
بمجرد مرور أسبوع على دخول شهر رمضان، تبدلت ملامح جل الأسواق، وتحولت وفرة العرض الظاهرية إلى موجة زيادات مفاجئة في بعض الأسعار، بعدما كانت مستقرة نسبيا، قبل حلول الشهر الكريم، حيث قفزت أثمان الأسماك إلى مستويات قياسية، وتعالت الشكايات من تباين أسعار الخضر والفواكه، واختلاف تسعيرة اللحوم الحمراء والبيضاء والبيض من مدينة إلى أخرى، بل ومن حي إلى آخر داخل المدينة نفسها.
والغريب هو حتى مكونات «الحريرة» من قزبر وبقدونس، لم تسلم من لهيب الزيادات، وسط تبرير الأمر بمنطق السوق في العرض والطلب، لكن من غير المقبول وصول أثمان بعض المواد الأساسية، وعلى رأسها السمك، إلى مستويات «خيالية»، ولا تفسير الفوارق الصارخة في الأسعار داخل السوق الواحد لنفس المنتوج.
لقد تكرر التنبيه إلى أن أسواق السمك بشكل خاص تعج بالمضاربين الذين يتحركون بعيدا عن الأضواء، ويتقنون لعبة تخزين السلع والتحكم في مسارها، بما يسمح بالتأثير على الكميات المعروضة وبالتالي على السعر النهائي، فهؤلاء لا يشتغلون في الواجهة، ولا يسهل رصدهم عبر جولات روتينية تقوم بها لجان المراقبة باعتماد وسائل تقليدية يغيب عنها عنصر المفاجأة، وتتبع سلاسل التموين من الإنتاج إلى المستهلك، والتدقيق في الفواتير وهوامش الربح.
إن تكرار نفس شكايات ارتفاع الأسعار كل رمضان، ومعها تكرار وعود الصرامة في مراقبة الجودة وحماية المستهلك، يطرح بإلحاح سؤال النجاعة في التنزيل، كما أن لجان المراقبة مطالبة بأن تنزع عنها رداء «الموسمية»، وألا تكتفي بتدبير الأزمة تحت ضغط الموسم، بدل اعتماد استراتيجية استباقية ودائمة، تنخرط فيها مؤسسات متعددة، على رأسها المجالس المنتخبة عبر تفعيل دور الشرطة الإدارية، وتشديد المراقبة على إشهار الأثمان، واحترام شروط التخزين والصحة والسلامة.
وإذا كان لا أحد يختلف في أن العادات الغذائية الرمضانية تساهم في رفع مستوى الطلب، وبالتالي ارتفاع الأسعار، فإن ذلك لا يمكن أن يكون مبررا لانتعاش المضاربات واستغلال الفرص على حساب جيب المواطن، بل إن رواج الشهر الكريم يمكن أن يكون فرصة لتحريك عجلة الاقتصاد، ودعم التجار والمنتجين، دون إرهاق ميزانية الأسر أو إنهاك قدرتها الشرائية.
إن مسألة مراقبة الأسعار من صميم حماية القدرة الشرائية والاستقرار الاجتماعي، لذلك فإن حماية «قفة» المغاربة لا ينبغي أن تكون موسمية، ولا أن ترتبط فقط بشهر رمضان، بل أن تصبح أولوية دائمة بالنسبة إلى كافة المؤسسات والاجتهاد في إنتاج تشريعات أكثر صرامة ضد الاحتكار والمضاربة، واعتماد آليات حديثة لتتبع مسارات التموين، والتفعيل الأمثل لأدوار المراقبة والزجر.
وختاما فإن هناك معادلة يجب أن تبقى متوازنة، بين منطق السوق والعرض والطلب، وضمان الرواج الاقتصادي، وبين حماية المستهلك وضمان حقه في شراء مواد أساسية بأثمان تراعي القدرة الشرائية وتتوفر على معايير الصحة، لأنه بدون الأخيرة أو اختلالها تدفع الدولة الثمن غاليا لضمان العلاج، وتخسر الالتزام بأوقات العمل وتدني نسبة الإنتاج.





