
يونس جنوحي
منارة «كاب سبارطيل»، أو كما يُعرفها التاريخ المغربي وينسب اسمها إلى منطقة «أشقار»، لا تزال مصرة على مواجهة تيار «الشرقي» القوي والموج العاتي، منذ 1864. ولا تزال «ضمنيا» في الخِدمة، رغم أن سفن اليوم تتبع مسارها وتحمي مسافة الأمان عن الشاطئ والصخور اعتمادا على نظام تحديد المواقع وترسل الذبذبات مثل الوطاويط، ولا حاجة لها بالمنار..
الملك المغربي محمد بن عبد الرحمن كتب رسالة رسمية يطلب فيها اقتناء مصباح المنار.. وكان المغاربة وقتها يُسمون المصباح «الماكينة»، ذات زمن. ولا يزال الأرشيف شاهدا على هذه الرسالة المؤرخة يوم 23 أكتوبر 1862.
طلب المغرب المصباح، والآلة التي تحركه حول محوره، ثم جاءت الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية وعقدت اجتماعا بينها، قررت فيه، ببساطة، ألا يتحمل المغرب أي فلس نهائيا في عملية بناء المنار. لماذا؟
كان الأمريكيون يرون أن لا داعي لمساهمة المغرب في بناء المنار، وقالوا لممثل المغرب، الوزير والدبلوماسي محمد بركاش، في يوم 13 ماي 1865، إن المغرب معفي من المساهمة في مصاريف البناء لأن المغرب لم تعد له مراكب حربية ولا أسطول تجاري، وهكذا فإن المصاريف تقع على عاتق الدول المستفيدة من المنار في المستقبل.
لم يكن المقترح الأمريكي موفقا. أثبت التاريخ أن السفن المغربية احتاجت «المنار» أكثر من غيرها.. بل من سخرية التاريخ أن سفنا بريطانية تحطمت بسبب الصخور، على بعد أمتار فقط من المنار!
المقترح الأمريكي لم يكن نابعا من فراغ، بل كان هناك تضييق من فرنسا وإسبانيا والبرتغال على الملاحة المغربية في ذلك التاريخ، وكان الهدف إنهاء أي وجود بحري للمغرب في الساحل.
لكن سخرية التاريخ وحدها تكفلت بالموضوع. ففي الوقت نفسه الذي كان فيه الأمريكيون، إلى جانب كل من النمسا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وهولندا والبرتغال وإسبانيا، وحتى السويد والنرويج، يوقعون على نص اتفاق تمويل مشروع المنارة، كان الحرفيون في مرسى سلا والصويرة وآسفي والدار البيضاء وأكادير، يواصلون بناء السفن الخشبية التي يدخلون بها البحر لممارسة الصيد.
أجدادنا وصلوا إلى أمريكا قبل «كولومبوس»، لكن كتبة التاريخ في الضفة الأخرى بقوا مصرين على نسب شرف الاكتشاف لواحد منهم.
ظل المغاربة أسياد البحر، وازدادت قوة الجهاد البحري المسمى في التاريخ الأوروبي «قرصنة» وفوضى عصابات.. وظل المنار في «كاب سبارطيل»، يومض ليلا، إلا أن بحارتنا كانوا يحفظون البحر بل ويُبدعون في المناورات، وكأنهم يحتجون على استثناء الاتفاقية للمغرب بدعوى عدم توفره على أسطول بحري ينافس السفن الأجنبية.
ورغم أن المنارة كانت تعتبر ثورية في زمنها، إلا أن سفنا أجنبية تحطمت غير بعيد عن أشقار، أشهرها بواخر بريطانية وفرنسية بعضها كانت تقل شخصيات مرموقة، وتكلف الموج بحمل أشلائها الخشبية إلى الشاطئ.
وتبقى حادثة تحطم باخرة ابنة أحد نبلاء بريطانيا المعروفين، رفقة زوجها الثري وأبنائها، واحدة من أعنف حوادث التحطم التي هزت الجالية الأوروبية في شمال المغرب.. حتى أن الأعلام الأوروبية نُكست في سماء طنجة الدولية، وأعلن الحداد لثلاثة أيام. في الأخير اكتشفوا أن الباخرة غرقت أمام «المنارة» بالضبط، واستنتجوا أن الربان لم يتمكن من رؤية ضوئها بسبب كثافة الضباب.
منارة «أشقار» لا بد أن تبقى في مكانها وتصمد أمام عاديات الزمن. فهي أكبر من مجرد منار بحري يشبه المنارات المترامية في شواطئ الدول الاسكندنافية والمناطق البحرية المجاورة لبقايا الصخور والجبال.. إنها شاهد على تقزيم دور المغرب في مرحلة حاسمة من التاريخ، قبل أن يعمل البحارة على تصحيح معلومات سعادة المبعوث الأمريكي إلى طنجة الدولية حيث جرى التوقيع.





