
حسن البصري
كان الله في عون رجال الأمن الوطني الذين قضوا ليلة ليلاء عقب مباراة أولمبيك أسفي واتحاد العاصمة الجزائري.
في فجر يوم الاثنين الماضي وصلت حافلات تقل في جوفها مشجعين جزائريين، عادوا من أسفي بعد مباراة دامية.
حين كنا نياما في بيوتنا، كانت شوارع الدار البيضاء تعيش حالة استنفار أمني، وكان أنصار الفريق الجزائري يتسكعون في حي المعاريف ووسط المدينة، وهم يزعجون قطط البيضاء.
والناس نيام، كان ضيوفنا الثقلاء يتغنون بموشحات التأهيل، ويعلنون نصرا مبللا بالدم.
وجد مؤثرون جزائريون في مباريات أنديتهم فرصة لتقديم محتوياتهم التافهة، بحثوا عن أنقاض الهدم في المدينة القديمة فحولوه إلى مادة تجلب «لايكات» الإعجاب.
وفر لهم المنظمون فرصة استقبال بالورود، ووضعوا رهن إشارتهم حافلات مكيفة، أقلتهم بالمجان من الدار البيضاء إلى أسفي، كان الله في عون سائقيها الذين تحملوا رائحة المخدرات وعنف الكلمات التي تخدش الحياء.
قال سي ناصر سائق الحافلة: «كنت أتحاشى الوقوف في باحات الاستراحة رحمة بمقاهيها ومتاجرها ومراحيضها».
لا يؤمن الجزائريون بمبدأ «المعاملة بالمثل»، وكلما قادتنا القرعة اللئيمة إلى جحيم حدث رياضي في الجزائر، سألنا خزنتها «ألم يأتكم نذير».
ولأن الشيء بالشيء يذكر، فقد قدر لي أن أعيش يوم فاتح ماي 2015، في مدينة سطيف الجزائرية، حدثا مشابها لما حصل في أسفي، مع تغيير في الأدوار والوقائع.
قررنا الإقامة في فندق «كنز» وسط المدينة، غير بعيد عن محطة القطار، وتحديدا في شارع الشهيد محمد صابر. بينما أقامت بعثة الرجاء في مدينة العلمة المجاورة.
كانت الأجواء توحي بتوتر آت لا ريب فيه، وكانت تصريحات رئيس وفاق سطيف حسان حمار (بتشديد الميم)، تصب الخل في الزيت.
قال سائق سيارة الأجرة، وهو يستأذننا في تدخين سيجارة محلية:
الإخوان مراركة.
نحن مغاربة
غدوة ماتش صعيب
الغلبة للأفضل.
انتهى الحوار المختزل عند بوابة ملعب 8 ماي، كُتبت على جدرانه عبارة:
ملعب النار والانتصار.
أجرى فريق الرجاء الرياضي حصته التدريبية وسط استنفار أمني، عملت السلطات الجزائرية على تأجيل احتفالات عيد العمال لتزامنها مع مباراة. يا إلهي!
في رحلة العودة إلى الفندق، لاحظت أن الأمكنة المحيطة بالملعب تحمل أسماء شهداء المقاومة الجزائرية: حي المعدومين الخمسة، شارع مختار لعريبي، شارع سعيد بوخريصة، واسم الملعب أيضا يؤرخ لمذبحة..
قلت لسائق الطاكسي، الذي كان يقودنا إلى مستشفى سطيف لعيادة مشجعين رجاويين تعرضوا للتعنيف، قبل أن نعلم أنهم نقلوا إلى مستشفى مدينة بولوغين:
كل الشوارع والأزقة تحمل اسم شهداء المقاومة ضد المستعمر الفرنسي.
كلها تؤرخ لأسماء المجاهدين رحمهم الله.
لكن هناك مليون شهيد
لكل شهيد تقريبا زقاق
زقاق تنبعث منه رائحة الدم.
انتهت المباراة بخسارة الرجاء بضربات الترجيح، وشهدت المواجهة ضربات موجعة من تحت الحزام في حق المشجعين الرجاويين، بهراوات البوليس التي لم يسلم منها المسيرون والصحافيون.
في ملعب «النار والانتصار» انتحرت القيم الفضلى للرياضة، وداس المنظمون على الروح الرياضية وتم تعليق العمل بـ«خاوة خاوة».
تحول حمار، بالشدة فوق «بردعة» الميم، إلى بطل قومي حمله جمهور سطيف على الأكتاف، بينما كان رئيس الرجاء محمد بودريقة يضمد كدماته بعد أن سقط تحت الأقدام.
جرت مياه كثيرة تحت جسر المواجهات الكروية بين الجزائر والمغرب، ورمى القدر برئيسي الرجاء وسطيف في السجن بالتهم نفسها تقريبا: التزوير والنصب وخيانة الأمانة، وفي مجال الاشتغال ذاته: العقار.
قال الرئيس السابق لنادي وفاق سطيف:
استثمرت فترة سجني في قراءة القرآن والحصول على شهادة البكالوريا، وكتابة مذكراتي..
مذكرات لن تغيب عنها موقعة فاتح ماي.





