ترجمة حصرية لكتاب صاحب مهمة من جبل طارق إلى مغرب محمد الثالث
طبيب بريطاني أنقذ الأمير مولاي عبد السلام من العمى قبل 236 سنة

يونس جنوحي
«اسمه ويليام لامبريير.. طبيب شاب من بريطانيا، غادر لأداء الخدمة العسكرية مع بداية سنة 1789، من بريطانيا إلى جبل طارق. لكنه بمجرد ما أن قضى بضعة أشهر هناك، حتى جاءت رسالة من لندن، بأمر من الملكة فيكتوريا شخصيا، توصي بتلبية طلب السلطان المغربي سيدي محمد بن عبد الله، لعلاج ابنه المريض، الأمير مولاي عبد السلام، خليفته في تارودانت..
تطوع «لامبريير» للمهمة، وخاض رحلة من جبل طارق إلى قصر تارودانت، وأنقذ الأمير من الإصابة بالعمى التام.. نجاح مهمته جعله موضوع مكيدة، حيث أسر المحيطون بالسلطان في قصر مراكش إلى المولى محمد الثالث أن هذا الطبيب حاول تسميم الأمير، فتحول من طبيب إلى أسير.. ولم يفلح في الإفلات من الأسر، إلا بعد أن عالج إحدى زوجات السلطان من تسمم خطير.. مغامرة «لامبريير» كما كتبها بنفسه في كتاب صدر سنة 1791 في لندن بعنوان: « A Tour from Gibraltar to Tangier Sallee Mogadore Santa Cruz Taroudant».. ليست مجرد سرد ليوميات طبيب في مهمة خطيرة تتمثل في علاج أحب أبناء السلطان إلى قلبه، وخليفته في واحدة من أكثر المناطق المتمردة على السلطة، إنها وثيقة استكشافية للمغرب، بعيون خبير عسكري وميداني، التقط أكثر مما انبغى له أن يعرف خلال هذه الرحلة.. وهنا نقدم لكم ترجمة حصرية، نعيد فيها هذا الكتاب إلى الحياة بعد 236 سنة تأليفه..».
++++++++++++++++++++++++++++++++
طبيب عسكري أم «جاسوس» لاستكشاف تارودانت أو المغرب الغامض؟
اسمه «ويليام لامبريير».. جاء إلى المغرب خريف سنة 1789.
لم يكن هذا الشاب الذي كان في الثامنة والثلاثين من العمر، يتوقع أنه سيأتي إلى المغرب، عندما تطوع في السنة نفسها في مهمة عسكرية بجبل طارق.
أما المغامرة فقد بدأت عندما توصل البريطانيون برسالة من السلطان سيدي محمد بن عبد الله، يطلب فيها أن يضعوا رهن إشارته طبيبا متمكنا لعلاج ابنه الأمير مولاي عبد السلام ، المهدد بالإصابة بالعمى.. والموجود في تارودانت، حيث كان يشغل منصب خليفة والده في واحدة من أكثر المناطق غير المستقرة في المغرب.
ولم يكن السلطان سيدي محمد بن عبد الله يطلب من البريطانيين خدمة إنسانية، أو مساعدة، فقد عرض مبلغا من المال، مقابل تخصيص الطبيب ووضعه رهن إشارته، بالإضافة إلى مبادرة إطلاق سراح عشرة بحارة بريطانيين كانوا قد وقعوا في الأسر على يد القراصنة في سلا، واحتفظ بهم المغرب.
تلقى الإنجليز الرسالة، وأحيلت على الفور، بأمر من الملكة فيكتوريا، على أحد المسؤولين العسكريين في منطقة جبل طارق، مع أمر مباشر بتعيين طبيب على قدر كبير من الكفاءة لكي يضطلع بالمهمة.
في شهر شتنبر، وقع الاختيار على «ويليام لامبريير» لهذه المهمة، وأخبر بطبيعتها، لكنه لم يكن يتوقع أن يعيش كل المغامرات التي وجد نفسه في قلبها.
عند تأمل هذه المهمة، خصوصا أن وضع المغرب وقتها في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله كان على قدر كبير من الخصوصية، تحوم الشكوك حول دوافع اعتماد الطبيب «ويليام لامبريير» ليتكلف بعلاج أحد أبرز أبناء السلطان المرشحين لخلافته في المستقبل، والمشرف على منطقة سوس التي كانت بالنسبة إلى الإنجليز تدخل في حكم «المجهول».
كان على «لامبريير» أن «يعبر» المسافة من جبل طارق إلى طنجة، ومنها إلى العرائش، فالرباط وسلا، ثم إلى «موكادور»، قاطعا مسافات شاسعة تطلبت منه قضاء أيام طويلة في العراء، ونصب الخيام.. ورغم التسهيلات التي أمر السلطان أن يتمتع بها، إلا أن مهمته لم تخل من صعوبات.. من الصويرة، أو «موكادور»، اتجه صوب خليج أكادير، ومنها سار في رحلة محفوفة بالمخاطر، ووصل إلى تارودانت لكي يضع خبرته في الطب، بين يدي الأمير مولاي عبد السلام الذي كان يخوض حروبا ضارية ضد القبائل المتمردة، للحفاظ على سلطة والده في الجنوب المغربي.
في تارودانت، عاش «لامبريير» مغامرات لإتمام مهمته. إذ وضعت أمامه عراقيل شتى، ووجد نفسه في قلب بلاد ينظر أهاليها إلى الأوروبيين على أنهم «أسرى»، وكفار.. وهو ما تكرس لديه أكثر عندما اكتشف الإقامة التي وضعت لإيوائه خلال مدة إشرافه على علاج مولاي عبد السلام .. فقد وضعه الخدم في ملاح اليهود في تارودانت.. وهو الملاح الذي عرف تاريخيا بتدني مستوى معيشة سكانه وانتشار الأوبئة في أوساطهم، مثل الجذام والجذري..
كان وضع الطبيب البريطاني في هذا الملاح المتداعي، إمعانا من محيط الأمير، في إذلال الطبيب «المزهو» بعلمه وبراعته وقدراته على العلاج..
ورغم نجاح مهمته في علاج عيني الأمير مولاي عبد السلام، إلا أن «لامبريير» صار «أسيرا» في قصر مراكش لدى السلطان سيدي محمد بن عبد الله، بسبب سوء فهم مع وزراء السلطان، الذين نشروا إشاعة مفادها أن الطبيب حاول تسميم الأمير، ولم يطلق سراحه، إلا بعد أن كتب للسلطان استعطافا لتحريره.. لكن قدرته على علاج إحدى نساء السلطان، بعد إصابتها بتسمم، كانت شفيعا له لإطلاق سراحه، حتى يعود إلى جبل طارق، بعد قرابة سنة قضاها بين المغاربة.
الكتاب لا يقدم وصفا فقط لمغامرة هذا الطبيب، حيث وصل من جبل طارق إلى تارودانت.. لكنه أيضا يقدم وصفا دقيقا لطبيعة حكم السلطان سيدي محمد بن عبد الله، وخصائص السلطة المركزية وأسرار نظام العمل الإداري المخزني، وأوصاف وجغرافية البلاد، كما لو أنه وثيقة استخباراتية تعج بالمعلومات الميدانية!
حين فاوض السلطان الأوروبيين بأسراهم و«روّض» القراصنة
عرف عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله باحتواء نشاط الجهاد البحري. سلطان لا يحب أوروبا ولا يفضل التعامل مع الأوروبيين.. هذا هو الانطباع الذي ساد عن السلطان سيدي محمد بن عبد لله في صفوف ملوك أوروبا، خصوصا إسبانيا والبرتغال، ثم بريطانيا.
السلطان السلفي، كان لقبه داخل المغرب. مناصر للعلماء والقضاة.. عزل الوزراء وأدب موظفي المخزن، وأرسل أبناءه لتأديب القبائل المتمردة ضد العرش، لضبط النظام العام..
لم يكن سهلا على الأجانب اقتحام سلطة هذا السلطان المحافظ الذي جعل من ملف الأسرى الأجانب لديه، ورقة رابحة لكي يفاوض من أجل مصلحة بلاده، وهو الذي ورث بلادا ضعيفة، وكادت أن تصبح مخترقة بالكامل من طرف القوى الأجنبية.. وصل سيدي محمد بن عبد الله إلى الحكم سنة 1757، وشرع في تنزيل مخطط للحد من نفوذ الأجانب لديه..
يحفظ التاريخ لسيدي محمد بن عبد الله أنه خاض حربا ضد إسبانيا والبرتغال، وحقق للمغرب حماية قوية على مستوى الحدود البحرية، وأجبر أوروبا على الانسحاب من عدد من النقاط، وهكذا فقد تأخر احتلال المغرب أكثر..
حتى أن أسطول المغرب بلغ خمسين سفينة، وهو رقم غير مسبوق، تحقق بسبب احتجاز السلطان لسفن أوروبية اخترقت المياه المغربية، وتشجيعه على بناء السفن الجديدة، وهو ما وفر حماية إضافية ضد أي توغل أجنبي.
«الندية»، هي سياسة التعامل التي سنها السلطان محمد الثالث، كما تلقبه كتب التاريخ – الأجنبية خصوصا- مع دول أوروبا.
ومن الإشارات التي وردت في هذه المذكرات التي كتبها الطبيب «لامبريير»، بعد عودته إلى بريطانيا مباشرة، ونشرها سنة 1791 -أقل من عامين على خوضه المغامرة- أن الرباط وسلا، موطن القراصنة ومعقل الجهاد البحري الذي أرعب أوروبا، كانتا معا تحت سيطرة السلطان.
وقد أشارت كتب التاريخ المحلية إلى هذه الحقيقة، التي أكدها «لامبريير» في هذه المذكرات. ومن بين أقوى ما كتبه المؤرخون المغاربة، ما نقله الباحث المغربي ذ. محمد العولة: «وقامت سلا والرباط بجهد كبير في عمليات بناء السفن وترميمها، كما كادتا تستأثران في هذه الحقبة بعمليات الجهاد البحري، حتى أن العاهل الذي كان يفكر في مصادرة الأراضي التي يستغلها أهل الرباط، على أنها ملك للدولة، تراجع عن ذلك، لأنه لم يكن له أن يستغني عن أهل الرباط لخبرتهم البحرية والحربية، بالرغم من أن الجيش خرب جنائنهم، لما كان لهم من موقف عدائي سابق ضد أخيه مولاي أحمد.
ومن البديهي أن الاستيلاء على السفن الأجنبية وأسر بحارتها وضباطها كان يثير أحيانا ردود فعل قوية، كما هو الشأن في ضرب الأسطول الفرنسي للعرائش وسلا. وفي الغالب كانت المفاوضات خير وسيلة للوصول إلى حل مُرض للأطراف المعنية. وكان من الصدف أن إحدى السفن الأمريكية قد تم الاستيلاء عليها بعد سنوات قليلة من اعتراف المغرب باستقلال الولايات المتحدة، الذي أعلن في رابع يوليوز 1776 م. وهكذا وقعت السفينة في قبضة المغاربة سنة 1784م، واحتاج الأمريكيون إلى تدخل إسبانيا وفرنسا لدى المغرب لتسوية المشكل، وحرر الأسرى، واسترجع الأمريكيون السفينة، ثم عين أول قنصل عام للولايات المتحدة بالمغرب، وعقدت معاهدة أولى للصلح في 16 يوليوز 1786. وقد رفض الأمريكيون أداء الجزية، كما كان يرفضها الإنجليز والفرنسيون».
+++++++++++++++++++++++++++++++++
وصول «لامبريير» لعلاج الأمير تزامن مع معركة نواحي تارودانت
الوقت لم يكن في صالح السلطان سيدي محمد بن عبد الله، خصوصا وأنه كان يرى كيف أن أحب أبنائه إلى قلبه، الأمير مولاي عبد السلام، كان يعاني كل يوم أكثر مع داء أصاب عينه، ويهدد قدرته على الرؤية. وحتى الأطباء المحليون، كانوا يرون أن الداء الذي ألم به، يجعله مهددا بالإصابة بالعمى التام في أية لحظة.
وعندما وصل الطبيب «ويليام لامبريير» إلى المغرب، قادما إليه من جبل طارق، بعد رحلة قصيرة من بريطانيا، كان مرض مولاي عبد السلام يزداد سوءا.. لكن هذا كله لم ينقص من عزيمة الطبيب الذي لم يكن يعرف أي شيء عن المغرب، ولا عن المغاربة.
وهنا ننقل مقطعا حصريا من مذكراته الأصلية، بالإنجليزية، لأول مرة إلى العربية، يحكي فيه عن لحظات وصوله الأولى إلى طنجة، وكان ذلك يوم 14 شتنبر 1789:
«علمتُ وقت وصولي، أن مريضي كان، بأمر من والده، يقود جيشا في الجبال الواقعة بين مراكش وتارودانت. مما جعلني اضطر للبقاء في طنجة، إلى أن تلقينا معلومات مؤكدة تفيد بعودة الأمير إلى تارودانت، مقامه المفضل.
سيكون صعبا الحسم في ما إذا كان يسيطر عليّ الإحساس بالندم عند وصولي إلى هذا البلد. فالمسافة قصيرة جدا، والانتقال إلى هنا يخلف لدى المرء إحساسا بالرضى.. إلى درجة أنني بالكاد أحس أنني خارج أوروبا. حتى أنني اقتنعتُ بأنني لا أزال في أوروبا، بفضل الاختلاف الجميل في مظهر الناس وأخلاقهم، وهو ما جعلني أحسم موقفي فورا، بمجرد ما أن دخلتُ طنجة».
بهذه العبارات بدأ الطبيب «لامبريير» يصف لحظات وصوله الأول إلى مدينة طنجة، قادما إليها من جبل طارق. وهو الذي لم يكن يملك أدنى فكرة عن بلاد المغرب ولا عن طباع المغاربة.
يواصل هنا في هذا المقطع الذي ننقل ترجمته حصريا، وصف لحظات مغادرته المدينة، لاكتشاف بلاد المغرب، وبداية مهمته المتمثلة في علاج ابن السلطان..:
«يوم الثلاثين من شتنبر، مع تمام الساعة الثالثة بعد الظهر، انطلقنا في رحلتنا. ومع نزول الظلام، بلغنا قرية صغيرة تبعد حوالي ثمانية أميال عن طنجة، وتُسمى «عين الضوية»، وهناك أقمنا المخيم وقضينا الليلة.
كانت المنطقة التي وصلنا إليها بعد مغادرة طنجة، قاحلة وجبلية، خالية تقريبا من السكان.
استمررنا في الرحلة إلى أن وصلنا العرائش. ولم تظهر لنا في الطريق سوى بضع قرى صغيرة متفرقة، بين الحين والآخر.
كانت القرى في جميع أنحاء هذه الإمبراطورية، تتكون من أكواخ متواضعة، مبنية من الحجارة والطين والقصب، وتُسقف بالقش، وتحيط بها أسوار عالية».
هذا الوصف الذي قدمه الطبيب الشاب لامبريير، يكشف – سيما في الفقرات التي تلت هذه الشهادة- نوعا من الإحباط الذي تَمَلَّكَهُ وهو يغادر طنجة، ويتجه جنوبا.. فقد بدأ هنا يستشعر ثقل المهمة التي «رمى» نفسه إليها، ويحس بجديتها، ومدى الخطورة التي تنطوي عليها، خصوصا وأنه أسر في مقاطع أخرى، كيف أن الناس لم يكونوا متسامحين نهائيا مع وجود «النصارى» في البلاد..
أكثر ما أرهق الطبيب «لامبريير»، عملية عبور الوديان، للوصول إلى المحطات الأخرى في الرحلة.. فقد كانت التضاريس وعرة، وظروف السفر لم تكن مريحة نهائيا، رغم التوصيات..
إذا كان ضيف مهم، بمكانة طبيب لبى دعوة علاج ابن السلطان، قد عانى لأداء مهمته، فكيف ستكون ظروف سفر المسافر العادي في «بلاد المغرب»؟
بلاد القراصنة وتعقيدات الإدارة.. هكذا كانت الرباط وسلا قبل 236 سنة
الوصول إلى الرباط وسلا كان شاقا. الرحلة لم تكن سهلة نهائيا، خصوصا أن الأجواء كانت جديدة على الشاب البريطاني الذي درس الطب، لكنه لم يدرس جغرافيا شمال إفريقيا ولا عادات الشعوب وتقاليدهم. حتى أنه اعترف في بعض المقاطع من كتابه، بأن انطباعاته عن المغرب وعموم إفريقيا لم تكن تتجاوز بعض الكتابات «المتحيزة»، والتي سبق له الاطلاع عليها في كتابات مستكشفين، أو تقارير المهام الدبلوماسية لسفراء بريطانيا لدى المغرب، أثناء المهام الرسمية. وهي كلها كتابات متحاملة على المغرب.
يقول «لامبريير» إنه كان يتوفر على رسالة موجهة إلى القنصل الفرنسي في سلا، بغرض تسهيل مهمته. لكن قبل الخوض في أي تفاصيل، نُسجل هنا وصفا مثيرا للمدينة بعيون الطبيب «لامبريير». يقول:
«في الوقت الذي كانت فيه كل من الرباط وسلا تبدوان بهذه الروعة، إلا أنهما كانتا أيضا تمثلان ما يمكن أن يوصف بالدولتين المستقلتين. فقد كان سكانهما يدفعون ضرائب بسيطة وضئيلة جدا للسلطان، وبالكاد تعترفان به حاكما لهما. ولا شك أن هاتين الدولتين المستقلتين تستمدان قوتهما من أعمال القرصنة.
قلة فقط من الناس من لديهم القدرة على تحمل المتاعب، ومواجهة الصعوبات الكبيرة لجني المال ومراكمة الثروة، دون أن تتوفر لهم ضمانات للتمتع بها وعدم سلبها منهم. وسكان الرباط وسلا، كانوا يحرصون على هذا الأمر. ورغم هذا كله، إلا أن سيدي محمد عندما أصبح أميرا على الرباط وسلا، أخضع المدينتين، وضمهما إلى سلطته.
وكانت هذه الخطوة ضربة قاتلة لأعمال القرصنة.
إذ إن هؤلاء البحارة، الذين تملكهم اليأس وتيقنوا أنهم فقدوا مصدر إعالة أسرهم، تأكد لهم أنهم لم يعودوا قادرين على جني المال. وعندما أصبح الأمير سيدي محمد سلطانا، وضع حدا نهائيا لعمليات النهب والقرصنة التي كانوا يمارسونها، وذلك بإعلانه إبرام سلام شامل مع أوروبا بأكملها. ومنذ ذلك الوقت، غزا البحر مجرى النهر، وارتفع منسوبه، وساد اعتقاد لدى هؤلاء الناس مفاده أنه لو كان بإمكان هؤلاء الناس استعادة استقلالهم يوما ما.. فإن غزو البحر لنهرهم، سيكون عائقا أمامهم لا محالة».
بدا واضحا أن الطبيب لامبريير، كان قاسيا في وصف سكان الرباط وسلا، علما أن أعيانهما لم يكونوا بخلاء معه. وبمجرد وصول خبر بلوغه سلا، حتى أظهر له الأعيان استعدادهم للتعاون معه، خصوصا وأن مهمته كانت على قدر كبير من الأهمية.
الوصول إلى الرباط، كان يعني ضمنيا اقتراب مرحلة «الجد» في مهمته. إذ إن الصعوبة الحقيقية كانت تتمثل في تجاوز «موگادور»، و«أكادير»، للوصول إلى تارودانت.
إذ إلى جانب كُره الأهالي والأعيان جنوب المغرب للنصارى، بغض النظر عن جنسيتهم، ينضاف مشكل صعوبة الجغرافيا.. والزمن لم يكن في صالح الطبيب «لامبريير»، سيما أنه تحول في رحلته من طبيب إلى رحالة ومستكشف.
«لامبريير» أعجب بشجاعة عبد السلام ومغامرة علاجه من إصابات المعارك
يقول الطبيب لامبريير: «غادرت مدينة سانتا كروز يوم 26 أكتوبر 1789. وبعد يومين وصلت إلى تارودانت، والتي كانت تبعد بأربعة وأربعين ميلا، الطريق كانت رائعة، لكنه رتيبة».
كان قد مضى على انطلاق رحلة «لامبريير» من طنجة ما يقارب شهرين، قضاها في الطريق، وتخطي «الأهوال»، رغم التوصيات التي تلقاها «خدام المخزن» في كل منطقة يصل إليها، لجعل مهمته أسهل.. لكنها في الحقيقة لم تكن كذلك نهائيا.
عندما وصل «لامبريير» إلى تارودانت، والتي كانت بحسب وصفه لها، مدينة غامضة، وجد نفسه في قصر الأمير، ينتظر دوره للمثول بين يديه، وتقديم العلاجات الضرورية له.
التعب الذي تملك «لامبريير» عند الوصول إلى قصر الأمير في تارودانت، جعله يكون قاسيا في وصف هذه الإقامة التاريخية. فقد أشاد بجمالها الخارجي، ومنظر الأسوار الطينية، لكنه اعتبر أن تصميم القصر وأثاثه لم يكونا يعكسان أي ذوق رفيع..
ولم يفته أن يذكر أن الأمير كان بالدرجة الأولى رجل حرب، في خدمة والده السلطان..
ومن المعلومات المثيرة التي قدمها الطبيب «لامبريير»، والتي قد يكون استقاها من موظفي المخزن الذين اصطحبوه للقاء، أن الأمير هو الذي صمم قصره بنفسه.
يقول «لامبريير» إنه أعجب كثيرا بحديقة القصر، رغم أن جنباته لم تعجبه نهائيا. وأرجع الفضل في جمالية الحديقة وتصميمها، إلى إشراف أسير إسباني عليها، باعتباره «بستانيا».
ينتقل «لامبيير» إلى الأهم، ويصف كيف وجد الأمير المصاب ومغامرة العلاج.
يقول: «عندما دخلتُ إلى ساحة القصر، وجدت في أحد جوانبه جماعة من الرجال جالسين القرفصاء، أسفل منافذ متآكلة ومتداعية، ينتظر كل منهم وصول دوره، لكي يحظى بشرف المناداة عليه للمثول بين يدي الأمير.
وبما أنني كنت معفيا من حرج الانتظار مع هؤلاء الناس، الذين لا أتحدث لغتهم، بقيت قائما، أمشي جيئة وذهابا، حتى أنهم ظنوا أنني ربما قد أكون مصابا بالجنون.
(..) مضت ساعة من الانتظار، وجاء دوري لكي أدخل، رفقة مترجمي. عبرنا قاعة مظلمة، تفضي إلى ساحة واسعة، في نهايتها باب، يُدخل إلى مجلس الأمير.
عندما دخلتُ، وجدته جالسا على الأرض، فوق وسادة، وتحتها فرشت زربية طويلة، يجلس عليها رجال من حاشيته.
قدمت له رسالة القنصل البريطاني، بعد أن لفها أحد خدمه داخل منديل حريري..
أومأ لي الأمير برأسه، موجها إليّ التحية، مرددا: «بونو طبيب.. بونو إنجليزي». مستعملا خليطا من العربية والإسبانية، ويقصد: «طبيب جيد. إنجليزي جيد».
بعد ذلك أشار إلينا الخادم، وأمرنا بالجلوس أمام الأمير».
وصف الطبيب لامبريير الأمير، الذي كان خليفة لوالده في تارودانت، يقود الجيش لتهدئة القبائل الثائرة في سوس، وإنهاء الفتنة.
يقول «لامبريير» إن مولاي عبد السلام في سنة 1789 لم يكن سنه تتجاوز 35 سنة، ووصف الإصابة البالغة التي تعرض لها على مستوى وجهه، خلال المعارك. والتي لم يكن لها أي علاقة بقدرته على الإبصار، واحتمال إصابته بالعمى التام مستقبلا. إذ تبين للطبيب أن الأمير مصاب بالرمد، وأن إحدى عينيه كانت مصابة بالعدوى بشكل متقدم، وأن الغشاوة الزرقاء سبب عجز الأمير عن الرؤية بوضوح بالعين المصابة.
ورغم أن حصة التشخيص الأولى كانت موفقة، اطمأن فيها الطبيب إلى وجود أمل في شفاء مريضه، إلا أن تعامل محيط الأمير معه، جعله يفكر في المغادرة على الفور. إذ إن الخدم «رموه» في مسكن وصفه بـ«الحقير»، واتضح أن الأمير أوصى بأن يتم إيواؤه جيدا، لكن الخدم – في خطوة انتقام واحتقار للنصراني- قرروا أن يُسكنوه منزلا متداعيا و«حقيرا» في ملاح اليهود في مدينة تارودانت.
علاج سكان البلاط واستكشاف المغرب «المجهول»
من الطرائف التي عاشها الطبيب «لامبريير»، اكتشافه أن المغاربة لم يكونوا يعرفون أي شيء عن عادات الأوروبيين الصباحية. فقد عانى بمجرد وصوله مع الحراس بالسماح له بعبور البوابة، واكتشف أن السبب هو ذقنه الحليقة..
فقد تحولت حلاقة الذقن، إلى موضوع تناقش فيه أفراد حاشية السلطان والخدم. واتهموه بأنه بحلاقة ذقنه، يحاول إخفاء سنه الحقيقية، وأنه يحاول الظهور بمظهر أصغر من سنه.. وشككوا في نواياه الحقيقية وما إن كان فعلا قد جاء لعلاج الأمير، أم للتآمر عليه.. خصوصا أن الحالة السياسية في سوس وقتها، كانت مفتوحة على كل الاحتمالات، مع ازدياد حالات التمرد في صفوف القبائل، وازدياد احتمالات المكائد..
العلاج لم يكن سهلا، فقد كان الطبيب «لامبريير» يرى أن السبيل الوحيد لعلاج الأمير، إرغامه على تغيير عاداته الغذائية لضبط ضغط دمه، حتى لا تتفاقم الإصابة في عينيه.
تنفس «لامبيير» الصعداء، عندما تأكد له أن المرض الذي أصاب عيني الأمير لا علاقة له بالإصابات التي تعرض لها على مستوى الوجه، دفاعا عن سلطة أبيه ونفوذه الترابي.
ولم يفت «لامبريير» أن يثني على ثقافة الأمير وانفتاحه. فقد أشار إلى أن الأمير طلب منه أن يقيس نبضه، وظهر له أن لديه وعيا بعمل الطبيب، وأهمية الالتزام بتناول الأدوية. وكان هذا الأمر عزاء للطبيب «لامبريير»، الذي عانى كثيرا مع حاشية الأمير وخدم القصر الذين كانوا قساة معه.
لكن واحدة من أطرف التجارب التي عاشها «لامبريير» أثناء مقامه في ضيافة الأمير، أنه تلقى في إحدى المرات، دعوة من قاضي قضاة تارودانت.. والذي كان يحظى بعناية واحترام كبير من طرف الأمير.
لبى الطبيب «لامبريير» دعوة القاضي، وحضر في داره لمأدبة عشاء شرفية. وكان أول ما سأل عنه القاضي، الطبيب «لامبريير»، هو أجرة القاضي في لندن!
ولم يتوقف الأمر عند الحد، بل إن قاضي تارودانت انفجر غضبا عندما سمع مبلغ راتب القاضي في بريطانيا، وانتفض مستنكرا هزالة أجرته التي يمنحها له الأمير، مقارنة مع أجر القاضي في بريطانيا.
عندما قضى الطبيب «لامبريير» أسبوعين في ضيافة الأمير، وبدأت تظهر علامات تقدم علاجه، حاز أخيرا على الثقة المولوية، وعُرض عليه أن يعالج حريم القصر، خصوصا والدة الأمير.. وقد سجل «لامبريير» كيف أن نساء القصر أصبن بالدهشة عندما رأين رجلا أوروبيا في القصر، وكانت تصدر عنهن صرخات الدهشة، وهن يرين لباسه الأوروبي المختلف جذريا عن لباس المغاربة.
كان خبر استعادة الأمير قدرته على قراءة الرسائل وكتابتها، قد عم أرجاء القصر، ووصل إلى جناح الحريم أيضا، وهو ما كان يعني أن الطبيب نجح فعلا في مهمته التي فشل فيها كل من حاول علاج الأمير مولاي عبد السلام سابقا.
كان جناح الحريم يضم زوجات الأمير والخادمات. وذكر في مذكراته أنه عالج أغلبهن، سيما الطاعنات في السن، دون أن يرى ملامحهن نهائيا.. فقد كانت بعض الإناث من الأطفال، تتولين مهمة اقتياد الطبيب عبر ربوع جناح الحريم، وإدخاله إلى الغرف بعد بسط ستار بينه وبين المريضة، وكان يمد يده لكي يتفقد الإصابات ويقترح الأدوية المناسبة، دون أن يرى ملامحهن.
اشتكى «لامبريير»، رغم نجاح مهمته، من محيط الأمير مولاي عبد السلام، وحاشية السلطان سيدي محمد بن عبد الله نفسه. فقد أكد في أكثر من موضع من هذه المذكرات، أنهم جميعا، سواء موظفين أو خدم، لم يكونوا يطيقون التعامل معه نهائيا.
غادر «لامبريير» مدينة تارودانت يوم 7 دجنبر 1789، وعاد أدراجه عبر مراكش التي قضى فيها شهرا كاملا، استفاد خلاله من سمعة نجاحه في علاجه الأمير، ومثل بين يدي السلطان سيدي محمد بن عبد الله.. حتى أنه أشار في موضع من هذه المذكرات، إلى أن السلطان – رغم الجفاء الذي عامله به- قد طلب منه علاج زوجته، والدة الأمير الذي نجح في علاجه سابقا..
إلا النهاية التي آلت إليها هذه المغامرة المغربية، بسبب سوء تفاهم وكراهية حاشية السلطان، من وزراء ومستشارين وعلماء، تعرض الطبيب «لامبريير» لاحتجاز في القصر، وخصص حيزا مهما في مذكراته لقصة خروجه من هذا المأزق، قبل أن يغادر المغرب، ويؤلف هذه المذكرات التي تفصل فيها وشرح حالة البلاد وخصائص الحكم، وحتى المشاكل التي كانت تتخبط فيها البلاد في ظرفية حساسة.





