الرأي

مخاطر دائمة لـ«السوشيال ميديا»

ياسر عبد العزيز

انضم لاعب جديد بارع إلى ترسانة «السوشيال ميديا»، بمزايا وقدرات متباينة، ستمكنه من الفوز بحصة مناسبة من هذا التدفق العارم من الجمهور على استخدام تلك الوسائط.
اللاعب الجديد اسمه «كلوب هاوس» (Clubhouse)، ورغم أن استخداماته مقصورة على حاملى هاتف «الأيفون» حتى هذه اللحظة فقط، فإنه سجل حضورا لافتا، مكنه من رفع عدد مستخدميه من 1500 في بداية تشغيله، قبل أكثر قليلا من سنة إلى نحو عشرة ملايين مستخدم حاليا، فيما زادت قيمته السوقية من نحو 100 مليون دولار بعد شهر واحد من إطلاقه إلى نحو مليار دولار، بعد 14 شهرا من هذا الإطلاق.
يمثل ذلك تدشينا واثقا لهذا الوافد الجديد، الذي سينال حصة معتبرة من سوق «السوشيال ميديا»، ومعها جانب مهم من التأثير، ولذلك فقد تلقى الكثير من الانتقادات من جانب بعض الدوائر المقربة من الحكومات، والتي رأت فيه إمكانية لمساعدة أنصار الفوضى والإرهاب والمعارضة غير القانونية على خلخلة الأمن الوطني وغيرها من الاستخدامات المسيئة.
يرى البعض في «كلوب هاوس» ميدانا سانحا لطرح الآراء وتبادل الأفكار وتعزيز النقاش العام وتحسين التفاهم، ويرى آخرون أنه قد يكون بابا خلفيا للعودة إلى عصر التثوير والانتفاضات، وتداول الشائعات، وبلورة الشعور بالغضب والتمرد.
تلك هي أبرز الاختلافات التي ثارت بخصوص وسائط «التواصل الاجتماعي» منذ نشأت، والتي خلقت تصادمات وأفرزت تشريعات واستحوذت على اهتمام صناع القرار في العالم، باعتبارها جدلية دائمة وتحديا مستديما.
ثمة قصة لافتة في هذا الصدد؛ ففي عام 2014، تلقى الزعيم التركي أردوغان ضربة قاسية من تلك الوسائط، حين تم نشر محادثات «مزعومة» على مواقع «التواصل الاجتماعي»، تفيد بأنه ونجله وبعض أركان حزبه يتورطون في قضايا فساد.
بالطبع فإن «أردوغان» نفي صحة تلك المحادثات، لكنها مع ذلك حظيت بمصداقية كبيرة في الأوساط التركية، بالنظر إلى أنها أشارت إلى وقائع مثيرة للشك، وثروات بدا واضحا لكثيرين أنها تضخمت، مما حمل الرئيس التركي على اتخاذ إجراء خطير وحاسم.. لقد أغلق «تويتر».
تهكما على الإجراء الذي اتخذه «أردوغان» آنذاك، نشرت صحيفة بريطانية كاريكاتيرا يشير إلى مكالمة متخيلة، بين الزعيم التركي ونظيره الكوري الشمالي المعروف بالاستبداد والقمع، ومعاداة «الإنترنت».
وحسب الكاريكاتير، يقول أردوغان لنظيره الكوري الشمالي: «حسنا، لقد أغلقت (تويتر)، ما الذي يتعين علي فعله بعد ذلك؟»، ويرد الأخير: «حسنا، عليك أن تُطعم عمك للكلاب».
والقصة ببساطة تشير إلى بعض ما رشح عن «تصرفات استبدادية» نسبت إلى الرئيس الكوري الشمالي؛ ومنها أنه «أطعم عمه للكلاب، بعدما اتهمه بالتورط في محاولة انقلابية».
لا يوجد عدد كبير من الزعماء في العالم يغلقون مواقع «التواصل الاجتماعي»، ولا يوجد عدد كبير من الزعماء في العالم يطعمون أعمامهم للكلاب.. هكذا أراد رسام الكاريكاتير أن يقول.
تعد منظمات دولية معتبرة كثيرة قوائم سوداء لأعداء حرية الصحافة و«الإنترنت»، وفي تلك القوائم يندر جدا أن تجد اسم دولة ديمقراطية أو متقدمة.
في الأعوام الأخيرة، كانت منظمة «مراسلون بلا حدود» تشير إلى أسماء محددة للدول المعادية لـ«الإنترنت»، لم تخرج عادة عن كوريا الشمالية، والصين، وإيران، وباكستان، وفيتنام، وكازاخستان، وروسيا البيضاء، وتركيا، وكوبا.
لقد بدأ العداء بين الصين و«السوشيال ميديا» عندما اندلعت أحداث «الإيغور» في 2009، وشنت إيران حملتها القاسية على مواقع «التواصل الاجتماعي»، في أعقاب التظاهرات التي هزت النظام، اعتراضا على «تزوير انتخابات 2009 الرئاسية».
أما فيتنام، فقد حجبت «فيسبوك»، بسبب تداول أخبار «مناهضة للحكومة»، وفي كوريا الشمالية يمنعنا الحظر والتعتيم المفروض على هذا البلد من معرفة تفاصيل الحراك السياسي، ومع ذلك، فإن أنباء المحاكمات وعقوبات الإعدام والقتل خارج القانون تصلنا بين حين وآخر.
سيمكننا أن نجد علاقة ارتباطية واضحة ودالة بين الدول التي تفرض قيودا على حرية مواقع «التواصل الاجتماعي»، وبين أوضاعها السياسية والأمنية والعدلية.
ومن ذلك يمكننا أن نستخلص أن النظم غير الديمقراطية هي الأكثر فرضا للقيود على مواقع «التواصل الاجتماعي»، وأن تلك القيود تتناسب طرديا مع درجة التهديد التي تطال النظام، وأنها لا تستهدف عادة تحقيق الأمن والاستقرار، بقدر ما تستهدف التغطية على فضيحة أو خطأ أو عوار.
لكن هناك من يعتقد أن مواقع «التواصل الاجتماعي» يمكن أن تصدر المخاطر، وأن تستخدم أحيانا من قبل الإرهابيين والمخربين و«الميليشيات الإلكترونية»، وأنها قد تمثل ميدانا خصبا لاختلاق الوقائع، وفبركة الشائعات، وبث الكراهية، والتحريض على العنف، وتقويض استقرار الدول.
إن هذا الكلام صحيح، فـ«السوشيال ميديا» ميدان خصب للفرص والمخاطر، وهى تحفل بالممارسات المشينة، كما تحفل بالممارسات الإيجابية.
الأنظمة القوية والكفؤة يمكنها أن ترصد تلك المواقع، وأن تحاسب المخطئين من مستخدميها، وفق القوانين النافذة، وأن تسن قوانين إضافية تحد من المخاطر ولا تجور على حرية الاستخدام.
حل تلك المشكلة يكمن في تعزيز «المتابعة غير الاختراقية» للمحتوى المنشور عبر تلك المواقع، ورصد المخاطر والتجاوزات، ثم محاسبة المخطئين، وفق القانون، وتشجيع المبادرات الطوعية للمستخدمين، لكي يتم الحد من الممارسات الضارة والخطيرة.

إقرأ أيضاً  الدرجات العلمية

النظم غير الديمقراطية هي الأكثر فرضا للقيود على مواقع «التواصل الاجتماعي»، وأن تلك القيود تتناسب طرديا مع درجة التهديد التي تطال النظام، وأنها لا تستهدف عادة تحقيق الأمن والاستقرار، بقدر ما تستهدف التغطية على فضيحة أو خطأ أو عوار

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى