الرأيكتاب الرأي

قم للمدرب

حسن البصري

حين تخرج عبد العليم من مدرسة المعلمين تأبط قرار التعيين وركب جوف حافلة حملته إلى مدرسة فرعية بعيدة تحت جنح الظلام، ولأنه كان يحلم بتدريب فريق لكرة القدم فقد شعر بأن الحلم تحول إلى سراب. بين الفينة والأخرى يركض بين الدواوير وسط سخرية كبار القوم وفي نهاية كل أسبوع يرحل إلى أقرب مدينة لمتابعة مباراة لكرة القدم ثم يعود إلى مسكنه لمناجاة فئران تعبث بدفاتره.
كان عبد العليم يجد متعة وهو يتصل هاتفيا بمحطة إذاعية لتقديم وجهة نظره في انتصار أو هزيمة، بدأت عليه أعراض التحليل الرياضي وأضحى مدمنا على تفكيك الخطط، وتبين له بعد مرور الوقت أن حلمه راقد في ملعب وأن الطباشير والسبورة يستفزانه كل يوم، وأن لازمة «قم للمعلم» أصبحت في خبر كان.
عندما تسلم أول راتب اشترى كتاب سيرة مدرب ومراجع في بيداغوجيا التدريب، وأصر على ارتداء بذلة رياضية في حصصه الدراسية ضدا على تشريعات وزارة التربية والتعليم، لكنه تمنى لو أن التلاميذ الذين يصغون إليه تحولوا إلى لاعبين.
قضى عبد العليم أربع سنوات في مدرسة فرعية وانتقل إلى مدينة في سهول الغرب، تردد على الملعب البلدي وأصبح مدربا مساعدا متطوعا، وأدمن على الاستجوابات في المواقع الإلكترونية وأصبح كائنا فايسبوكيا يحلل فيه ويحرم أحداثا رياضية برؤية مدرب سقط من لوائح هيئة المدربين.
ولأن طموحه مشروع وعشقه للخطط جارف حد الهوس، فقد كانت هوايته الثانية جمع شواهد التقدير وديبلومات العصب الجهوية ورسائل اعتراف من الرؤساء، وصور مع كبار المدربين تعزز صفحته في الفضاء الأزرق.
غادر عبد العليم المدينة وانقطعت أخباره وتعطلت صفحته الفايسبوكية، قبل أن يظهر في موقع تويتر بتغريدات جديدة، كشفت انتقاله لسلطنة عمان حيث أصبح مدربا كامل الأوصاف، قال وداعا للقسم والكراسات وكشف عن معاركه مع جمعية الآباء، ثم قلب الصفحة وغير الوجهة.
يتقاضى الرجل من ناديه العماني في شهر واحد، ضعف ما كان يتقاضاه من الحكومة في سنة كاملة، وفي أول زيارة للمغرب صفى ديونه القديمة وتبرع على فريقه السابق ببذلة رياضية وكرات، وتلقى عشرات طلبات الهجرة. في جلساته بمقهى الحي كان يحكي عن غاراته وعن العروض التي تنهال عليه عن سقف أحلامه عن مغادرته الطوعية للفصل الدراسي وعشقه لرائحة عشب الملاعب خاصة إذا كان طبيعيا.
يتقاضى المدرب في البطولة الاحترافية خلال شهر واحد أضعاف ما يتقاضاه الطبيب والمهندس وربان الطائرة والباخرة ورئيس الحكومة، لا يخضع أجره الشهري السمين لعمليات شفط ضريبية، بل يحقن بمكملات غذائية عبارة عن منح الفوز والألقاب. أما إذا كان أجنبيا فإن التحويلات تتم بالعملة الصعبة وينضاف لطاقمه سائق ومترجم وخادمة تجيد إعداد النرجيلة.
كلما جثمت غيمة القلق واستعصى على الأقدام هز الشباك، جيء بمدرب تونسي يدعى البنزرتي لا يكشف عن عصاه السحرية إلا إذا تسلم شيكا على بياض، يقضي ابن المنستير شهورا ثم يرحل دون كلمة وداع ويقرر العودة إلى بيت الطاعة متى شاء.
بعض المدربين يحملون في جيوبهم وصفات الألقاب، لكنهم لا يملكون أواني الطبخ، كثير منهم يتقاضون رواتب توازي ما يتقاضاه سائقو الفورمولا، بعضهم يدمنون على ألعاب الرهان الرياضي لكنهم لا يجدون إحراجا في توقع خسارة فرقهم.
يموت المدرب فيذكره رؤساء الفرق بالخير كباقي الأموات، يرحل إلى دار البقاء فيسأل زملاؤه عن آخر شواهده في التدريب، ويسأل حفار القبور عن الراعي الرسمي للجنازة، ويسأل هواة السير خلف الجثامين عن أفراد أسرته، ويستفسر وكيل أعمال فقيه جنائزي عن عنوان البيت وموعد التأبين ومتعهد حفلات المأتم.
إذا مات المدرب انقطع عمله إلا من ثلاث: ألقاب جارية وتقاعد ينتفع منه أبناؤه ومشجع صالح يدعو له.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى