الرأي

لا غبار عليها

حسن البصري

يذكر الجيل السابق من متتبعي كرة القدم المغربية الحكم الدولي السابق عبد الكريم الزياني، الذي عرف بلازمته الشهيرة: «ضربة جزاء لا غبار عليها»، في زمن كانت فيه كثير من ملاعبنا متربة، ونذكر زمن السيبة الكروية، حين أغضب قرار سليم للحكم الراحل محمد بنعلي وزير الداخلية السابق، فقرر تعيينه في منطقة نائية.
كان الحكم الزياني أول محلل تحكيمي في التلفزيون المغربي، وكان يجد حرجا في حسم كثير من الحالات، خاصة وأن أغلب زملائه الحكام كانوا ينتمون لسلك القضاء والأمن، لذا كان الرجل يطل علينا كل أسبوع ليبرر الصافرة المنفلتة ويرد الاعتبار لقضاة الملاعب الذين كانت تبدو على ملامحهم مسحة الوقار.
مناسبة هذا الاستهلال هي جلسة المكاشفة التي دعا إليها فوزي لقجع رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، في بداية الأسبوع الجاري، والتي أعقبت الجدل القائم حول التحكيم حيث تم وضع النقط على الحروف. فقد حضر الحكام ودافعوا عن قراراتهم وخرج الجميع بقناعة أن الحكم بشر وأن الخطأ وارد وأن الصفارة كاللسان «ما فيه عظم»، أو كما قال لقجع: «لا توجد عدالة كروية مطلقة».
في زمن الجنرال حسني بن سليمان، قدم أحمد عموري رئيس لجنة التحكيم، مقترحا لتأهيل حكام كرة القدم وقرر شحنهم بما تيسر من وعد ووعيد، فأحضر واعظا ضريرا واستدعى الحكام الذين يقودون مباريات كرة القدم، لحضور درس ديني رمضاني عنوانه: «الحكم العادل». كان رئيس اللجنة يهمس في أذن الواعظ ويذكره بأن الحكام المتحلقين حوله، هم حكام الكرة، فارتفعت نبرات المتحدث وتوعد المرتشين بنار جهنم وبئس المصير، فيما شوهد بعض الحكام وهم يجففون منابع الدموع، بعد أن تراقصت أمام عيونهم قرارات منفلتة مع سبق الإصرار والترصد، ومنهم من استحضر عذاب القبور.
انتهى الدرس الديني وتقرر إلغاء حصص الوعظ والإرشاد من منظومة تكوين حكام كرة القدم، وبدأ البحث عن بدائل قبل أن يستقر الرأي على تقنية الفيديو، التي تقاسمت مع الحكم سلطاته التقديرية.
حين حل صندوق «الفار» قلنا انتهى زمن الغارات التي كانت تستهدف الحكام، وآمنا بأن خروج الحكم عن النص سيصبح استثناء، ففي مباريات كرة القدم يقبل المشجع صفعة وركلة وشتائم من خصوم ومن رجل أمن، لكنه لن يقبل هزيمة بفعل فاعل اسمه الحكم، زاده صفارة وساعة وبطاقتان وتقاسيم وجه صارم.
تاب كثير من الحكام وانتهى بهم المطاف في الصفوف الأولى للوعاظ، وكتبوا على ظهر سياراتهم الفارهة عبارة «هذا من فضل ربي»، فيما ظهر حكام من الجيل الجديد يصنعون مجد الصفارة المغربية في الخارج، إسماعيل الفتح أحدهم، هذا المهاجر الذي حملته قرعة أمريكا بالصدفة إلى ملاعب العالم وأصبح أحسن حكم في اتحاد شمال ووسط أمريكا والكاريبي، قاد مباريات فرق عالمية خلال زيارتها لأمريكا كالبارصا والريال وتشيلسي ومانشيستر.
برزت أسماء أخرى في التحكيم خارج الحدود، ففي فرنسا صنع سعيد النجيمي مجد الصفارة المغربية وكان سفيرا في الدوري الفرنسي، بل إن قضاة الملاعب عابري القارات لم يقتصروا على كرة القدم بل امتد صوت صفاراتهم لرياضات أخرى وأبرزهم عبد الإله الشليف الذي خرج من كاريان سيدي عثمان فأبهر العالم حين نال الصفارة الذهبية لكرة السلة. هل هي الصدفة التي جعلت إسماعيل وعبد الإله ينحدران من حي شعبي غارق في الهشاشة اسمه حي سيدي عثمان.
حين كنت طفلا أتسلل إلى الملعب الشرفي وملعب الأب جيكو وملعب الحفرة ابتغاء فرجة مجانية، كنت أسمع لازمة «ألربيط أمسخوط الوالدين». اعتقدت حينها أن الحكم، الذي كان يرتدي بذلة سوداء قبل أن تتغير الألوان، رجل عاق وتساءلت لماذا لا يبر هذا الكائن بوالديه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى