
محمد شرقاوي(*)
إن إيجاد حل لإشكالية ما يتطلب البحث والتدقيق المتأني في تفاصيلها، وإعادة النظر، برؤية جديدة، حتى في الأمور التي تبدو بديهية. ويتيح هذا النهج للمكلفين بحل الإشكال التأكد من أن المشكلة المطروحة هي بالفعل المشكلة الحقيقية، أم أنها مجرد أعراض لإشكالات أخرى أكثر تعقيدا.
ومن هنا تتضح خطورة الإقدام على معالجة الإشكال بالأسلوب نفسه، لمجرد أنه قائم منذ زمن طويل. وهذا ما نلاحظه في محاولات إصلاح المنظومة التعليمية؛ فما إن يتولى وزير جديد مسؤولية هذا القطاع حتى ينخرط في البحث عن حلول للإشكالات التي يعاني منها، غالبا بالاستناد إلى تشخيصات غير دقيقة واستراتيجيات مألوفة، رغم أن كثيرا من هذه الإشكالات قد لا يكون سوى أعراض لمشكلات أعمق، تراكمت وتفاقمت على مر السنين وتعاقب الحكومات.
وللخروج من هذه الحلقة، لا بد من اعتماد مقاربة عقلانية تحدد بدقة المشكلات الحقيقية التي يعاني منها قطاع التعليم وتعالج أسبابها الجذرية، ويقتضي ذلك التفكير بجدية في العلاقة التي تربط التربية بهذا القطاع الحيوي والاستراتيجي.
فالتربية ركيزة أساسية للتعليم والصحة والنجاح الشامل والمستدام، وهنا أتحدث عن التربية، بمفهومها بناء شخصية متوازنة، قادرة على الاندماج الإيجابي في المجتمع، والاستفادة من التعليم الذي يفتح أمامها آفاق المستقبل، وبناء حياة تحقق فيها طموحاتها، مع الحفاظ على صحتها النفسية والجسدية.
ومن هذا المنطلق، أرى أن التربية السليمة تشكل ركيزة أساسية في تعزيز قدرة الطفل على مواجهة التحديات النفسية والاجتماعية، والحد من مخاطر عدد من الاضطرابات النفسية والأمراض الجسدية، مع مراعاة تعدد العوامل المؤثرة في الصحة، ومنها العوامل البيولوجية والبيئية والاجتماعية. فالاهتمام بتربية الطفل منذ سنواته الأولى يمكن أن يساعده على اكتساب المهارات والسلوكيات التي تدعم نموه المتوازن، وتعزز قدرته على الاستفادة من التعليم، وبناء مستقبله الشخصي والمهني، والاندماج في المجتمع، والمساهمة بوعي ومسؤولية في تنميته وتنمية وطنه.
إن هذا التسلسل، الذي يربط بين التربية والصحة والتعليم والتكوين، ثم الشغل والاندماج الاجتماعي، ليس اعتباطيا؛ بل يعكس ترابطا ينبغي أن يكون حاضرا في كل استراتيجية إصلاحية تستهدف الطفل والمراهق والشاب في مختلف مراحل حياته.
ولا يعني هذا الطرح التقليل من المجهودات التي بذلتها الحكومات السابقة، أو من التصورات التي تسعى الحكومة الحالية إلى تنزيلها لإصلاح هذه القطاعات، وإنما يدعو إلى مراجعة المقاربات المعتمدة، والتأكد من مدى قدرتها على معالجة الأسباب الجذرية للإشكالات القائمة.
فالتربية والتعليم والصحة والتكوين والشغل قطاعات مترابطة، تتطلب موارد مالية وبشرية مهمة، ويؤثر أداء كل منها في أداء القطاعات الأخرى. وأي قصور في أحدها قد يحد من أثر المجهودات المبذولة في القطاعات الأخرى، بما فيها قطاع الأمن، الذي يضطلع موظفوه بمسؤوليات جسيمة في مواجهة مختلف أشكال الجريمة والانحراف والإدمان والتطرف والإرهاب.
ومن هنا تبرز أهمية الوقاية المبكرة، وتعزيز التربية الوالدية العقلانية، باعتبارها إحدى المقاربات التي يدعو إليها المشروع العالمي تربية وصحة، الذي أعمل على تطويره منذ سنة 2008 في إطار مبادرة مغربية فرنسية، بشراكة مع الدكتور الفرنسي إيف مانيو.
في هذا السياق، يبرز تساؤل جوهري أرى أنه يستحق اهتمام المسؤولين، ومن بينهم الوزير الوصي على القطاع، بشأن ضرورة التفكير في تسمية سهلة وواضحة للوزارة.
فكيف يمكن الحديث عن رؤية إصلاحية متكاملة إذا استمر الالتباس في تسمية الوزارة التي تضطلع بمسؤولية الإشراف على مختلف مراحل التربية والتعليم والتكوين؟
لقد تعددت التسميات المتداولة في الصحافة بين «وزارة التربية الوطنية»، و«وزارة التربية والتعليم»، و«وزارة التعليم»، و«وزارة التعليم الأولي والتربية الوطنية والتكوين والتأهيل». وهذا التعدد في الاستعمال يطرح، في تقديري، ضرورة توضيح المفاهيم وتحديد الأدوار والأهداف التي ينبغي أن تقوم عليها الاستراتيجية الإصلاحية.
لهذه الأسباب، اقترحت منذ سنوات، إعادة النظر في تسمية الوزارة واعتماد اسم «وزارة التربية والتعليم». وبما أن التوجه الحالي يشمل كذلك التكوين والتأهيل، فإنني أقترح تسمية «وزارة التربية والتعليم والتكوين»، باعتبارها تسمية واضحة ومختصرة تجمع بين المجالات الأساسية لهذا القطاع.
ولا يتعلق الأمر بمجرد تغيير اسم إداري، بل بالتأكيد على ضرورة التمييز بين التربية والتعليم والتكوين، وتحديد الأدوار المتكاملة لكل منها، ضمن استراتيجية إصلاحية يساهم في إعدادها وتنفيذها جميع المتدخلين المعنيين بتنشئة الطفل والمراهق والشاب وتأهيلهم.
إن اعتماد تسمية واضحة للوزارة يمكن أن يشكل مدخلا لتوضيح الرؤية الإصلاحية، وتعبئة مختلف الأطراف حول أهداف مشتركة، تشمل الآباء وأولياء الأمور، والمدرسين والمكونين، والمديرين والمؤطرين، وغيرهم من الفاعلين. فبناء شخصية الطفل وتنمية قدرته على التصرف السليم داخل المجتمع غايتان متكاملتان، لكنهما تختلفان عن عملية تلقينه المعارف والعلوم والمهارات.
وتضطلع الأسرة بدور أساسي في تربية الطفل، وغرس القيم والسلوكيات فيه، وتعليمه أسس التعامل مع الآخرين، بينما تضطلع المدرسة أساسا بمهمة التعليم، إلى جانب دورها التربوي والاجتماعي في حدود اختصاصاتها ومسؤولياتها. لذلك، لا ينبغي تحميل المدرسين وحدهم مسؤولية التربية، كما لا ينبغي إعفاء الأسرة من دورها الأساسي في تنشئة أبنائها.
خلاصة القول، إن وضع إصلاح منظومة التربية والتعليم والتكوين على السكة الصحيحة يقتضي بلورة استراتيجية واضحة ومتكاملة، تعطي الأولوية للتربية الوالدية، وتحدد الأدوار والمسؤوليات، وتعزز التكامل بين الأسرة والمدرسة.
إن المطلوب ليس مجرد تغيير تسمية الوزارة، ولا الاكتفاء بتعديل البرامج والمناهج، بل بناء رؤية إصلاحية مشتركة، بأهداف واضحة وآليات عملية ومؤشرات قابلة للقياس والتقييم، يشارك في تنفيذها جميع المعنيين بمستقبل أبنائنا. فالتربية السليمة ليست بديلا عن التعليم، بل هي إحدى ركائزه الأساسية؛ والتعليم الجيد ليس غاية معزولة، بل وسيلة لتمكين الإنسان من بناء حياة أفضل، والمساهمة في تنمية مجتمعه ووطنه.
ومن هذا المنطلق، أدعو إلى إعادة النظر في استراتيجية إصلاح منظومة التربية والتعليم والتكوين، وإيلاء التربية الوالدية ما تستحقه من اهتمام، حتى نمنح الأجيال القادمة فرصا أفضل للنمو المتوازن، والنجاح الشامل والمستدام، ونساهم في بناء مجتمع أكثر صحة وتماسكا وأمنا.
نافذة:
إن المطلوب ليس مجرد تغيير تسمية الوزارة ولا الاكتفاء بتعديل البرامج والمناهج بل بناء رؤية إصلاحية مشتركة بأهداف واضحة وآليات عملية ومؤشرات قابلة للقياس والتقييم
(*) اختصاصي في حل الإشكالات الاستراتيجية





