حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

إلى أين تسير البشرية؟

 

 

يسرا طارق

 

بعد ملايين السنين من الطفرات والقطائع والاصطفاء الطبيعي، تمكن الإنسان من حيازة مكانته في أعلى هرم الكائنات التي تعيش فوق الكرة الأرضية. لم يصل لهذا المقام بقوته العضلية، ولا ببأسه ولا بقدرته على افتراس الكائنات الأخرى، وإنما لأن دماغه كبر وتطور، وصارت له قدرات عقلية وذكاء يفوق بكثير الكائنات الأخرى.

بقدراته العقلية تمكن الإنسان من أن ينجو في ظروف مناخية قاسية، وأن يتكاثر ويُخضع كل ما يوجد فوق الأرض لإرادته، وأن يبني حضارات معقدة خلفت منجزات باهرة، لكن ألا تمتلك الكائنات الأخرى، التي تتقاسم مع الإنسان الأرض، ما يمتلكه الإنسان من قدرات؟! فإن كان الإنسان طور اللغة وصار يتواصل بها بيسر مع الآخرين، فإن النحل والنمل والطيور وحتى الأشجار تتواصل في ما بينها بشكل جيد، فتتمكن نحلة، مثلا، وبرقصة مخصوصة من أن تخبر زميلاتها بالرحيق الذي عثرت عليه وبمكانه، والمسافة التي تفصلها عنه والطريق التي عليها سلكها نحوه، وإن كان الإنسان ابتكر الأدوات التي تسهل عليه الدفاع عن نفسه ومباشرة حياته اليومية، فإن الغربان تعرف كيف توظف بعض التقنيات للحصول على الطعام، كما أن بعض أنواع القردة تعرف كيف تستعمل عصا، مثلا، في الدفاع عن النفس وإسقاط الثمار، وإن كان الإنسان ابتكر الفلاحة وتربية الماشية لتأمين قوته، فإن بعض أنواع النمل تمارس الفلاحة، فالنمل قاطع الأوراق يزرع أنواعا من الفطريات، وهناك نمل يتعهد بالرعاية قطعانا من حشرات المن، ويحميها، ويوفر لها المأوى والغذاء، ويحلب ما تفرزه من عسل، يسمى المن، وهو مادة سكرية يتغذى عليها النمل، وإن كان الإنسان طور حياته في مدن بها طرق معقدة وعمارات سكنية، فإن بعض أنواع النمل تقدر على بناء مدن بطرق سيارة، وتهوية، وتوزيع حضري مذهل، يبقى أكبر المهندسين أمامه مبهورا. جملة، يمكن القول إن كل تجليات الذكاء الإنساني توجد بصيغ مختلفة لدى كائنات أخرى. ما يميز الذكاء الإنساني أنه ذكاء جامع لكل ما تفرق في الطبيعة، كما أنه ذكاء فيه قدر كبير من الخيال والقدرة على الاستباق. فالنحل يكرر منذ ملايين السنين ما يعرفه وما يقوم به، والنمل كذلك، بينما الإنسان طور ويطور نفسه باستمرار، ومنذ أن انفصل عن الطبيعة وبنى ثقافة خاصة به، تمكن من أن يحقق منجزات كبرى، جعلت في النهاية مصير الكرة الأرضية مرهونا بما يقوم به.

الذكاء الإنساني نعمة كبيرة، به طور الإنسان قدراته، وعالج نفسه من الأمراض، وابتكر به أسلحة فتاكة تبدو أنياب الأسد أمامها شيئا ناعما. بهذا الذكاء سيدخل الإنسان عهد التطور التكنولوجي الذي سيقرب به المسافات، وسيعفي به العقل من جهد الحساب وفك المعادلات المعقدة، بل به، وبتطوير الروبوتات، صار بالإمكان الاستغناء عن العمل اليدوي للإنسان، وتكليف الآلة به، وسيصل التطور التقني إلى ابتكار الذكاء الاصطناعي الذي سيعوض، ولأول مرة، الملكة التي تفوق بها الإنسان على الكائنات الأخرى. البشرية مقبلة في السنوات القادمة على دخول باراديغم جديد، لا علاقة له بكل ما عرفته سابقا، عالم جديد كلية نرى إرهاصاته أمام أعيننا، عالم لن تكتفي الآلة فيه بأن تتلقى الأوامر من الإنسان، بل إنها ستفكر وتبرمج نفسها، وتتصرف بحسب منطق لا دخل للإنسان فيه. بعد سنوات قليلة لن نعود في حاجة للطبيب والجراح، ولا للمهندس ولا للمعلم، ولا للجندي ولا لمن يراقب الآخرين، فالذكاء الاصطناعي سيعوض كل هذه المهن، وبجودة عالية.

عمل الإنسان منذ قرون على ابتكار أدوات تسهل الحياة، لكنه استسلم لسعار التطور حتى ابتكر أخيرا ما سيقضي عليه في النهاية، لقد باع الإنسان روحه للآلة مثلما باع فاوست روحه للشيطان.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى