حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةسياسية

ألاسكا من السيطرة الروسية إلى المِلكية الأمريكية

تاريخ عريق وثروات طبيعية ودور مميز للولاية في السياسة والاقتصاد العالميين

تستعد ولاية ألاسكا لاستضافة لقاء مرتقب بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، بهدف مناقشة مستقبل النزاع في أوكرانيا. اختيار هذه الولاية لم يكن عشوائيا، فهي ليست قريبة جغرافيا من روسيا فحسب، بل تحمل تاريخا غنيا يمتد من السيطرة الروسية إلى التحاقها بالولايات المتحدة، فضلا عن كونها مركزا اقتصاديا مهما، بفضل ثرواتها الطبيعية، وبرنامج الصندوق الدائم الذي يعكس نموذجا فريدا لإدارة الموارد. يقدم هذا المقال قراءة شاملة لألاسكا من منظور تاريخي وسياسي واقتصادي واجتماعي، لتسليط الضوء على أهميتها الاستراتيجية والثقافية.

 

سهيلة التاور

 

تتجه الأنظار الدولية إلى ولاية ألاسكا، حيث أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمه على الاجتماع بنظيره الروسي فلاديمير بوتين، اليوم الجمعة، في خطوة تهدف إلى بحث مستقبل النزاع القائم في أوكرانيا. وأوضح ترامب الموعد عبر حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن يؤكد الكرملين تاريخ الاجتماع ذاته، مشيرا إلى أن اختيار ألاسكا «منطقي»، نظرا إلى قربها الجغرافي من روسيا، ما يسهل عملية التنقل ويمنح اللقاء بعض المصداقية العملية.

ورغم الأبعاد الجغرافية، يحمل اختيار ألاسكا دلالات تاريخية عميقة، فهي كانت جزءا من الأراضي الروسية حتى منتصف القرن التاسع عشر، قبل أن تنتقل ملكيتها إلى الولايات المتحدة في صفقة شراء معروفة عالميا عام 1867.

وتحتفل ألاسكا في 18 أكتوبر من كل عام بما يعرف بـ«يوم ألاسكا»، وهو اليوم الذي تحولت فيه تبعية الإقليم رسميا من روسيا إلى الولايات المتحدة، بعد أن اشترته واشنطن مقابل 7.2 ملايين دولار. تقع الولاية في أقصى شمال غرب قارة أمريكا الشمالية، وتحيط بها كندا من الشرق، والمحيط المتجمد الشمالي من الشمال، والمحيط الهادئ من الجنوب والغرب، ما يمنحها موقعا استراتيجيا فريدا يربط بين القارة الأمريكية وروسيا عبر أقصر مسافة بحرية.

وتعد ألاسكا أكبر الولايات الأمريكية من حيث المساحة، حيث تمتد على نحو 1.7 مليون كيلومتر مربع، لكنها من أقل الولايات سكانا، إذ لا يتجاوز عدد السكان 700 ألف نسمة. تضم الولاية العديد من الجزر، بعضها بركاني، وتتنوع تضاريسها بين الجبال الشاهقة والأنهار الجليدية والسواحل الطويلة، ما يجعلها مميزة من الناحية الجغرافية والطبيعية، ووجهة للبحث العلمي والاستكشاف البيئي.

تشير الدراسات التاريخية إلى أن البشر استوطنوا ألاسكا منذ نحو عشرة آلاف سنة قبل الميلاد، حين كان هناك جسر بري يربط سيبيريا بشرق الولاية، ما سمح للمهاجرين بالعبور مع قطعان الحيوانات. ومن بين هذه المجموعات القديمة، ما زال أحفادها يعيشون حتى اليوم، مثل الأثاباسكان والأليوت والإنويت ويوبيك وتلينغيت وهايدا، محتفظين بعاداتهم ولغاتهم وتقاليدهم الثقافية الخاصة، ما يعكس استمرارية تاريخية طويلة رغم التغيرات السياسية والاجتماعية.

 

السيطرة الروسية والبدايات الأوروبية

في أوائل القرن الثامن عشر، تحدث السكان الأصليون في سيبيريا عن وجود أراض شاسعة شرق بلادهم. وفي عام 1728، قاد الملاح الدانماركي فيتوس بيرينغ بعثة استكشافية بأمر من القيصر الروسي بطرس الأكبر، فاكتشف أن هذه الأراضي غير متصلة بالبر الروسي، لكن الضباب حال دون تحديد صلتها بأمريكا الشمالية. وفي رحلته الثانية عام 1741، شوهدت قمة جبل سانت إلياس، ونزل رجال البعثة إلى الشاطئ.

أدى اكتشاف فراء ثعالب البحر إلى فتح تجارة مربحة بين أوروبا وآسيا والساحل الغربي لأمريكا الشمالية استمرت قرنا كاملا. وفي عام 1784، أسس الروس أول مستوطنة أوروبية في خليج ثري سينتس، قرب كودياك الحالية، وبدؤوا في استغلال الموارد الطبيعية للمنطقة. لكن هذا التوسع جاء على حساب السكان الأصليين، حيث تعرض الأليوت للقتل، والعمل القسري في صيد الفقمات، وانتشار الأمراض المستوردة من الأوروبيين.

وفي القرن التاسع عشر، دخل التجار البريطانيون والأمريكيون منافسة حادة مع الروس في تجارة الفراء، وانتهت هذه المنافسة عام 1824 بمعاهدات ثنائية تحدد مناطق التجارة وتنظمها، ما شكل خطوة مهمة في رسم الحدود الاقتصادية والسياسية للمنطقة، قبل انتقالها إلى السيادة الأمريكية.

 

انتقال السيادة إلى الولايات المتحدة

مع انخفاض أعداد ثعالب البحر وتداعيات حرب القرم (1853-1856)، رأت روسيا أن الوقت مناسب للتخلي عن ألاسكا. قاد ويليام سيوارد، وزير الخارجية الأمريكي، المفاوضات، وتم التوصل إلى اتفاق لشراء الإقليم مقابل 7.2 ملايين دولار، وهو ما كان يمثل مبلغا ضخما في تلك الفترة، لكنه لاحقا اعتبر استثمارا استراتيجيا حكيما.

رغم الانتقادات التي واجهت الصفقة ووصفها البعض بـ«حماقة سيوارد»، تم رفع العلم الأمريكي في العاصمة حينذاك، سيتكا، في 18 أكتوبر 1867. في البداية، أُديرت الولاية عبر قادة عسكريين حتى عام 1877، مع بطء في التطوير الداخلي، باستثناء إنشاء مصنع لتعليب السلمون عام 1878، الذي أسس لاحقا لصناعة مزدهرة على مستوى العالم.

من أواخر القرن التاسع عشر، شهدت ألاسكا اكتشافات الذهب، وازدهارها الاقتصادي، وأعلن الكونغرس عام 1884 الإقليم مقاطعة فيدرالية مع إنشاء محاكم ونظام مدرسي. وبحلول 1906، أرسل الإقليم أول مندوب غير مصوت إلى الكونغرس، وأُجريت انتخابات تشريعية محلية عام 1912. وبعد تصويت سكان ألاسكا عام 1946 لصالح الانضمام كولاية، أقر الكونغرس مشروع قانون ولاية ألاسكا عام 1958، وانضمت رسميا إلى الاتحاد الأمريكي عام 1959، لتصبح الولاية رقم 49.

 

الموارد الطبيعية والنمو الاقتصادي

شهدت خمسينيات القرن العشرين اكتشافات نفطية وغازية في شبه جزيرة كيناي وحوض كوك إنليت، ما جعل صناعة الطاقة المحرك الاقتصادي الأول للولاية بحلول السبعينيات. إلا أن الاكتشاف الأبرز جاء عام 1968، حين تم العثور على حقل نفطي ضخم في خليج برودو، يقدر احتياطه بنحو 13 مليار برميل، على بعد أكثر من ألف كيلومتر عن مدينة أنكوريج.

وأدى هذا الاكتشاف إلى تحول اقتصادي نوعي، إذ جنت الولاية نحو 900 مليون دولار من عقود تأجير الأراضي المحيطة للحفر والإنتاج، وتم لاحقا إنشاء خط أنابيب لنقل النفط عبر ألاسكا، مما عزز موقع الولاية كمركز إنتاجي رئيسي للنفط، وجذب استثمارات كبيرة من شركات عالمية، وأسهم في تطوير البنية التحتية المحلية بشكل غير مسبوق.

 

البيئة والطبيعة والسياسة

تشتهر ألاسكا بقممها الجليدية المهيبة وغاباتها الكثيفة وأنهارها الجليدية الطويلة، وتعد موطنا لمجموعة متنوعة من الحياة البرية بما فيها الدببة، والغزلان، والثعالب، والحيتان. ويستقطب هذا التنوع البيئي العلماء والسياح على حد سواء، حيث تساهم السياحة البيئية في دعم الاقتصاد المحلي، إلى جانب النفط والمعادن.

سياسيا، تميل ألاسكا، تقليديا، إلى الحزب الجمهوري، وآخر مرة فاز فيها ديمقراطي بمقعد في الكونغرس كانت عام 1974، ولم تصوت الولاية لمرشح ديمقراطي للرئاسة منذ جيمي كارتر عام 1976. ومع كل هذه الخلفية التاريخية والجغرافية والاقتصادية، يظل اختيار ألاسكا لاستضافة لقاء رفيع المستوى بين ترامب وبوتين يحمل بعدا رمزيا، يعكس أهمية الولاية على الصعيدين الاستراتيجي والاقتصادي، ويؤكد أن هذه المنطقة النائية ما زالت تحتفظ بمكانتها على الخريطة الدولية.

إن ألاسكا بتاريخها الروسي، وثرواتها الطبيعية الضخمة، وبرنامجها الاقتصادي الفريد، تمثل أكثر من مجرد موقع جغرافي؛ فهي مساحة تتقاطع فيها السياسة مع التاريخ، والاقتصاد مع الثقافة، لتصبح اليوم ساحة مهمة لتفاهمات كبرى بين أكبر قوتين عالميتين، بينما تستمر في المحافظة على تراثها الطبيعي والثقافي الفريد.

 

 

مؤطر

التأثير الاقتصادي والاجتماعي لصندوق ألاسكا الدائم

رغم الطفرة النفطية، لاحظ الحاكم جاي هاموند، الذي تولى المنصب عام 1974، أن هذه الموارد لن تدوم، فبادر إلى تأسيس «صندوق ألاسكا الدائم» عام 1976، لوضع 25 في المائة من عائدات النفط في صندوق ادخار للأجيال المقبلة. بلغت قيمة الصندوق اليوم أكثر من 65 مليار دولار، ويُعد نموذجا فريدا لإدارة الموارد الطبيعية بشكل مستدام، ويمكن اعتباره أحد أفضل الأمثلة على التوزيع العادل للثروة الطبيعية على المواطنين.

وفي عام 1982، بدأ تطبيق برنامج «حصص أرباح الصندوق الدائم»، حيث يحصل المقيمون في ألاسكا منذ عام على الأقل على مبالغ مالية سنوية من أرباح الصندوق. بلغت أول دفعة ألف دولار للفرد، أي ما يعادل نحو 2670 دولارا بأسعار اليوم، وتحدد قيمة الحصة بناء على متوسط عوائد الصندوق الخاضعة للضريبة خلال السنوات الخمس السابقة، ما يضمن استدامة البرنامج وعدم التأثر بالتقلبات الاقتصادية.

وأظهرت دراسة لمعهد الأبحاث الاجتماعية والاقتصادية بجامعة ألاسكا عام 1984 أن 60 في المائة من السكان يؤيدون البرنامج، بينما 29 في المائة لديهم موقف متحفظ، و10 في المائة يعارضونه. وأشارت النتائج إلى أن نحو 45 في المائة من المبالغ تُنفق على الاحتياجات الأساسية، و20 في المائة تُدخر، و20 في المائة تُدفع للضرائب الفيدرالية، و5 في المائة لسداد الديون، و10 في المائة للترفيه.

وفي دراسة أُجريت عام 2016، أكدت النتائج أن البرنامج ساهم في تقليل الفقر، خاصة بين السكان الأصليين الذين تتجاوز معدلات الفقر لديهم ضعف معدلات غيرهم. كما ساعد البرنامج في إخراج نحو 15 إلى 25 ألف شخص سنويا من دائرة الفقر المدقع، وتوزع الحصص في أكتوبر من كل عام، ما يضخ أموالا مباشرة في الاقتصاد المحلي ويحفز الاستهلاك حتى نونبر.

وفي عام 2018، وزعت أكثر من مليار دولار على نحو 90 في المائة من سكان الولاية البالغ عددهم 740 ألف نسمة، مما يعكس مدى أثر البرنامج على المستوى المعيشي. ويعتبر مؤيدو البرنامج أنه أداة للحد من استحواذ المصالح الخاصة على الصندوق، ويعمل كشبكة أمان اجتماعي لجميع السكان.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى