الرأي

قوة الضعف

زينب بنموسى

لا أجد أي مانع في أن يشارك الإنسان ضعفه أو مشاعره الحساسة مع الآخر، أن يرفع الستار عن خبايا نفسه، ويحاول ترميم أركان روحه التي بدأ يعصف بها الخراب بالكلمات، أن يخلع عنه الوجه الحديدي المتبلد ويعترف بقلة حيلته، بالعكس من المفترض أن تخبر الشخص الآخر بالأشياء التي تؤلمك، وتلك التي تحزن نفسك، والثقوب التي تصنع نفسها بنفسها في روحك وأن يتقبلها بدوره بصدر رحب بل ويطبطب عليها ويساعدك على تجاوزها أيضا.
لا أجد أي مانع أيضا في الإصرار على إصلاح علاقة ما، وفهم مكمن الخلل ومحاولة معالجته، في طرق كل الأبواب التي ربما يختبئ خلفها الحل السحري، الاعتذار، وتعمد إظهار الندم للغير من أجل كسب وده مرة أخرى، بل أجد أن هذا ألطف ما قد يقدمه شخص لغيره في الحياة: «الإصرار على إصلاح علاقة» لأنه يعني ببساطة أنه يصر عليك أنت، يتشبث بك وبما تتشاركان فيه.
يقول الرافعي، في هذا الصدد: «أرفع منازل الصداقة منزلتان: الصبر على الصديق حين يغلبه طبعه فيسيء إليك، ثم صبرك على هذا الصبر حين تغالب طبعك لكيلا تسيء إليه».
وعلى عكس ما يظنه الكثيرون، فلا أسهل من القسوة، ولا أصعب من اللطف، ولا أوهن من الإنسان القاسي المؤذي، ولا أقوى من الإنسان المحب الطيب، فالأول لا يحارب شيئا كي يظهر قسوته ويظهر معدنه، أما الثاني فيحارب أنانيته، غروره، وكل الشياطين التي تطوف برأسه تخبره أن الانكسار أمام غيره هزيمة.
بالمقابل، لا أحب العلاقات التي يحكمها الأنا، ويحاول كل طرف أن يظهر فيها أقوى و»أبرد» من الطرف الثاني، العلاقات التي تتراهن فيها الأطراف على من يذل الآخر أولا؛ ويلعبون فيها لعبة الغميضة بالمشاعر، الرابح من يخفيها بطريقة تُعجز الآخر عن إيجادها. وأفضل دائما أن أتشارك خيبتي مع من كان السبب فيها على أن أتشاركها مع غيره، أن أصرخ في وجهه على أن يَدعو قلبي عليه في غيابه، أن أتقاسم معه وجعي على أن يكبر هذا الوجه ويتحول إلى وحش يقتات على حقدي يأكل مهجتي ثم يأكله بعدي،  وأجد أن الكلام هبة أعطيت لنا لنعبر بها عن دواخلنا، ونترجم المشاعر أسعدها وأتعسها إلى كلمات يفهمها الغير بسهولة ويستوعبها إن شاء، لا لنجرح أو نجرح- بضم النون-، ولندفع بها الأذى عن أرواحنا وعلاقاتنا ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.
بعدها، حين أنزع عن وجهي قناع الصلابة، وأُميط اللثام عما يزعجني، إذا طبطب الآخر خيبتي واحتضنها فجميل هذا ما أردت، وإذا انزعج  من شرحي المستفيض، وضاقت روحه بشكواي فجميل أيضا لأنني سأفهم أنه ليس «الآخر» الذي أريد أن يكون في حياتي أيا كان نوع علاقتنا.
الخلاصة، أن ما يفسد العلاقات هو الأنانية المتضخمة، والحرب غير المعلنة التي تقبل أن تكون طرفا فيها، وما يصلحها هو الكثير من البساطة والوضوح، وحتى إن لم يصلحاها على الأقل سيصلحان حياتك ويساعدانك على أن تعيش في راحة وتصالح مع نفسك.
الحياة أقصر من أن تعيشها محاولا إثبات أنك أكثر قسوة وجفاء وجحودا من غيرك، وللضعف قوة جبارة لا يعرفها الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى