حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةتقاريروطنية

أكبر مكتبة في شمال المغرب موصدة في وجه الطلبة والقراء

استمرار إغلاق مكتبة "اقرأ" بطنجة رغم الخصاص في فضاءات المطالعة

طنجة: محمد أبطاش

رغم تشييدها ضمن المشاريع الملكية لبرنامج “طنجة الكبرى” لتكون أكبر مكتبة عمومية بشمال المملكة، لا تزال مكتبة “اقرأ” بحي بوخالف في طنجة مغلقة منذ سنوات، في مشهد يثير الكثير من علامات الاستفهام، خاصة في مدينة تعرف توسعا عمرانيا وديمغرافيا متسارعا، وتحتضن واحدة من أكبر الجامعات بالمغرب، فضلا عن آلاف التلاميذ والباحثين الذين يعانون من خصاص واضح في فضاءات القراءة والمطالعة العمومية.

وبينما تتزايد الدعوات إلى تشجيع القراءة والبحث العلمي وتوفير البنيات الثقافية، بقي هذا المشروع، الذي كان يعول عليه ليشكل متنفسا ثقافيا وعلميا لسكان المدينة، خارج الخدمة، دون إعلان رسمي عن موعد افتتاحه أو توضيح الأسباب التي تحول دون استغلاله، رغم انتهاء أشغال إنجازه منذ سنوات.

 

حلم ثقافي تحول إلى بناية مغلقة

كان من المنتظر أن تتحول مكتبة “اقرأ” إلى مركز معرفي يحتضن الطلبة والباحثين والتلاميذ والأطفال والمهتمين بالثقافة، من خلال قاعات للمطالعة والبحث، وفضاءات للأنشطة الثقافية، وورشات للتكوين والقراءة، بما ينسجم مع المكانة الاقتصادية والعلمية التي أصبحت تحتلها مدينة طنجة. غير أن الواقع يكشف أن هذا الصرح الثقافي ظل مغلقا، في وقت تعرف فيه المدينة خصاصا كبيرا في المكتبات العمومية، حيث يضطر عدد من الطلبة إلى البحث عن مقاه أو فضاءات خاصة لمراجعة دروسهم، بينما يفتقد الباحثون إلى مرافق عمومية مجهزة تمكنهم من إنجاز أعمالهم العلمية في ظروف مناسبة.

ويؤكد فاعلون ثقافيون أن طنجة، رغم حجم الاستثمارات التي شهدتها خلال السنوات الأخيرة، ما تزال تعاني من ضعف البنية التحتية الثقافية المخصصة للمطالعة، وهو ما يجعل استمرار إغلاق أكبر مكتبة في شمال المغرب مفارقة يصعب تفسيرها، خاصة وأن المشروع أنجز أصلا لمعالجة هذا الخصاص.

وقالت مصادر مهتمة بهذا الجانب، إن استمرار الوضع على ما هو عليه يحرم أجيالا كاملة من فضاء عمومي كان من شأنه الإسهام في نشر ثقافة القراءة، واحتضان المبادرات الأدبية والفكرية، وتعزيز الحياة الثقافية بمدينة تشهد نموا سكانيا وجامعيا متواصلا.

 

المجلس الأعلى للحسابات يكشف أسباب التعثر

الملف عاد إلى الواجهة بعد التقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات، الذي رصد اختلالات في إعداد وتنفيذ مشاريع التنمية الترابية، ومن بينها مشاريع برنامج “طنجة الكبرى” التي لا تزال بعض مكوناتها متوقفة عن أداء وظائفها رغم انتهاء أشغالها.

وأشار التقرير إلى غياب دراسات جدوى دقيقة قبل إطلاق عدد من المشاريع، وعدم توثيق الأسس العلمية والموضوعية التي اعتمدت في اختيارها، فضلاً عن عدم استحضار الجوانب المالية والقانونية والتشغيلية والاجتماعية والبيئية التي تضمن استدامة هذه المشاريع بعد إنجازها.

كما سجل المجلس أن عدداً من المشاريع اصطدم بعد انتهاء الأشغال بإشكالات كان يفترض معالجتها قبل الانطلاق، من بينها توفير الأوعية العقارية، وضمان التمويلات اللازمة، وتحديد الجهات المكلفة بالتسيير، ورصد الموارد البشرية الضرورية لتشغيل هذه المرافق، وهو ما أدى إلى بقائها مغلقة أو غير مستغلة. وتؤكد مصادر مطلعة أن مكتبة “اقرأ” تعد من بين المشاريع التي تأثرت بهذه الإشكالات، إذ لم تتمكن الجهات المعنية من الانتقال بها من مرحلة الإنجاز إلى مرحلة التشغيل، رغم الحاجة الملحة إليها.

 

مدينة جامعية بلا فضاءات كافية للقراءة

تحتضن طنجة آلاف الطلبة الجامعيين، إلى جانب عشرات الآلاف من التلاميذ، فضلاً عن الباحثين والأساتذة، وهو ما يجعل الحاجة إلى مكتبات عمومية حديثة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. ويرى مهتمون بالشأن الثقافي أن المكتبات العمومية لم تعد مجرد أماكن لاستعارة الكتب، بل أصبحت فضاءات للتكوين والابتكار والعمل الجماعي والبحث العلمي، وهو ما يجعل استمرار إغلاق مكتبة بهذا الحجم خسارة حقيقية للمدينة ولسكانها.

ويضيف هؤلاء أن توفير فضاءات للمطالعة يكتسي أهمية خاصة في ظل ارتفاع كلفة الاشتراك في الفضاءات الخاصة، وعدم قدرة عدد كبير من الطلبة على تحملها، الأمر الذي يجعل المكتبة العمومية إحدى أدوات تحقيق تكافؤ الفرص في الولوج إلى المعرفة. كما أن استمرار إغلاق المشروع يحرم الجمعيات الثقافية والكتاب والفاعلين المدنيين من فضاء كان بإمكانه احتضان الندوات والمعارض واللقاءات الأدبية والأنشطة الموجهة للأطفال والشباب، بما ينعش الحياة الثقافية بالمدينة.

 

استثمار عمومي خارج الخدمة

لا يقتصر أثر استمرار إغلاق المكتبة على تعطيل مرفق ثقافي، بل يمتد إلى تجميد استثمار عمومي أنجز بأموال كبيرة دون أن يحقق الغاية التي رصدت له، في وقت تتزايد فيه المطالب بترشيد الإنفاق العمومي وربط المشاريع بنتائجها الفعلية. كما أن بقاء البناية مغلقة لسنوات يجعلها معرضة للتقادم والحاجة إلى صيانة إضافية قبل تشغيلها، وهو ما قد يرتب أعباء مالية جديدة كان يمكن تفاديها لو دخلت الخدمة في الوقت المحدد.

 

يوسف شبعة*: مكتبة “اقرأ” لغز محيّر وإغلاقها يثبت فشل تدبير الشأن الثقافي

قال يوسف شبعة في تصريح لـ “الأخبار”، إن مكتبة “اقرأ” تُعد واحدة من المؤسسات الثقافية التي ما تزال، إلى اليوم، تمثل لغزًا ثقافيًا محيرًا بمدينة طنجة، رغم مرور أكثر من عشر سنوات على إنشائها دون أن تفتح أبوابها أمام العموم. والغريب في الأمر حسب شبعة أن عدة مشاريع ثقافية أُطلقت بعد إنشاء مكتبة “اقرأ” رأت النور وأصبحت تؤدي أدوارها، من بينها قصر الفنون والثقافة، وفيلا هاريس، ومتحف ابن بطوطة، ودار البارود، وسينما الكازار، ورياض السلطان، وغيرها من الفضاءات التي ساهمت في إحداث دينامية ثقافية ملحوظة بالمدينة. بل حتى الملعب الكبير لطنجة خضع لإعادة التوسعة والتأهيل، في حين ظلت مكتبة “اقرأ” مغلقة، وأصبحت محل سخرية وتندر بين الساكنة. وقد أطلقت عليها شخصيًا اسم “مكتبة: ما أنا بقارئ”.

وأضاف، إن استمرار إغلاق هذه المكتبة يعد إعلانًا عن فشل الجهات المكلفة بتدبير الشأن الثقافي بالمدينة، كما تتحمل وزارة الشباب والثقافة والتواصل النصيب الأكبر من المسؤولية. فبدل أن نطالب بإنشاء مكتبة كبرى في كل مقاطعة، خاصة وأن مدينة طنجة تعرف نموًا ديمغرافيًا متسارعًا نتيجة هجرة تقدر بنحو ثلاثة آلاف أسرة شهريًا، بحسب ما صرح به رئيس الجهة، أصبحنا اليوم نطالب فقط بفتح مكتبة واحدة في مدينة يتجاوز عدد سكانها المليون نسمة.

واسترسل شبعة، أنه ومن الأخطاء التدبيرية أيضًا إغلاق مكتبة عبد الله كنون بدعوى الإصلاح، لتلتحق هي الأخرى بمكتبة “اقرأ” في قائمة المؤسسات الثقافية المغلقة. وكان من الأولى فتح مكتبة “اقرأ” أمام الطلبة والباحثين قبل الشروع في إصلاح مكتبة عبد الله كنون، حتى لا تُحرم المدينة من فضاءين أساسيين للقراءة والبحث في الوقت نفسه. ويبقى المتضرر الأكبر من هذا الوضع هم الطلبة والباحثون، إذ يضطر كثير منهم إلى التنقل نحو المكتبة الوطنية بالرباط للحصول على المراجع التي يحتاجونها.

“أملنا أن تُفتح أبواب مكتبة “اقرأ” في أقرب الآجال أمام القراء والباحثين، حتى لا تدخل، على سبيل المفارقة، موسوعة “غينيس” للأرقام القياسية باعتبارها أول مكتبة في العالم تظل مغلقة منذ إنشائها” يقول شبعة.

* كاتب وروائي بطنجة

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى