
يسرا طارق
بدأت صلة العلامة محمد الفاسي بالملحون سنة 1925، برحبة التبن في فاس، وبالضبط في دكان شيخ يسمى محمد عيوش. كانت له فرقة تمزج بين طرب الآلة والملحون. ذكر الشيخ للتلميذ، الذي كان عنده في أوقات الفراغ، قصيدة: «ذابل لعيان» لسيدي قدور العلمي. أعجبت القصيدة الفتى فنسخها، فكانت الخطوة الأولى لرحلة ستدوم زهاء ستين سنة في العناية بشعر الملحون، وبأعلامه وتراجمهم، وقصائده، ومصطلحاته وعَرُوضِه. سيصرف محمد الفاسي عمره مستمعا لشيوخ وحفاظ شعر الملحون، ومستمتعا بالسماع لمنشديه، ومنقبا عن ذخائره ونفائسه، ومشتريا أو ناسخا لكنانيشه، ومتنقلا بين حواضره لجمع وتوثيق أكبر قدر من أسراره ومعانيه. ومابين القصيدة الأولى وآخر قصيدة عثر عليها العلامة، ستتجمع لديه 5000 قصيدة. هذا الجهد والإصرار والمثابرة، رغم كل ما مرّ تحت الجسر في حياة كحياة محمد الفاسي، عرف فيها النضال الوطني المبكر، وكان فيها أول مغربي يحصل على البكالوريا في باريس، وعرف فيها بعد ذلك السجن في معتقل الصحراء بأغبالو نكردس، وشهد فيها تحولات ما بعد الاستقلال، بصراعاتها وتقلباتها، واضطلع بمسؤوليات جسيمة وأحسن القيام بها..، كل هذا لم يمنعه من أن يقدم للثقافة، والحضارة المغربية، بصفة عامة، عملا جبارا، مؤسسا وكبيرا، يصعب على المؤسسات، بعدتها وعديدها، أن تأتي بمثله، عمل يمكن بدون مبالغة مقارنته بكتاب الأغاني، أو العقد الفريد وغيرهما من الأعمال الموسوعية، التي تقول كلمة فاصلة في مجال من المجالات.
كان العلامة محمد الفاسي فريد عصره، واختار لنفسه طريقا كان يبدو نشازا في السياق الوطني والثقافي، الذي بدأ فيه مشروعه في العناية بالثقافة الشعبية بمختلف تجلياتها: الخرافات، الأمثال، الحجايات، لعروبيات، المرددات النسائية..، فالحركة الوطنية، وانطلاقا من ميولها السلفية، كانت تعتبر الثقافة الشعبية مستودع كل ما ينبغي تصحيحه في سلوك الشعب، ورأت أن في تشجيع الدارجات المغربية والحديث عن إبداعاتها الشفوية الغنائية والسردية، مَسٌّ بلغة القرآن، التي ينبغي أن تبقى جامعة ومسيطرة. كما رأت أن الاهتمام بالثقافة الشعبية يصب في مخططات المستعمر التي تبالغ في إبراز الخصوصية المحلية لفصل المغرب عن الأمة العربية الإسلامية. كما رأت أن الثقافة الشعبية صِنْوُ التخلف والانحطاط، وهي ترعى وتديم القيم الدالة على الانحراف والجهل والضياع الحضاري. كل هذا لم يؤثر في محمد الفاسي ولم يغير نظرته للثقافة الشعبية، فمنذ أن التقى بأديب وباحث وصحافي فرنسي اسمه إيميل دير مينغيم، الذي جاء إلى فاس لتغطية الحرب الدائرة في الريف لفائدة جريدة فرنسية. سيمرض الرجل، وسيبدأ محمد الفاسي في زيارته، وحكي حكايات فاسية كان قد سمعها، للترفيه عنه، أعجب الفرنسي بالحكايات، التي ستتحول إلى كتاب مشترك، سيصدره دير مينغيم رفقة محمد الفاسي في فرنسا، وسيلقى رواجا كبيرا، اسم الكتاب: «الحكايات الفاسية»، وسيعقبه آخر، وهكذا سيجد محمد الفاسي أن الثقافة الشعبية صارت قدره الأكاديمي، تستولي على متعته وتحرك فضوله.
خطط محمد الفاسي لأن تكون معلمته في عشرين جزءا، الأجزاء الأولى خصصها للتعريف بالملحون وبتاريخه، وخصص جزءا كاملا لعَروضه وإيقاعاته، كما خصص جزءا لتراجم أعلامه في كل العصور، وبعدها كان ينوي إخراج دواوين أهم شعراء الملحون، ويختم المعلمة بجزء يتضمن مائة قصيدة غزل. لم تصدر المعلمة كاملة كما أرادها محمد الفاسي، وهو على قيد الحياة، وتكلفت أكاديمية المملكة أخيرا بإكمال مشروع محمد الفاسي، من خلال إصدار موسوعة الملحون متضمنة لدواوين أبرز الشعراء. عمل «معلمة الملحون» تاريخي، يمكن الاقتداء به في إنجاز معلمات أخرى حول بعض تجليات الثقافة الشعبية المغربية، مثل: العيطة، المرددات النسائية، الحكايات الشعبية..





