الافتتاحية

وضعية عالية المخاطر

خفضت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني تصنيف المغرب إلى مستوى عالي المخاطر، وذلك بسبب سوء التدبير الحكومي وتأثر الاقتصاد الوطني بجروح بالغة بسبب أزمة فيروس كوفيد 19. وقامت وكالة التصنيف الائتماني «فيتش رايتينغ»، بمراجعة تصنيف المغرب من أدنى درجة جديرة بالاستثمار عند (BBB-) إلى أعلى درجة مرتفعة المخاطر عند (BB+).
ولسنا هنا في حاجة للتذكير بدور مؤسسات التنقيط الدولية، في منح شهادة تعافي وتنافسية اقتصاديات الدول، حيث تمثل النقاط الممنوحة معلومات للمستثمرين تساعدهم على اتخاذ القرارات الاستثمارية وتحدد درجة إقبالهم على مغامرة الاستثمار برؤوس أموالهم في الدولة التي تتوفر على تصنيف جيد أو مستقر. وفي ظل غياب معلومات كافية أمام رجال الأعمال والمؤسسات المالية لاتخاذ قرار الاستثمار أو القروض، فهم عادة ما يلجؤون إلى تلك المؤسسات لقياس مستوى المخاطر المالية وقدرة الدولة المدينة على الوفاء بالتزاماتها المالية الحالية والمستقبلية بشكل كامل في الوقت المحدد، حيث تؤدي درجات التنقيط دورا محوريا في تقييم جاذبية السندات، تسمح لهذه المؤسسات بأن تقترض أموالا في الأسواق المالية والسندات أو تغريها بالاستثمار.
لذلك حينما تضعنا مؤسسة مالية مرموقة مثل وكالة «فيتش» في درجة دولة عالية المخاطر، فكل أجراس الإنذار ينبغي أن تدق وكل القرارات المستعجلة ينبغي أن تتخذ قبل وقوع الكارثة وصدور تنقيط آخر من شأنه أن يؤثر سلبا على وضعنا الاستثماري واستقرارنا المالي قد يعرضنا لشبح الإفلاس الذي عاشته بعض الدول الأوربية.
فالتقرير يؤكد أن البلاد تسير في الطريق غير الصحيح، مع فشل جهود الحكومة في تحقيق استدامة المؤشرات الاقتصادية. وبدل أن يجد رئيس الحكومة وحزبه القائد للسلطتين التنفيذية والتشريعية منذ عشر سنوات الوقت والجهد الكافي لتخصيصه للبحث عن حل لهذه الأزمة، فضل أن يخلق حالة من التوتر السياسي بسبب معركة هامشية تهم القاسم الانتخابي، بحيث جعل منها قضية حياة أو موت، بينما القضية الملحة والخطيرة هي الوضعية التي تصفها مثل هاته التقارير المخيفة، وذلك بالعمل على ضبط المالية العامة، وخفض مؤشرات الدين العام، والحفاظ على مستويات مرتفعة ومطمئنة من احتياطي العملة الصعبة، وتجنب حدوث تطورات تحد من وتيرة التعافي الاقتصادي لمواصلة التقدم الإيجابي، وليس باستنفار المؤسسات لربح مقعد انتخابي هنا أو هناك لن ينفع المغاربة في شيء.
بطبيعة الحال الحكومة التي بنت جزءا من مجدها السياسي والدعائي، على شهادات حسن السيرة التي كانت تحصل عليها من طرف وكالات التنقيط لإثبات نجاعتها وشرعية إنجازها، تتفادى اليوم الحديث عن هذا التصنيف الجديد لأنه لا يخدم أجندتها الدعائية، لكن سياسة النعامة هاته لن تخفي الوضع المالي المقلق وعالي المخاطر لبلدنا كما عبرت عنه بدون مواربة وكالة «فيتش». فهذا الوضع لا يمكن الخروج منه إلا إذا رمت الحكومة انشغالاتها السياسية التافهة وراء ظهرها ووضعت تخوفات وتحفظات مؤسسة التقييم الدولية نصب أعينها، وعملت على تحسينها لتخفيض المخاطر العالية قبل أن ندخل النفق المظلم الذي قد لا نستطيع الخروج منه.
بدون شك تقرير وكالة فيتش يدعو إلى التشاؤم على كل حال، لكنه ليس قدرا محتوما لا يمكن التغلب عليه وتجاوزه، لكن ذلك لا يتحقق بهدر الزمن السياسي على المزايدات السياسية والخرجات الإعلامية غير المحسوبة لرئيس الحكومة التي تسيء إلى صورة البلد سياسيا وبالتبعية اقتصاديا، كما وقع مؤخرا حينما اتهم معارضيه بتشويه صورة البلد لأنهم يدافعون عن تعديل القاسم الانتخابي، بينما حكومته «شوهتنا» أمام العالم بهذا التصنيف الجديد الذي جعلنا دولة عالية المخاطر تخيف الرأسمال الذي بطبيعته جبان ولا يستقر سوى في الدول المضمونة الأرباح والعائدات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى