
يشكل قبول المملكة المغربية طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانضمام إلى مجلس السلام في غزة محطة دبلوماسية وازنة، تنبع من عمق الدور التاريخي للمغرب في الدفاع عن القضية الفلسطينية، ومن المكانة الاعتبارية التي يضطلع بها الملك محمد السادس، بصفته رئيسا للجنة القدس. هذا الدور لم يكن يوما ظرفيا أو خاضعا للمزايدات، كما حاول أن يصوره البعض لأسباب سياسية، بل ظل ثابتا ومتزنا ويتلاءم والتطورات الميدانية، ويهدف إلى نصرة الحق الفلسطيني، وحقن الدماء بالدرجة الأولى، ودعم كل ما من شأنه توحيد الصف الفلسطيني ورفض منطق التفرقة والشتات.
لقد راكم المغرب، عبر عقود، مصداقية دولية في التعاطي مع القضايا العالمية والإقليمية العادلة، قائمة على الحكمة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والبحث عن حلول وسط واقعية تحفظ الكرامة الإنسانية وتفتح آفاق السلام.
ومن منطلق ما سبق ذكره، فإن عضوية المغرب في مجلس السلام لاشك شكلت مصدر انزعاج للخصوم، وتتيح فرصة حقيقية للمساهمة في إنهاء الحرب في غزة، ودعم جهود إعادة الإعمار، والتوافق حول حل الدولتين، باعتباره أفقا سياسيا يضمن الأمن والاستقرار بالمنطقة الملتهبة، مع الوقوف بحزم أمام كل أشكال التطرف ونسف جهود السلام، أيا كان مصدرها أو الجهات الداعمة للتصعيد والفتنة.
إن تعزيز مكانة المملكة الشريفة في معالجة الملفات الإقليمية والنزاعات الإفريقية لم يأت من فراغ، بل هو نتاج رؤية استراتيجية بعيدة المدى. أصبح معها المغرب قوة إقليمية وازنة، تشارك في الحفاظ على التوازنات الدولية، وتتزعم محاربة كافة أشكال التطرف والإرهاب، وتعمل على تأمين معبر مضيق جبل طارق، باعتباره شريانا رئيسيا للتجارة العالمية والسياحة الدولية، ما يجعل استقرار المملكة عاملا أساسيا في استقرار محيطها المتوسطي والإفريقي وحتى العالمي بطريقة غير مباشرة.
وفي السياق ذاته، فإن الانضمام إلى مجلس السلام من شأنه أن يسرع مسار الإغلاق النهائي لملف الصحراء المغربية، عبر تجفيف منابع التهديدات الإرهابية الصادرة عن ميليشيات البوليساريو، وتأمين العبور نحو العمق الإفريقي، وتفويت الفرصة على الجهات التي تسعى إلى بلقنة المنطقة وزعزعة استقرارها. لأن الأمن والتنمية وجهان لعملة واحدة، ولا يمكن تحقيق أحدهما دون الآخر.
إن مغرب المستقبل لم يولد اليوم كما يريد البعض تسويق ذلك، بل انطلق، قبل سنوات، عبر عمل دبلوماسي هادئ وفعال تحت شعار رابح- رابح، تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس. وما نشاهده اليوم من تحولات متسارعة تعزز موقع المغرب كقوة إقليمية صاعدة، ليس سوى نتيجة طبيعية لاجتهاد كبير، واستثمار ذكي في التجارب السابقة، واستفادة عميقة من تراكمات تاريخية صنعت هوية مغربية قائمة على الاعتدال، والواقعية، والالتزام بقيم السلام والتنمية.
إن مغرب المستقبل هو مغرب المبادرة والميدان لا مغرب الارتباك والتخبط ورد الفعل، ومغرب الحكمة والاستراتيجيات التي تهدف إلى التنمية، لا مغرب المزايدات الفارغة وبيع الوهم للشعوب، ومغرب الحضور المؤثر في صناعة القرار الإقليمي والدولي، لا مغرب تسول القرارات والدعم الهش مقابل الرشوة.
إنه مغرب السيادة وخدمة القضايا الوطنية، بخلفية عادلة وإيمان عميق بنصرة السلام، وبناء صرح الاستقرار الدائم في محيط يريد البعض أن يصنع منه منطقة حرب، فهل يفهم البعض الرسالة، أم أن على القلوب غشاوة.





