حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرأيالرئيسيةسياسية

البرلمان الذي يخاف تقاريره

نعيمة لحروري

مقالات ذات صلة

 

في مجلس النواب، لا مشكلة في تشكيل مجموعات العمل الموضوعاتية، ولا في عقد الاجتماعات، ولا في إعداد التقارير ولا حتى في التقاط الصور التذكارية بعد انتهاء المهمة. المشكلة تبدأ فقط حين يحين وقت عرض هذه التقارير على الجلسة العامة. هنا يتوقف كل شيء، ويدخل التقرير إلى المنطقة الرمادية، لا هو نوقش، ولا هو رُفض، ولا هو فُعّل ولا أحد يشرح للرأي العام لماذا ظل حبيس الرفوف.

هذا هو جوهر العبث الذي كُشف عنه أخيرا، تقارير جاهزة، أُنجزت وانتهت، لكنها ما تزال تنتظر البرمجة، في وقت تتزايد المطالب بإحداث مجموعات عمل جديدة. بمعنى أوضح: البرلمان يواصل إنتاج التقارير، لكنه لا يجد الوقت أو لا يملك الإرادة لتقديم نتائجها ومناقشتها أمام المغاربة.

وهنا يصبح السؤال مشروعا: لماذا تحدث هذه المجموعات أصلا إذا كانت تقاريرها ستبقى معلقة؟ هل الغاية هي تقييم السياسات العمومية فعلا، أم فقط إعطاء الانطباع بأن هناك عملا رقابيا جاريا؟ لأن الرقابة التي تنتهي إلى تقرير لا يعرض، تشبه محاكمة بلا حكم، أو درسا بلا خلاصة أو ضجيجا كثيرا بلا معنى.

الأنكى أن بعض هذه التقارير لا تتعلق بملفات هامشية، بل بمواضيع تمس حياة الناس مباشرة، من أسعار المواد الأساسية إلى قضايا المساواة والمناصفة. أي أن الأمر لا يخص أوراقا إدارية مركونة في مكتب، بل خلاصات مرتبطة بقضايا اجتماعية وسياسية حية. ومع ذلك تترك هذه التقارير تنتظر، وكأن البلاد ليست في حاجة إلى معرفة ما انتهى إليه ممثلو الأمة بشأن ملفات بهذا الحجم.

المشكل هنا ليس في مجموعات العمل نفسها. من حيث المبدأ، هذه الآلية مهمة، لأنها تسمح بدراسة ملفات دقيقة ومعقدة، والاستماع إلى مختلف المتدخلين، وصياغة توصيات يفترض أن تغذي النقاش العمومي.. لكن حين تنجز المهمة كاملة، ثم يلقى بالتقرير في الثلاجة، فإن الآلية كلها تفقد معناها، بل أكثر من ذلك، تتحول إلى ديكور مؤسساتي، شكل موجود، مضمون غائب.

الأسوأ أن مكتب المجلس يملك سلطة تقرير مصير هذه التقارير: تبرمج أو لا تبرمج. وهنا مكمن الخلل الحقيقي. لأن الأمر لا يصبح تقنيا فقط، بل سياسيا أيضا. من يضمن أن بعض التقارير لا تتأخر فقط بسبب ازدحام الجدول، بل لأن مضمونها مزعج، أو لأن توقيتها غير مريح أو لأن فتح النقاش حولها قد يحرج هذا الطرف أو ذاك؟ حين تغيب الشفافية، يصبح كل تأخير مشبوها، وتصبح كل رفوف المجلس متهمة بإخفاء ما لا يراد له أن يُقال بصوت مرتفع.

ثم إننا أمام نهاية ولاية تشريعية، وهذا أخطر ما في الموضوع، لأن نهاية الولايات عندنا كثيرا ما تتحول إلى مقبرة أنيقة للملفات المزعجة. ينتهي الزمن السياسي، وينشغل الجميع بالترتيبات المقبلة وتترك الأعمال غير المكتملة وراء الستار. وهكذا قد نجد أنفسنا أمام تقارير أُنجزت بأموال عمومية، ووقت عمومي وجهد عمومي، ثم انتهت بلا أثر عمومي.

بصراحة، البرلمان، الذي يكوّن مجموعات عمل، ويجمع المعطيات، ويكتب التقارير ثم يعجز عن عرضها ومناقشتها، لا يمارس رقابة حقيقية، بل يستهلك شكل الرقابة فقط. والفرق كبير بين المؤسستين: واحدة تراقب وأخرى تتظاهر بأنها تراقب.

المغاربة لا يحتاجون إلى مزيد من التقارير المركونة، بل إلى مؤسسات تملك شجاعة مواجهة خلاصاتها، لأن التقرير الذي لا يُناقش ليس إنجازا. إنه مجرد ورق مؤجل. وفي السياسة، الورق المؤجل اسم آخر للحقيقة التي يخاف أصحابها من إعلانها.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى