أشيبان، بتأدية الفاتورة، قدم هذا الأخير شيكين كضمانة، لحين تأدية المبلغ المذكور.
اعتقد أن وزارة الثقافة قد سددت المبلغ، لكن المايسترو تلقى اتصالا من مصلحة الشرطة القضائية التابعة للمنطقة الإقليمية للأمن الوطني بخنيفرة، تخيره فيه بين تأدية ما بذمته من مبالغ مالية لمستشفى الشيخ زايد أو إصدار برقية بحث في حقه بتهمة إصدار شيك بدون رصيد. وبعد بحث لدى الوزارة تبين أن المايسترو توقف عن أداء التعويضات السنوية المقدرة بسبعمئة درهم سنويا للتعاضدية الوطنية للفنانين لأكثر من سنتين، مما أدى إلى توقف استفادته.
ولم تعرف القضية طريقها إلى الحل إلا بعد تدخل الملك محمد السادس وتكفله بدفع ما في ذمة المايسترو من ديون مستحقة عليه لمستشفى الشيخ زايد.

الحسن الثاني يساعد قارئ بيان الانقلاب على العلاج
منذ طفولته بدأ عامر معاناته مع الألم، فبعد سنوات من تمتعه بنعمة البصر، أصيب الطفل المزداد سنة 1939 بالعمى. وعلى الرغم من تعدد الفرضيات حول سبب فقدانه بصره، فإن الكاتب والصحافي لحسن وريغ، في كتابه الذي نشره حول الراحل تحت عنوان «عبد السلام عامر.. قاهر الظلام بالأنغام»، رجح، حسب ما جمعه من شهادات للمقربين من الفنان الراحل، أن يكون السبب الرئيس لإصابة عامر بالعمى عائدا لإصابته بمرض الجدري، الذي اجتاح مدينة القصر الكبير في العقود الأخيرة من القرن الماضي. بينما قال عامر في حوار سابق إن الطب الشعبي وخطأ في الوصفة حولاه من ضعيف البصر إلى أعمى.
أصيب الشاب عبد السلام عامر أيضا بمرض السل، لينضاف إلى محنه الأخرى. وبحكم عدم توفر القصر الكبير على مستشفى خاص بعلاج أمراض الجهاز التنفسي، اضطر عامر إلى السفر إلى تطوان للعلاج بمستشفى «ابن قريش».
بدأت محنة الموسيقار عبد السلام عامر، واسمه الحقيقي عمر الشولي، حين قادته قدماه في عز صيف 1971 إلى مقر الإذاعة بالرباط، هناك صادف أسوأ ساعة في حياته، وهي الواقعة التي يقول عنها صهره الطاهر عفيفي، في كتاب «عبد السلام عامر.. قاهر الظلام بالأنغام»: «ذهب عامر إلى مقر الإذاعة، هناك التقى عبد الحليم حافظ وبليغ حمدي، والذي حدث هو وصول العسكريين الانقلابيين إلى المقر حاملين بلاغا يريدون بثه على أمواج الإذاعة الوطنية، رفض عبد الحليم قراءة البلاغ، بينما نفذ عامر قرار الانقلابيين فتلاه وعلى جسده فوهة رشاش». قضى ما تبقى من حياته مهزوما، بسبب فاجعة البيان، وكان لا يغادر مسكنه في حي سباتة بالدار البيضاء إلا نادرا، قبل أن يداهمه مرض باطني، وحين علم الحسن الثاني بالخبر أمر بنقله على وجه السرعة إلى مستشفى ابن سينا بالرباط، وجاءت تعليمات ملكية للطاقم الطبي من أجل مواصلة العلاج بالرباط، أو نقل الملحن إلى الخارج إذا اقتضى الأمر. لكن الرجل لم يقض سوى ساعات على سرير المرض، قبل أن يلفظ أنفاسه يوم الاثنين 14 ماي سنة 1979. نقل جثمانه إلى مدينة الدار البيضاء بدلا من مسقط رأسه القصر الكبير، وذلك حسب وصيته، ودفن بمقبرة الشهداء، وهو لم يكمل بعد الأربعين سنة من عمره الحافلة بالمفاجآت والتحديات.

محمد الخامس يتكفل بعلاج السلاوي رغم غضب الأمريكيين
ترك الفنان المبدع الحسين السلاوي أعمالا خالدة، ما زالت تحظى بقدر كبير من الاهتمام، خصوصا تلك التي تناول فيها مواضيع اجتماعية مثل الغش، والسرقة، والخيانة، والخداع والمكر، والكذب، والغربة، إذ عانى المغرب كباقي شعوب العالم من تداعيات أزمة 1929 الاقتصادية العالمية، والحرب العالمية الثانية، التي أشار لها في إحدى أغانيه الأكثر شعبية «الماريكان».
بدأ الفتى الأسمر مساره الفني في الهواء الطلق، حيث كان يغني في «حلاقي» العدوتين. فوجد السلاوي نفسه وحيدا بعد وفاة والده وأخيه، وقرر أن يعيل أسرته باشتغاله في فن «الحلقة»، ووجد أن السفر لزيارة أكبر عدد من الساحات وأماكن التجمعات هو الوسيلة الوحيدة لإيصاله إلى الشهرة. سافر الحسين في نهاية الأربعينات إلى فرنسا، حيث كان يربطه عقد بشركة تسجيلات عالمية، استطاع معها في ظرف وجيز أن يسجل عشرات الأغاني، بشكل لم يسبقه إليه أي فنان عربي في ذلك الوقت.
اضطر الفنان الحسين السلاوي إلى العودة إلى المغرب بعد أن استبد به المرض في الديار الفرنسية. تدهورت حالته الصحية بشكل غريب ومعقد، حيث كان جسده هشا إلى درجة أن الأطباء نصحوه بالتمدد على فراش قطني، بل إن الطبيب الخاص الذي كلفه الملك الراحل محمد الخامس بإنقاذ حياة فنان الشعب، أكد في تقرير طبي بأنه لا أمل في شفائه، وأن حالته ميؤوس منها، فقد لاحظ الطاقم الطبي الفرنسي أن جسد الحسين يعرف تساقطا غريبا لجلده الذي نخره المرض، وعزا التقرير ذلك إلى انشغاله بالطرب وعدم الاهتمام بحالته الصحية. مد الملك يد المساعدة للمطرب الذي أغضب الأمريكيين بأغنيته حول «مريكان».
في أيامه الأخيرة سجل الحسين أغنية «ياغريب ليك الله» مسلطا من خلالها الضوء على معاناة المغتربين في أوربا، والتي سجلتها محطة «إذاعة لندن» فزادت من نجاحه الذي يعود إلى اجتهاده المستمر في تقديم الأحسن وحبه الفطري وولعه اللامتناهي بفنه.
لفظ الحسين السلاوي أنفاسه يوم الاثنين 16 أبريل 1951 في مسقط الرأس والقلب بسلا وتحديدا بباب سبتة، انتشر الخبر كما تنتشر النار في الهشيم وهرع آلاف السلاويين والرباطيين إلى مقبرة سيدي بلعباس لإلقاء النظرة الأخيرة على فنان استثنائي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى