الرأي

لا تغلقوا الملاعب

حسن البصري
أخطأ الاتحاد اللبناني لكرة القدم حين قرر توقيف منافسات البطولة بسبب الحراك الناعم، فالمباريات متنفس لا غنى عنه في السلم والحرب، لذا عاب كثير من المتتبعين على لجنة الطوارئ في الاتحاد اللبناني تأجيل جميع المباريات المقررة لهذا الأسبوع لبطولات الدرجتين الأولى والثانية ودوري الفئات العمرية، وكرة القدم النسائية ودوري فرق الفتيات، إلى موعد يحدد لاحقا.
قد يكون رئيس الاتحاد اللبناني على حق، حين قرر توقيف البطولة النسوية لأن الحراك الذي يعرفه لبنان ينشطه العنصر النسوي بدرجة كبيرة، من خلال احتجاجات تتخللها فقرات فنية اعتمادا على أجهزة الصوت الضخمة، تبث في فضاء «الاحتقان» الأغاني يقودها «دي جي» قيل إنه اعتاد تنشيط مباريات الأنصار في بيروت، فجيء به لتشجيع استقطاب المتظاهرات ودفعهن لقضاء ساعات طويلة في الساحات العمومية الدافئة.
ليس هذا فحسب، فالتظاهر لدى اللبنانيين لم يتعارض مع الرياضة واللعب والترفيه، فعلى شوارع لبنان المنتفضة تجد مجموعة من الشباب يلعبون «الورق» وقت التظاهر، ومنهم من يمارس كرة القدم المصغرة بين كل فاصل احتجاجي، ومن المتظاهرين من نصب الكراسي والطاولة وبدؤوا في التنافس في لعبة يطلق عليها اللبنانيون «الكوتشينة»، حيث يتنافسون على إحراز الأهداف الرياضية والسياسية.
فيما استغل آخرون توقف البطولة ونظموا دوريا بين الطوائف في لعبة كرة القدم على الإسفلت الاصطناعي، في ما فضل آخرون الراحة والنوم لا على أسرة ومتابعة مشهد تتلاحم فيه الكرة والسياسة.
في غمرة هذا الحراك العجيب، تحركت فضائل الإلتراس وأشعلت الساحات بنيران الشهب الاصطناعية، وأضرمت النار في العجلات المتلاشية، لخفض تأثير قنابل الغاز المسيل للدموع عند الاشتباك مع قوات الأمن، في هذا الفضاء حضرت القبلات الساخنة، أرخ السلفي لوضعيات رومانسية أمام النيران.
لم يسلم ميشال عون، رئيس الجمهورية اللبنانية، من انتقادات اللبنانيين، فقد أضرم بعضهم النار في صورته، لكنهم كانوا لطفاء معه حين رددوا «باي باي ياحلو»، لأنهم يعرفون أن الرئيس اسم على مسمى، يحتاج إلى عون من اللبنانيين.
على أنغام مطربين شعبيين تماهى المحتجون وكأنهم في ملعب يأتمرون بأوامر كابو الإلتراس، فانتقدوا النظام الضريبي. في لبنان فقط الشعب يريد إسقاط الحكومة لكن برفق ودون أن تتسبب لهم في كدمات.
في تصريحاتهم، يؤكد الحاضرون في الحراك على الستر، يرددون «مستورين والحمد لله»، علما أن الوضع الاقتصادي يؤكد أن الحاجة الوحيدة المستورة عند البسطاء هي عورتهم. وفي غضبهم غزل ودلع فقد سجلت حالات تحرش بجنود وجدوا في حراسة الحراك تعيينا رائعا يحفزهم على العطاء.
أبشع الانتفاضات هي التي حصلت في سوريا وفي ليبيا وحتى في السودان، رغم أن البعض ينتقد حراك الأرز ويعتبر أن الغناء والرقص من نواقض الثورة إذ يبعدان الناس عن تحقيق المطالب، لكن رقصة الدبكة اللبنانية جمعت كل الأطياف وتحولت ساحات الحراك إلى ساحات مهرجانات تنتهي على رقصة «وحدة ونص» بين كل الأطياف السياسية والدينية والعرقية.
نصيحة إلى كل المسؤولين، لا توقفوا عداد الكرة حين يداهم الحراك نفوس المواطنين، دعوا الملاعب تفتح أبوابها للمناصرين فهي فضاء أسبوعي لحراك مستتر تقديره «هو» الذي ينظر لفصائل المشجعين ككائنات عدائية. اتركوا المدرجات تتماهى مع «في بلادي ظلموني» وغيرها من الأهازيج التي لها مفعول الحال في نفوس الشباب.
كلما اشتعلت الاضطرابات بدافع الغضب من ارتفاع تكاليف المعيشة وفرض رسوم ضريبية جديدة، وقبل أن تتراجع الحكومة عنها، لا بأس من استمرار دوران كرة القدم حول نفسها، فهي القادرة على ممارسة جاذبية مطلقة على الشباب، وفيها سحر يؤجل الغضب على الأقل لتسعين دقيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى