الافتتاحية

كائنات سياسية تحول الفشل إلى انتصار

رزقنا في هذا المشهد السياسي بصنف من الكائنات السياسية التي فشلت لعقود في تدبير كل الحقائب الوزارية التي أسندت إليها، لكنها مصرة على تحويل فشلها إلى إنجاز خارق، وهزائمها أمام السياسات العمومية إلى انتصارات غير مسبوقة. ومن المضحكات المُوجِعة أنهم ينفضون أيديهم من المشاركة في السياسات العمومية التي نتج عنها هذا الوضع ويطالبون كأي مواطن عادي بتنقية الأجواء والعفو عن المعتقلين وطي الصفحة في إطار سياسة عفا الله عما سلف واستغلال السياسيين لملفات معروضة أو محكومة أمام القضاء لتبييض وجوههم أمام الناخبين.
مثل هاته الكائنات السياسية تجدهم مع اقتراب كل محطة انتخابية يهيمون بالشعارات الفضفاضة والمزايدات الفارغة ويلبسون صوف الحملان للظهور في هذه الانتخابات بمظهر السياسي الطهراني العادل الذي يرفض الظلم وينحاز إلى الحرية، وهم بذلك يخلطون عن عمد بين الخطابة السياسية والبرنامج الانتخابي، بين المبادرات المحددة بتدابير واضحة وأجندة زمنية ملموسة وبين الشعارات الرنانة التي لا تغني ولا تسمن من جوع أو بطالة أو أمية، لذلك ليس غريبا أن نجد أحزابا وزعماء ترعرعوا لعقود في حضن الحكومة وشاركوا في تدبير شؤون البلد لعقود ويتحملون ما وصل إليه الحال، لكنهم بدل أن يقدموا كشف الحساب عن تدبيرهم للسلطة يختبئون وراء الخطابة السياسية المتخمة بالشعارات، ولعل الشعار الأكثر استهلاكا شعار استغلال الورقة الحقوقية والمطالبة بالنفس الديمقراطي وكأننا أمام أحزاب وزعماء لم يشاركوا في الحكومة.
إذا، كيف يمكن الوثوق برموز حزبية تشنف آذاننا وتصدع رؤوسنا عشية الاستحقاقات الانتخابية بشعارات تنقية الأجواء السياسية وضخ نفس سياسي جديد وتوسيع الهامش الديمقراطي وضرورة محاربة الفساد والاستبداد، وهي منذ أكثر من 20 عاما في الحكومة لم تحقق شيئا يذكر في مطالب اليوم التي ترفعها لاستمالة الناخبين. والغريب في الأمر أنها تتناسى أن كل تلك الانتقادات للأوضاع القائمة وقعت أثناء وجودها بالحكومة، وساهمت بنصيبها في تأزيم الأوضاع، فما معنى أن يخرج نبيل بنعبد الله للمطالبة بطي صفحة معتقلي الحسيمة وهو واحد من الذين شملهم الإعفاء الملكي بسبب فشل قطاعه الوزاري في إنجاح مشروع الحسيمة منارة المتوسط الذي تسبب في توتر اجتماعي غير مسبوق، وما معنى أن يرفع حزب العدالة والتنمية نفس المطلب والجميع يعلم أنه كان قائدا للحكومة وبيده وزارة العدل بل بالعكس وقع على بيان اتهام احتجاجات الحسيمة بالانفصال.
لذلك لا يمكن اليوم التلاعب بعقول وقلوب وذاكرة المغاربة ومحاولة إقناع الشارع المغربي بالمزايدات السياسية والشعارات التي انتهت مدة صلاحيتها ولم تعد تقنع حتى أصحابها، فالأحزاب التي تتعامى عن الاعتراف بالمشاكل التي ساهمت في صناعتها، ولا توجد لديها مشاريع حلول للمرحلة المقبلة، عادة ما تتهرب باتجاه الشعار ات السياسية لستر عيوبها وفشلها أمام ناخبين. وهذه لعبة لم تعد مجدية من مسؤولين عن استفحال العديد من المسلكيات التي شوهت الممارسة السياسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى