الرأي

مدارسنا والتفاوتات الاجتماعية

بيير لوي ريمون

سجل إصرار رئيس الجمهورية الفرنسية على إبقاء المدارس الفرنسية مفتوحة خلال الحجر الصحي الثاني، الذي شهدته البلاد، علامة فارقة ميزت فرنسا عن شركائها الأوروبيين وربما عززت سمعتها في ميدان التعليم والتربية عالميا.
لكن لم تنج المدرسة الفرنسية، كغيرها من المدارس، من إشكالية التعليم الجوهرية، إشكالية التفاوتات الاجتماعية التي عمقتها الجائحة، فالإشكالية عالمية، وهي مرتبطة عضويا بما يراه كثيرون فشلا تربويا، حال دون تمكن المدرسة من التغلب على ظاهرة التمايز الطبقي.
قرأنا دراسات عالم الاجتماع، بيير بورديو، وأدركنا اقتناعه بأن الصراع الطبقي لم ينته، بل انسل عضويا إلى قلب المؤسسة التي يفترض أن تلغيه بأدواتها ومناهجها وبرامجها وترتيب أولوياتها. ترسخ الوضع، حسب بورديو، ليصبح آفة تتمثل في ما سماه عالم الاجتماع بـ«إعادة الإنتاج الطبقي». وهذا ما أدى إلى اعتبار مبدأ تكافؤ الفرص مبدأ أخلت به منظومة تربوية، قصرت في إثبات المبدأين الآخرين اللذين لا تستقيم سياسة التعليم بدونهما وهما التكافؤ الاجتماعي، والتكافؤ في القبول.
فإذا كان الحرم المدرسي يفترض إلغاء الفوارق الاجتماعية، وتوجيه خطاب لا يفرق بين الخلفيات الثقافية، من الصعب الإقرار بأن الواقع الدراسي يعكس هذه الحقائق. تشيع مدرسة «إعادة الإنتاج»، حسب بيير بورديو، «ثقافة ونمط عيش وأساليب تخاطب الطبقات المبجلة»، ما يضفي «الشرعية على الفروقات الاجتماعية ويعيد إنتاجها». هنا سؤال يطرح نفسه، هل توجد مدرسة أخرى غير «مدرسة إعادة الإنتاج الطبقي»؟ فالمحاور الأساسية التي تغذي هذا التحليل لا تزال قائمة: اللامساواة في الإمكانات المادية، انتشار الدروس الخصوصية، مركزية القرارات، قلة مراعاة متطلبات التدرج التربوي، فهل يمكن في مثل هذه الحالة أن نستغرب من تنامي التعليم الخاص، بوصفه تعليما طبقيا أيضا؟ أجل، فطالما المكون الطبقي عابر للشرائح الاجتماعية، على أساس معيار اقتصادي يولد بدوره خلفية سوسيو ثقافية، لا عجب من اعتبار التعليم الخاص آلية تخلق في نطاق المدرسة طبقة بذاتها.. ولا عجب بالتالي من اعتبار ـ في هذا الإطار ـ أن ممارسة «الحراك الاجتماعي» بالانتقال من طبقة إلى أخرى على أساس الكفاءات، كما كان يجري قبل عقود، استثناء في أيامنا.
ويمكن هنا تذكر كيف أبلت الحكومات الوطنية العربية بعد الاستقلال البلاء الحسن، عندما واجهت التحدي الثقافي الأجنبي الذي فرضته المدارس الخاصة، عندما حققت بلدان مثل تونس نهضة تربوية في ميدان التعليم والتنوير الثقافي. كما حققت الأردن ثورة تعليمية صامتة في العقود الأربعة الماضية، عرفت حراكا اجتماعيا بالمعنى الرفيع، حيث مثل التعليم جسرا واقعيا تجسد في انتقال أبناء الريف والبادية والمدن من طبقة إلى طبقة أخرى، ليتحرك العديد من الشباب نحو طبقة وسطى، أنتجتها الكفاءات الفكرية بدعم علمي قوي من الدولة.
لكننا دخلنا منذئذ زمنا آخر، زمنا أثر فيه تعميم التعليم على جودته، أيا كان الموقع الجغرافي، ما حصر التعليم النوعي في متناول فئة تمتلك رأسمالا ثقافيا أصلا.
هنا، انتقل مفهوم الطبقة الوسطى من مدلول اجتماعي «مدمقرط» وموسع، إلى حيز ضيقته محددات اقتصادية، وسياسية أيضا أدخلت «الطبقة» في دوامة إعادة الإنتاج، التي أرخها أحد الآباء المؤسسين لعلم الاجتماع الحديث. فهل يجب اعتبار إعادة إنتاج وتكريس التمايز الطبقي في المدرسة أمرا محتوما؟ لا أعتقد ذلك، ولكن بشروط. وقد أختلف هنا مع الرأي السائد بأن الجائحة أوصلت الأمور إلى وضع سيكون من الصعب بمكان تداركه. صحيح أن الجائحة عمقت الفوارق الاجتماعية في مجال التمكن من التكنولوجيات الرقمية، لكنها أيضا فتحت المجال واسعا أمام فرصة للإبداع لا تعوض، لتضع الآلية الرقمية في متناول الجميع.
كل الرهان يكمن من الآن فصاعدا في اقتناص فرصة جديدة لسد الثغرات، تقليص الفوارق، تكريس التدرج التربوي، بتسخير التطور التكنولوجي في خدمة العلم للجميع. فإن لم نتخذ الوباء العالمي فرصة لوضع الرقمي في سبيل إعادة استثمار الرأسمال الفكري وترقيته إلى مستوى القاسم المشترك، سيبقى كل أمل في معالجة أزمة التعليم حبرا على ورق.

إقرأ أيضاً  ميادين البحث العلمي الملغومة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى