حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

أسرار الكتابة عند غابرييل غارسيا ماركيز ونصائح للكتاب

مقالات ذات صلة

بدأت الكتابة من خلال رسم الكارتون. قبل أن أتعلم القراءة أو الكتابة، كنت أرسم القصص المصورة في المدرسة والمنزل. والطريف في الأمر أنني أدركت الآن أنه عندما كنت في المدرسة الثانوية كنت أعرف بأنني كاتب، على الرغم من أنني لم أكتب شيئا فعليا.

فإذا كان هناك منشور تجب كتابته أو رسالة عريضة، كنت أنا من يقوم بذلك لأنني كنت «الكاتب» المزعوم. وعندما التحقت بالجامعة، كنت أتمتع بخلفية أدبية جيدة جدا بشكل عام، أعلى بكثير من متوسط أصدقائي. وفي الجامعة بـ«بوجوتا»- العاصمة الكولومبية- بدأت أتعرف بأصدقاء ومعارف جدد، وقدموني إلى الكتاب المعاصرين.

وفي إحدى الليالي، أعطاني صديق كتابا للقصص القصيرة لفرانز كافكا. عدت إلى السكن الذي كنت أقيم فيه وبدأت أقرأ قصة «التحول». كادت الجملة الأولى أن تسقطني من على السرير من شدة المفاجأة. تقول الجملة الأولى: «عندما استيقظ جريجور سامسا ذات صباح من أحلام مضطربة، وجد نفسه قد تحول في فراشه إلى حشرة ضخمة…». عندما قرأت الجملة، فكرت في نفسي أنني لم أكن أعلم أن أحدا مسموح له بكتابة أشياء كهذه. لو كنت أعلم، لكنت بدأت الكتابة منذ زمن طويل. لذا بدأت فورا بكتابة القصص القصيرة. كانت هذه القصص قصيرة ذات طابع فكري بحت لأنني كنت أكتبها بناء على خبرتي الأدبية ولم أكن قد وجدت بعد الرابط بين الأدب والحياة. نشرت هذه القصص في الملحق الأدبي لصحيفة «إل إسبكتادور» في بوجوتا، وحققت نوعا من النجاح في ذلك الوقت، ربما لأن لا أحد في كولومبيا كان يكتب قصصا قصيرة فكرية. كان ما يكتب حينها يدور بشكل أساسي حول الحياة الريفية والحياة الاجتماعية. وعندما كتبت أولى قصصي القصيرة، قيل لي إنها تأثرت بجيمس جويس.

لم أكن قد قرأت جيمس جويس من قبل، لذلك بدأت بقراءة رواية «يوليسيس» في النسخة الإسبانية الوحيدة المتوفرة حينها. منذ ذلك الحين، وبعد أن قرأت «يوليسيس» بالإنجليزية بالإضافة إلى ترجمة فرنسية جيدة جدا، أدركت أن الترجمة الإسبانية الأصلية كانت سيئة للغاية.. لكنني تعلمت شيئا كان مفيدا جدا لي في كتاباتي المستقبلية، وهو تقنية المونولوج الداخلي.

لاحقا وجدت هذه التقنية عند فيرجينيا وولف، وأعجبني أسلوبها في استخدامها أكثر من جويس، على الرغم من أنني أدركت لاحقا أن الشخص الذي اخترع هذا المونولوج الداخلي هو الكاتب المجهول لرواية «لازاريو دي تورميس»

أما عن بداياتي ككاتب، فلم تكن لدي الشجاعة ولا حس الاستقلالية الذي كان يتمتع به أخي لويس إنريكي، الذي كان يفعل فقط ما يريد فعله. والذي بلا شك سيحقق سعادة ليست تلك التي يتمناها المرء لأبنائه، بل تلك التي تمكنهم من البقاء على قيد الحياة وسط العواطف المفرطة، والمخاوف غير المنطقية، والتوقعات المبهجة لوالديهم.

بالنسبة إلى عائلتي كان الأمر بسيطا بما أنه لم تكن هناك إمكانية لأن أكون الطبيب البارز الذي لم يتمكن والدي من أن يكونه لأنه لم يكن يملك المال، فقد حلموا بأن أكون على الأقل محترفا في شيء آخر.

 

«إذا وضعت هذا الأمر في ذهنك فستصبح كاتبا جيدا»

لم أسمع شيئا كهذا في العائلة من قبل. منذ أن كنت طفلا، كانت ميولي تسمح لي بأن أرسم، أو أكون موسيقيا، أو أغني في الكنيسة، أو حتى أكون شاعرا في أيام الأحد. كنت قد اكتشفت في نفسي ميلا معروفا للجميع، نحو الكتابة التي كانت معقدة وأثيرية إلى حد ما، لكن هذه المرة كانت ردة فعلي مفاجئة.

قالت أمي: «إذا كنت ستصبح كاتبا، فعليك أن تكون من العظماء، وهم لم يعودوا موجودين»، قلت لأمي: «في النهاية، هناك طرق أفضل للموت جوعا».

الجهد المبذول في كتابة قصة قصيرة يعادل كثافة البدء في رواية، حيث يجب تحديد كل شيء في الفقرة الأولى: البنية، والنبرة، والأسلوب، والإيقاع والطول، وأحيانا حتى سمات شخصية إحدى الشخصيات. كل ما تبقى هو متعة الكتابة، وهي المتعة الأكثر حميمية وانفرادا التي يمكن للمرء تخيلها، وإذا لم يقض بقية العمر في تصحيح الرواية، فذلك لأن الصرامة الحديدية نفسها المطلوبة لبدء الكتاب ضرورية لإنهائه.

ولكن القصة لا بداية لها ولا نهاية: إما أن تنجح أو تفشل. وإذا فشلت، فإن تجربتي الخاصة وتجارب الآخرين تقول إنه من الأفضل في معظم الأحيان، أن تبدأ من جديد في اتجاه آخر، أو أن تلقي القصة في سلة المهملات، وذلك من أجل صحتك. عبر شخص ما، لا أتذكر من هو، عن ذلك بعبارة مريحة: «الكتاب الجيدون يقدرون أكثر بسبب ما يمزقونه من أعمالهم مقارنة بما ينشرونه».

 

وسط الخيال والخرافة

جاءتني الرغبة في الكتابة نتيجة لإحساسي الحنين إلى وطني وإلى الحياة نفسها. كانت طفولتي استثنائية، محاطة بأشخاص يتمتعون بخيال واسع وخرافات كثيرة، أشخاص عاشوا في عالم ضبابي مليء بالأشباح. على سبيل المثال، كانت جدتي تحكي لي قصصا ليلا من دون أي تردد، قصصا تجعل شعري يقف من شدة الرعب.

كان جدي رجلا ضخما بدا كأنه معلق في الزمن والذاكرة، وكنت شديد التعلق به. توفي عندما كنت في الثامنة من عمري، وقد تأثرت بشدة بوفاته. كان يحكي لي عن حياته وكل ما حدث في القرية والمنطقة المحيطة بها منذ الأزل. كان يصف لي بالتفصيل الحروب التي خاضها، والمجازر المروعة التي وقعت في مزارع الموز في السنة التي ولد فيها، وهي مجازر تركت أثرا دائما في تاريخ كولومبيا.

أمي امرأة ساحرة. عندما سألها أحدهم عني، وعن ما تنسب إليه موهبة ابنها، أجابت من دون تردد: «إلى شراب سكوت» [وهو منشط للأطفال]. هناك حكاية أخرى تكشف الكثير. لدي عدة إخوة. حسنا، كلما استقل أحدنا طائرة، كانت تشعل شمعة وتدعو أن تسير الأمور على ما يرام. لكننا لم نعد جميعا نعيش في المنزل، وآخر مرة رأيتها أخبرتني: «الآن أبقي شمعة مشتعلة دائما، تحسبا لأن يستقل أحدكم طائرة من دون أن أعلم بذلك».

جميع أفراد عائلتي مهمون جدا بالنسبة إلي، وجميعهم يظهرون بطريقة أو بأخرى في كتاباتي. لا أنسى أبدا أنني ابن موظف بريد من أراكاتاكا.

 

قمت بقفزتين كبيرتين في الظلام

كانت قفزتي الأولى التوقف عن تدخين السجائر، أو ربما يجب أن أقول إن السجائر توقفت عن تدخيني. كنت مدمنا بشكل كامل وأدخن أربع علب يوميا. لم أصب أبدا بالتهاب الشعب الهوائية، ولم يأمرني الطبيب بالتوقف لكن في أحد الأيام أطفأت سيجارة ولم أدخن بعدها مرة أخرى. ثم عندما جلست للكتابة، أدركت أنني لم أكتب أبدا سطرا من دون أن أدخن سيجارة. «ماذا الآن؟» تساءلت. هل يجب أن أنتظر وأعتاد الكتابة من دون تدخين، أم أبدأ مباشرة وأكتب؟ أثبتت الحاجة إلى الكتابة أنها أقوى، وجلست أمام الآلة الكاتبة. لكن حينها ظهرت مشكلة أخرى: يداي. أصبحتا تعيقانني الآن، بعد أن لم تعودا تحملان سيجارة. لحسن الحظ، عقلي لم يتأثر. استمر في العمل كما كان من قبل.

أما القفزة الثانية في الظلام فحدثت عندما استيقظت ذات يوم وأدركت أن لدي شيئا واحدا فقط لأفعله، وهو الكتابة. قبل ذلك، كان علي إما أن أكتب أو أعمل في التلفزيون أو الإعلانات أو الراديو. قالت زوجتي، مرسيدس، ذات مرة: «ماذا تفعل اليوم، تعمل أم تكتب؟» كنا قد فصلنا «العمل»، الذي له غرض مالي، عن «الكتابة»، التي كانت متعة غير منتجة. ثم ذات يوم استيقظت وقلت لنفسي: «من الآن فصاعدا، لا أحتاج إلى ‘العمل’ بعد الآن. يمكنني أن أكتب أو لا أكتب. لكنني سرعان ما فهمت الخطر الذي جلبته هذه الحرية. إذا لم أكتب في ذلك اليوم، ربما لن أكتب غدا، أو بعده. لذلك استمررت في الكتابة.

 

شعور بالذنب بين الكتب

كنت صحافيا، وفي ذلك الوقت كانت الصحف تعد في الليل. كانت حياة بوهيمية، تنتهي من العمل بالصحيفة في الواحدة صباحا، ثم تكتب قصيدة أو قصة قصيرة حتى حوالي الثالثة، ثم تخرج للعب البولينج أو شرب الجعة. وعندما تصل إلى المنزل عند الفجر، كانت السيدات اللواتي يتوجهن إلى القداس، يعبرن إلى الجانب الآخر من الشارع خوفا من أنك إما سكران أو تنوي سرقتهن أو اغتصابهن.

التحول من العمل الليلي إلى النهاري من أجل الكتابة لم يكن سهلا. مع حريتي الجديدة، جعلت لنفسي جدول أعمال صارما أشبه بساعات موظف بنك، أو بالأحرى موظف بنك صغير، كما لو أنني مضطر للالتزام بموعد محدد يوميا. أبدأ الكتابة في وقت محدد وأنتهي في وقت محدد، وهذا أمر مهم. إذا انغمست ولم تتوقف في الوقت المناسب، ستكتب الصفحات الأخيرة من قبل شخص متعب. المشكلة الكبرى بالنسبة لمعظم الكتاب الذين لا يكسبون ما يكفي ليتمكنوا من الكتابة بدوام كامل أنهم يكتبون في أوقات فراغهم، بمعنى آخر عندما يكونون مرهقين، وهذا يؤدي إلى أدب كتبه رجال متعبون. عندما أنغمس وأستمر في الكتابة بعد الوقت الذي يجب أن أتوقف فيه، أنتهي بكتابة نصوص وأنا متعب، تحتاج إلى انضباط صارم، حيث تبدأ وتتوقف في أوقات محددة.

كان يوم أطفالي الدراسي يبدأ في الثامنة صباحا. كنت أنا من يأخذهم، ثم أجلس للكتابة حتى الثانية ظهرا. عندما أعيدهم إلى المنزل، كنت أشعر حينها أنني أنجزت يومي ووجبة غدائي بكل ضمير مرتاح. في فترة ما بعد الظهر، كنت أذهب إلى السينما أو ألتقي بأصدقاء أو أقوم بأعمال مختلفة من دون شعور بالذنب.. كنت أشعر بالذنب بين الكتب. عندما أنهي كتابا، لا أكتب لفترة؛ ثم أضطر لتعلم كل شيء من جديد. الذراع يصبح باردا؛ هناك عملية تعلم يجب أن تمر بها مرة أخرى قبل أن تستعيد الدفء الذي يغمرك أثناء الكتابة. لذلك كان علي حقا أن أجد شيئا يبقيني أكتب بين الكتب.

حللت المشكلة بكتابة مذكراتي. منذ ذلك الحين، لم أترك مكتبي ليوم واحد. عندما أسافر، أكون أقل صرامة، لكنني دائما أكتب ملاحظات في الصباح. كل هذا يعني أن هناك الكثير من الحقيقة في القول بأن الكتابة هي 1 في المئة إلهام و99 في المئة جهد. أنا أيضا أدافع عن الإلهام، ولكن ليس بالمعنى الذي أعطاه له الرومانسيون، الذين اعتبروه نوعا من الإشراق الإلهي. عندما تعمل بجد على شيء، محاولا فهمه، والإصرار عليه، وتحفيزه ليشتعل، تصل إلى نقطة تتحكم فيها به وتندمج معه تماما لدرجة أنك تشعر كأن ريحا إلهية تملي عليك ما تكتبه. هذه الحالة من الإلهام موجودة، نعم، وعندما تختبرها، على الرغم من أنها قد لا تستمر لفترة طويلة، فإنها أعظم سعادة يمكن لأي شخص أن يعيشها.

 

بين الصحافة والأدب

تأثير الصحافة على رواياتي أراه تأثيرا متبادلا. فالرواية ساعدت صحافتي لأنها منحتها قيمة أدبية، وساعدت الصحافة رواياتي لأنها أبقتني على علاقة وثيقة بالواقع.

وصف الأحداث التي تبدو خيالية بتفاصيل دقيقة جدا يمنحها واقعها الخاص، وهذه تقنية صحفية يمكن تطبيقها في الأدب أيضا. على سبيل المثال، إذا قلت إن هناك أفيالا تطير في السماء، فلن يصدقك أحد. ولكن إذا قلت إن هناك أربعمائة وخمسة وعشرين فيلا يطيرون في السماء، فربما يصدقك الناس. رواية «مئة عام من العزلة» مليئة بهذا النوع من الأشياء. هذه بالضبط هي التقنية التي كانت جدتي تستخدمها. أتذكر بشكل خاص القصة التي كانت تتحدث عن الشخصية التي كانت تحيط بها الفراشات الصفراء. عندما كنت صغيرا جدا، كان هناك كهربائي يأتي إلى المنزل. كنت فضوليا للغاية لأنه كان يحمل حزاما يستخدمه لتعليق نفسه على أعمدة الكهرباء. كانت جدتي تقول إن كل مرة يأتي فيها هذا الرجل إلى المنزل، كان يترك المنزل مليئا بالفراشات. لكن عندما كنت أكتب هذا، اكتشفت أنه إذا لم أقل إن الفراشات كانت صفراء، فلن يصدقها الناس.

عندما كنت أكتب فقرة صعود «ريميديوس الجميلة» إلى السماء، استغرقني الأمر وقتا طويلا لجعلها مقنعة. في أحد الأيام خرجت إلى الحديقة ورأيت امرأة كانت تأتي إلى المنزل لغسل الملابس وكانت تنشر الشراشف لتجف، وكان هناك الكثير من الرياح. كانت تجادل الرياح كي لا تطير الشراشف بعيدا. اكتشفت أنه إذا استخدمت هذه الشراشف من أجل ريميديوس الجميلة، فسوف تصعد. هكذا فعلت، لجعل الأمر مقنعا. المصداقية هي مشكلة كل كاتب، فيمكن لأي شخص أن يكتب أي شيء طالما أنه يصدق.

عزلة الكاتب لها علاقة كبيرة بعزلة السلطة. محاولة الكاتب تصوير الواقع غالبا ما تقوده إلى رؤية مشوهة له، ففي محاولته لنقل الواقع يمكن أن يفقد الاتصال به في برج عاجي كما يقولون. الصحافة وسيلة جيدة للحماية من ذلك. لهذا السبب حاولت دائما الاستمرار في ممارسة الصحافة، لأنها تبقيني على اتصال مع العالم الحقيقي، خصوصا الصحافة السياسية والسياسة. العزلة التي هددتني بعد «مئة عام من العزلة»، لم تكن عزلة الكاتب؛ بل كانت عزلة الشهرة، وهي تشبه كثيرا عزلة السلطة. أصدقائي هم من حموني من تلك العزلة، أصدقائي الذين يقفون جانبي دائما.

أما عن الانضباط، فهو أمر مهم جدا بالنسبة إلي، فأنا لا أعتقد أنه تمكن كتابة كتاب يستحق شيئا من دون انضباط استثنائي.

أحد الأشياء التي كتبها إيرنست هيمنجواي وأثرت في بشدة هي أن الكتابة بالنسبة إليه كانت مثل الملاكمة. كان يعتني بصحته ورفاهيته. كانت لوليام فوكنر سمعة بأنه مدمن كحول، لكن في كل مقابلة كان يجريها كان يقول إنه من المستحيل كتابة سطر واحد أثناء السكر. سألني قراء سيئون إن كنت تحت تأثير المخدرات عندما كتبت بعض أعمالي. لكن هذا يوضح أنهم لا يعرفون شيئا عن الأدب أو المخدرات. لكي تكون كاتبا جيدا، عليك أن تكون في غاية الوضوح في كل لحظة من لحظات الكتابة، وفي صحة جيدة.. أعارض بشدة الفكرة الرومانسية عن الكتابة التي تفترض أن فعل الكتابة تضحية، وأنه كلما كانت الظروف الاقتصادية أو الحالة النفسية أسوأ، كانت الكتابة أفضل. أعتقد أنه يجب أن تكون في حالة عاطفية وجسدية جيدة جدا. بالنسبة إلي، يتطلب الإبداع الأدبي صحة جيدة.

أما عن تأثر كتاباتي بتدريبي في الصحافة، فأعتقد أنها أنشطة تكمل بعضها، فالعمل في الصحافة بشكل يومي يسمح لك بالتخلص من ذلك الاحترام المتردد الذي تشعر به تجاه الكتابة، في البداية على الأقل، عندما تبدأ بممارسة الصحافة أو كتابة الروايات، ثم تصل إلى نقطة حيث تكون الصحافة قد قامت بذلك بالضبط: جعلتك تعتاد الكتابة بسهولة وبشكل يومي، ثم بعدها تمنحك الرواية أفكارا لعملك الصحافي. لذا، فهي أنشطة مكملة لبعضها، والأهم من ذلك أن الصحافة كانت وسيلة للعيش، لكسب المال أثناء الكتابة. على المدى البعيد، مكنتني الرواية من تحسين الجودة الأدبية لعملي الصحافي، وساعدتني الصحافة على الانتباه للأحداث اليومية أو الحياة اليومية، وهو أمر مفيد بالنسبة للرواية..

مع مرور الوقت، الأدب والصحافة، اللذان كانا حتى الآن أنشطة متوازية، سوف يتقاطعان. أنا أبحث عن نوع من التوليف، مشابه لما فعله ترومان كابوت في «بدم بارد» هذا مجرد مثال؛ لا أعتبره تأثيرا. الشيء المثالي حاليا هو إيجاد حدث في الحياة اليومية تمكنني معالجته من منظور أدبي، لإثبات أن هناك فرقا بسيطا جدا، فجوة صغيرة جدا، بين الصحافة والأدب. وأيضا لإثبات أن الأحداث اليومية، والواقع، له القيمة الأدبية نفسها مثل الشعر على سبيل المثال.

ما أفعله «الآن» هو كتابة قصص قصيرة تستند إلى تجارب حقيقية لأمريكيين لاتينيين يعيشون في أوروبا.

أتعامل مع هذه الأحداث والتجارب ليس من منظور صحافي أو بوصفها ذكريات، بل ببساطة من منظور أدبي، وأمنحها قيمة أدبية.

على أية حال، أستطيع أن أثبت أنه لا يوجد سطر واحد ولا جملة واحدة ليست مستندة إلى واقع في كامل أعمالي. أعتبر مشكلتي الكبرى أنني أفتقر إلى الخيال. إذا لم تمنحني الحياة واقعة ما، فأنا غير قادر على اختراع واحدة، وأنا على استعداد كامل وقادر على إثبات ذلك، سطرا بسطر، جملة بجملة، في كل واحد من كتبي.

إذا كان لدي الوقت، سأفكر في كتابة كتاب على شكل مذكرات، أتحدث فيه عن أصول كل واقعة وكل مغامرة في كتبي. هذا الكتاب سيسمح لي بالسخرية من جميع النقاد ومحللي كتبي الذين يختلقون وقائع لا علاقة لها بما هو مكتوب.

 

نصائح غابرييل غارثيا ماركيز للكتاب

 

إذا كان علي أن أقدم نصيحة لكاتب شاب، سأقول له أن يكتب عن شيء حدث له؛ فمن السهل دائما معرفة ما إذا كان الكاتب يكتب عن شيء حدث له أو عن شيء قرأه أو سمعه. بابلو نيرودا لديه سطر في إحدى قصائده يقول: «ليحمني الله من الاختراع عندما أغني»، ودائما ما يثير ذلك إعجابي، لأن أعظم الإشادة بأعمالي تأتي بسبب الخيال، بينما الحقيقة هي أنه لا يوجد سطر واحد في كل أعمالي لا يستند إلى الواقع. المشكلة أن واقع منطقة الكاريبي يشبه أكثر أنواع الخيال جنونا.

بشكل عام أعتقد أنك تكتب بشكل أفضل عندما تكون جميع وسائل راحتك متوفرة من حولك. لا أؤمن بالخرافة الرومانسية التي تقول إن الكاتب يجب أن يكون جائعا ومضطربا تماما ليتمكن من الإنتاج، لكنك تكتب بشكل أفضل إذا تناولت وجبة جيدة وإذا كانت لديك آلة كاتبة كهربائية.

أحد أصعب الأشياء في الكتابة هي الفقرة الأولى. لقد قضيت عدة أشهر أحيانا في كتابة فقرة أولى، وبمجرد أن أحصل عليها، تصبح البقية سهلة للغاية. في الفقرة الأولى تحل معظم المشكلات المتعلقة بكتابك. يتم تحديد الموضوع، والأسلوب والنبرة. على الأقل في حالتي، تكون الفقرة الأولى بمنزلة عينة لما ستكون عليه بقية الكتاب».

في النهاية، الأدب ليس سوى نجارة. كلاهما عمل شاق للغاية. كتابة شيء ما صعبة مثل صناعة طاولة. فيهما معا تعمل مع الواقع، وهو مادة صلبة تماما مثل الخشب. كلاهما مليء بالحيل والتقنيات. في الأساس، هناك القليل جدا من السحر والكثير من العمل الشاق».

 

ابدأ مبكرا: سمعت شيئا من الكاتب الدومينيكاني خوان بوش في كاراكاس قبل حوالي خمسة وعشرين عاما: قال إنه يجب أن تتعلم حرفة الكتابة، التقنيات وطرق البناء والتفاصيل الدقيقة والخفية، عندما تكون صغيرا. نحن الكتاب مثل الببغاوات، لا يمكننا تعلم الكلام عندما نكبر.

وركز على التقنية:

عندما تكبر، وعندما يقل الإلهام، تعتمد بشكل أكبر على التقنية. إذا لم تكن تمتلك ذلك، ينهار كل شيء. لا شك أنك تكتب بشكل أبطأ بكثير، وبعناية أكبر، وربما بإلهام أقل، وهذه هي المشكلة الكبرى للكاتب المحترف.

اعمل على كتابتك، وليس على مسيرتك المهنية:

هناك أستاذ فرنسي في جامعة تولوز يكتب عن الأدب اللاتيني الأمريكي؛ كتب إليه العديد من الكتاب الشباب يخبرونه بألا يكتب عني كثيرا لأنني لست بحاجة إلى ذلك بعد الآن بينما هناك أشخاص آخرون بحاجة إليه. لكن ما ينسونه هو أنه عندما كنت في سنهم، لم يكن النقاد يكتبون عني، بل عن ميجيل أنخيل أستورياس. النقطة التي أحاول توضيحها هي أن هؤلاء الكتاب الشباب يضيعون وقتهم في الكتابة للنقاد بدلا من العمل على كتاباتهم الخاصة. الشيء الأكثر أهمية هو أن تكتب، وليس أن يكتب عنك. أحد الأمور التي أعتقد أنها كانت مهمة جدا في مسيرتي الأدبية هو أنه حتى بلغت الأربعين من عمري، لم أحصل على قرش واحد من إيرادات حقوق المؤلف، رغم أنني كنت قد نشرت خمسة كتب.

ضع قواعدك الخاصة، ولكن تأكد من الالتزام بها:

عندما قرأت كافكا، فجأة فهمت مدى وجود العديد من الإمكانيات الأخرى في الأدب خارج الأمثلة العقلانية والأكاديمية البحتة التي صادفتها في كتب المدرسة الثانوية. كان الأمر أشبه بتمزيق حزام العفة. ومع ذلك، على مر السنوات، اكتشفت أنك لا تستطيع أن تخترع أو تتخيل كل ما يخطر ببالك لأنك حينها تخاطر بعدم قول الحقيقة، والأكاذيب في الأدب أخطر منها في الحياة الواقعية، حتى أكثر الإبداعات التي تبدو عشوائية لها قواعدها. يمكنك التخلص من ورقة التوت التي تمثل العقلانية فقط إذا لم تنحدر بعدها إلى الفوضى الكاملة واللاعقلانية.

 

ثق بحدسك، وليس بعقلك:

الإلهام هو عندما تجد الموضوع المناسب، الموضوع الذي تحبه حقا؛ هذا يجعل العمل أسهل بكثير. الحدس أساس آخر لكتابة الرواية، نوع خاص من القدرة، يساعدك على فك شفرة ما هو حقيقي من دون الحاجة إلى المعرفة العلمية أو أي نوع خاص آخر من التعلم. يمكن اكتشاف قوانين الجاذبية بسهولة أكبر بالحدس أكثر من أي شيء آخر. إنه وسيلة لاكتساب الخبرة من دون الحاجة إلى المرور بها. بالنسبة إلى الروائي، الحدس ضروري. في الأساس، هو يتعارض مع العقلانية، التي ربما تكون الشيء الذي أكرهه أكثر من أي شيء آخر في العالم، بالمعنى الذي يحول فيه العالم الواقعي إلى نوع من النظرية الجامدة. الحدس لديه ميزة أنه إما أن يكون، أو لا يكون. لا تحاول جاهدا وضع مسمار دائري في فتحة مربعة.

كلما زادت معرفتك بموضوعك، وجب أن تكون أكثر إيجازا: علمني جراهام جرين كيف أفك شفرة المناطق الاستوائية، ولا أقل من ذلك، يعني أن تفصل العناصر الأساسية لتركيب شعري من بيئة تعرفها جيدا، وهذا أمر بالغ الصعوبة. فكل شيء مألوف جدا لدرجة أنك لا تعرف من أين تبدأ، ومع ذلك لديك الكثير لتقوله لدرجة أنك تنتهي بعدم فهم أي شيء. كانت هذه مشكلتي مع المناطق الاستوائية. قرأت كريستوفر كولومبوس، وبيجافيتا، وغيرهما من المؤرخين الأوائل للهند الغربية باهتمام كبير، مقدرا رؤيتهم الأصلية. كما قرأت سالجاري وكونراد و«الاستوائيين» اللاتينيين الأمريكيين في أوائل القرن العشرين، الذين رأوا كل شيء من خلال نظارات الحداثة، وغيرهم الكثير، لكنني دائما ما وجدت فجوة هائلة بين نسخهم والواقع، فبعضهم وقع في فخ سرد القوائم، والمفارقة هي أنه كلما طالت القائمة، بدت رؤيتهم أكثر ضيقا. آخرون، كما نعلم، استسلموا للإفراط البلاغي. حل جراهام جرين هذه المشكلة الأدبية بطريقة دقيقة جدا، باستخدام عدد قليل من العناصر المتفرقة المرتبطة بتماسك داخلي خفي وحقيقي في الوقت ذاته. باستخدام هذه الطريقة، يمكنك اختزال لغز المناطق الاستوائية بأكمله إلى رائحة الجوافة الفاسدة.

التزم بالحقيقة: في الصحافة، مجرد حقيقة واحدة خاطئة تضر بالعمل بأكمله. على النقيض، في الأدب الروائي، حقيقة واحدة صحيحة فقط تمنح الشرعية للعمل بأكمله. الفرق الوحيد هنا في تلك النقطة يكمن في التزام الكاتب. يمكن للراوي أن يفعل أي شيء يريده طالما جعل الناس يصدقونه.

ولا يمكنك أن تكون كاتبا من دون أن تمتلك حيلا. المهم هو شرعية تلك الحيل وإلى أي مدى تستخدم وإلى أي درجة.

وأهم شيء هو أن تستمر في الكتابة

وهي النصيحة الوحيدة الممكنة، أن تواصل الكتابة.

 

غابرييل غارثيا ماركيز (1927-2014)

روائي وصحافي كولومبي حائز على جائزة نوبل في الآداب عام 1982.

 

 

اختيار وترجمة- د. سارة حامد حواس

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى