
حسن البصري
رغم كل ما تحمله «حفلات» الوداع في طياتها من مشاعر تختزل ألم الفراق وشجن الذكريات، إلا أنها تظل من أصعب اللحظات التي يمر بها المدربون، بعد اختبار ضربات الترجيح.
في قاعة الوداع الأخير، كانت الكراسي تهمس بصدى الذكريات، وكان الألسنة تتفادى الخوض في بعض النكبات، احتراما لطقوس الوداع.
استحضرت وقائع الفيلم المصري «الوداع يا بونبارت»، وأنا أعيش لحظة الإعلان عن تغيير اضطراري في تركيبة المنتخب المغربي لكرة القدم، بإخراج وليد وتعويضه بوهبي لاستكمال ما تبقى من منافسات.
تراقصت أمام عيني صور نابوليون، الفتى الكورسيكي قصير القامة، والذي آمن بأن التاريخ الذي يكتبه المنتصرون، يتولى قراءته المحللون والصحافيون كل من زاويته.
كانت لبونبارت نزعة هجومية وأحلام توسعية، بينما كان وليد يخوض معاركه الكروية بمنطق رد الفعل لا بالفعل، والبادي عنده أظلم.
غير بونبارت الخرائط، بتر ما شاء ومدد مساحات من شاء، أما وليد فقد بعثر تصنيف «الفيفا»، وحول سلسلة الانتصارات المتتالية إلى لقب فخري.
صحيح أن فيلم «الوداع يا بونبارت» يستحق عنوانا آخر «أهلا كافاريلي»، أو مرحبا وهبي، لأن جامعة كرة القدم أرادت أن يكون المدرب الجديد استمرارا لمشروع لم يكتمل، بسبب «بيش نيت» قاتلة، وعيادة أشبه بمستعجلات الديمومة.
وهبي هو نسخة منقحة من الركراكي، ولدا معا في أوروبا وعاشا معا شغف الكرة في المهجر، ورضعا «تامغرابيت» من ثديي أميهما، وأبهرانا في الدوحة وسانتياغو.
نادرا ما تستبدل الجامعات المتعاقبة على تدبير المنتخب مدربا مغربيا بمدرب مغربي، باستثناء تعويض اللوزاني ببليندة رحمهما الله، والزاكي بالطاوسي أطال الله في عمرهما، ثم وهبي بالركراكي.
فحين يسقط مدرب مغربي في الامتحان تتعالى الأصوات مطالبة باستيراد مدرب من الخارج، مهما كلف ثمن «جمركته».
ليس وليد هو المدرب الوحيد الذي جرفته سيول كأس أمم إفريقيا الأخيرة، ليس الوحيد الذي حولته «الكان» إلى خبر كان، فقد كانت كثير من المنتخبات سباقة للتخلص من مدربيها ببلاغ رسمي لا يكلفها سوى بضعة سطور.
بعد عودة منتخب الغابون من المغرب، عقدت الحكومة الغابونية اجتماعا خلصت فيه إلى إقالة تييري، مدرب المنتخب، واستبعاد العميد أوباميانغ.
قبل أن يصل منتخب تونس إلى بلاده، أنهى الاتحاد التونسي لكرة القدم ارتباطه بسامي الطرابلسي وجهازه التقني.
تسارعت وتيرة أخبار الإطاحة بمدربي بطولة أمم إفريقيا، إذ بادر اتحاد بوركينا فاسو لكرة القدم إلى إقالة المدرب براما تراوري من تدريب المنتخب البوركينابي، وتعويضه بمدرب حسنية أكادير أمير عبدو، إثر عملية اختطاف جعلت أهل سوس يضربون كفا بكف.
وكان اتحاد كرة القدم في جزر القمر، لطيفا في تعامله مع الانفصال عن مدربه، حين اختار عبارة «انتهاء تعاونه مع المدرب الوطني ستيفانو كوزين». بينما أعلن وزير الرياضة في جنوب إفريقيا «الفيتو» في وجه قرار إقالة المدرب بروس، الذي يستحق تعديلا بسيطا في اسمه ليصبح «بروس لي».
جاء الدور على وليد لينضم إلى ضحايا «الكان»، ويعلن توبته النصوح من تدريب المنتخبات، ويؤمن أن التصنيف الدولي خادع كالسراب، وأن العواطف الجياشة انتهت مع قصائد نزار قباني، وكتاب «كيف تكتب رسائل الحب».
لا تغضب يا وليد فقد خرجت من الباب الكبير لمركز المعمورة، تذكر أن المدرب مارداريسكو الذي منحنا كأس إفريقيا الوحيدة، قد أقبل بـ«مرسول»، وأن فاريا صانع ملحمة المكسيك، تسلم إقالته بعد الإقصاء من «كان» 1988، قبل أن يجف عرقه.
إذا كان الانفصال عن مدرب المنتخب حفلا يستدعى له علية قوم الصحافة والمؤلفة قلوبهم، فإن طلاق مدربي البطولة يتم على إيقاع أغنية «جمعي شطايطك ما تباتيش هنا».





